ثقافة المقال

كارل بوبر أو نهاية اليقين العلمي *

ترجمة رضا الأبيض ( تونس) **

إذا لم تكن اليوم على ما يرام، فقل لنفسك : كان من الممكن أن أكون كارل بوبر، أحد أهم فلاسفة العلم في القرن العشرين.
**

لم تكن حياة كارل بوبر ممتعة. حياته الخاصة ربما كانت كذلك، ولكنّ تفكيرَه في كل الحالات يفضي إلى يقين هو عدم اليقين.
إنه من الصعب ألاّ نتأكد من أيّ شيءٍ، و ألاّ يكون لنا أساسٌ صلب نعتمد عليه . لكن ، هذا هو تقريبا ما تقودنا إليه إبستمولوجبا بوبر، بما هي الحقل الفلسفي الذي يهتم بالحقيقة في العلم.
قبل بوبر ، كنا نظن أنّ النظرية العلمية صحيحة إذا تمّ التحققُ منها . على سبيل المثال ، يمكننا أن نرى عددا من البجع الأبيض دون أن نكون متأكدين أنه في يوم من الأيام لن نرى بجعة سوداء . وليس اختيار هذا المثال عشوائية، لأننا في الواقع نعتقد أنّ البجع أبيض اللون إلى أن نرى بجعة سوداءَ.
إن هذه الفكرة ثورية جدا في فلسفة العلم. عارض بها بوربر التقاليد العريقة التي منذ ديفيد هيوم، على سبيل المثال ، أو بعبارة أخرى منذ القرن الثامن عشر، اعتبرت أنّ العلمَ الحقيقي هو العلم المثبت. هذه الرؤية للأمور هي التي قادت الفيزيائيين للحديث لسنوات عن الأثير، هذه المادة التي من المفترض أن تملأ الفضاء، وبالتالي تملأ الفراغ . لقد صيغت العديد من الفرضيات حول الأثير أثبتت جميعُها، نظرًا لأن مفهوم الفراغ كان من المستحيل تصوّره. ولكن لنقل في دقة إنّ اثبات الأمر لا يعني صحته. وكان من الضروري حل المعضلة لاحقًا، فنتوصل إلى أنه لا وجود للأثير.
لذلك، استبدل بوبر هذه الرؤية المُطَمْئنة للعلم – وخلاصتها: ما يمكن التحققُ منه كلّ مرة هو صحيحٌ – بمفهوم غير مطمئن مطلقا ، يمكن تلخيصه على النحو التالي: ما لا يُدحض فهو ليس خاطئا ، أو هو صحيحٌ مؤقتا . هذا هو معيار بوبر لقابلية الدحض ، وبعبارة أخرى ، هي إمكانية دحض أو عدم دحض معطى علمي ، لاختبار صلاحيته.
نعم ، إنّ إمتلاك القدرة على دحض معطى علميّ ضرورة لوجود العلم فعلاً وفقا لكارل بوبر. ومثال ذلك أن تحليل فرويد النفسي كان من غير الممكن دحضه ، بعبارة أخرى كان يُسلّم باستحالة اختبار إحدى فرضياته. هكذا أنجز تأويلُ الأحلام انطلاقا من مفهوم للنفس البشرية، واللاوعي، الذي لم يكن ممكنا الوصول إليه باعتماد كلّ أشكال الاختبار. فإذا اتفقنا مع التحليل النفسي ، فإنّ كلّ شيء يسير على ما يرام ، وإذا اختلفنا معه ، فإننا نُظهر دليلاً على المقاومة. أمّا بالنسبة لـ بوبر ، فإن هذا النوع من التمشي لم يكن قابلاً للاختبار، لذا فهو ليس علمياً.
وفي المقابل اعتبر بوبر أنشتاين ونظريته في النسبية نموذجًا للعالِم ، لأن أنشتاين كان دعَا جميع أقرانه إلى محاولة دحض أطروحاته، واعتبر أن استنتاجاته يمكن أنْ تعدّ صحيحة فقط ، فقط لا غير حين لا أحدَ يوفّق في دحضِها.
لقد تمكن هذا الفيزيائي فعلاً من أن يعيشَ دون نجدة من حقيقة نهائية.

* https://www.franceculture.fr/emissions/le-malheur-des-uns/karl-popper-ou-la-fin-de-la-certitude-scientifique
ridhalab69@gmail.com**

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق