ثقافة السرد

الطبل

زهير عبد الرحمن

انطلقتْ بنا الحافلةُ المتجهةُ صعوداً من المدينة إلى القرية، صباحَ يوم بارد، كانَ الطقسُ غائماً نسبياً مع احتمال ضعيفٍ لهطول زخات من المطر، حسبَمَا أفادتْ به نشرةُ الأحوالِ الجوية، التي اعتدنا متابعتها، كلّما توجّبَ علينا الذهابُ إلى القرية للقيام ببعض الأعمال الزراعية. كانتْ القريةُ تبعدُ عن المدينة مسافةً زمنية تُقدرُ بساعة ونصف الساعة، وترتفعُ قُرابَةَ الألفِ مترٍ فوقَ سطحِ البحرِ، كانتْ القريةُ تتربعُ كالحُلم على سفح جبلٍ ، ضمنَ سلسلةٍ من الجبال المتهاديةِ في الارتفاع. لقد كانتْ دقّة التنبؤِ بالطقس في المرتفعات – مسألةً صعبةً – لأنّ مراكز الأرصاد الجوية غالباً ما تتواجدُ في المدن، مما جَعَلنا في كثير من الزيارات نَمضي الوقتَ في المنزل بسبب غزارةِ المطر، نجلسُ قربَ المدفأة، خلفَ الزجاج، نستمتع ُبمنظرِ خيوطِ المطرِ، تتسابقُ نحوَ الأرضِ لتشكلَ سيولاً، تتجهُ مسرعةً عبرَ المنحدراتِ، جارفةً بطريقِها كلَّ مايصادفُها منْ أشياء.
إلّا الخيبةَ والخذلان، فما كانَ بمقدور المطرِ إزالتُهما، بل على العكس، كانَ يتسببُ بزيادة ثقلهِما كالثياب المبللة. هكذا كانتْ حالتي أنا وأخي في أغلب عُطلِ نهاية الأسبوع. لم يكنْ بمقدورنا اتخاذُ قرارِ التخلّي، وحسمُ الصراع بينَ الالتزامِ بطاعة تعاليمِ الوالدين، بضرورة الحفاظِ على الأرض كإرث وتاريخ، وبينَ انعدامِ الجدوى الاقتصادية من العمل الزراعي في أرضٍ اتسمتْ بالشحْ.
وكثيرا ماتذكرنا أغنية فيروز ” لوين رايحين … لوين مسافرين…”.
كانتْ القريةُ تعتمدُ على زراعة التفاحيات، وهي من الزراعات التي تتطلبُ متابعةً دائمة. نُعطيها الجهدَ والوقتَ، وتُبَادلنا الشقاء والبؤس وكفافَ العيش. لقد تعلمتُ أشياء كثيرة من هذا العمل ، تعلمتُ الصبرَ، تعلمتُ توقّع الأملِ وليسَ الأملَ نفسُه. الأملَ تعلمتُهُ صغيراً في المدرسة، حين تعلمنا مقولة: من جدّ وجدْ، أما العملُ الزراعي فعلّمني: من جدَّ قدْ يَجدْ. فبالإضافة للجهد المبذول نحتاجُ رعاية السماء لهطول الأمطار في وقت محدد، مع حرارة مناسبة، ونسيم خفيف عليل، وفرصةَ تسويقٍ جيدة، مع توفرِ وسائل المواصلات، وبكلماتٍ أخرى كنا نحتاجُ أن تشاركنا آلهة ُالخصْبِ في رعاية عملية الزراعة لينجحَ الأمرُ. خُيّلَ إليْ، أنني أدركتُ سرّ العلاقة بين الانسان واللّه ولماذا تكثرُ النّذُرُ في الأرياف وتنخفضُ عنها في المدن. لقد بتُّ أُحِسُّ بالقهر والقرفِ بآن واحد لسبب قد يبدو مضحكاً لأول وَهْلة، هل تستطيعْ أن تتصورْ أنني شعرتُ بأنني أتنافسُ مع الدودة في صراعٍ على البقاء.
أحدُ أكثرِ المتاعب في زراعة التفاح، كانتْ مكافحةُ دودةَ الساق، التي تعيشُ في ساق الشجرةِ وتأكلُها منَ الداخلِ بشراهة وتضعُ بيوضَها فيها ثم تتشرنقُ لتتحولَ إلى فراشة جميلة. نعم ماأجملها كفراشة، وما أسوأها كدودة، هي الكائن نفسُه.
نعم.. إنه لَأمْرٍ مخزي أن نتنافسَ مع الدودة على ثَمَرَةِ التفاح، شَعرتُ بالقرفْ، شعرتُ بالتفاهَة. اسمُها دُودَةُ التفاح، نحنُ البشر من أطلقَ عليها هذا الاسم، لأن شجرة التفاح هي بيتُها الذي تعيشُ فيه، هي بيئتُها الوحيدة التي تحيا فيها. نعم أدركتُ من أسرار الوجود أكثرَ مما كنت أتوقع. فهمتُ أصلَ روح الشر الكامنة في الانسان، فهمتُ كيف يتولدُّ الدافعُ لدى الانسان للقضاء على كل شيء بما فيه أخيه الانسان من أجل بقاءِ الأنا. وبالمقابل فإن النوعَ يدافعُ عن ذاته لا كَفَردٍ بلْ كجنسٍ كائنٍ كما يتوقعُ شوبنهاورْ، فينتقمُ الدودُ ككائن من الانسان كجنس في لحظة ضعفه. واحدة بواحدة، أي عبثٍ هذا؟؟؟
الانسان …. والصراع من أجل السيطرة، لايقتصرُ على الحروب والقتْلِ العبثي، بل يمتدُّ إلى محاولة استلابه والسيطرة عليه، وسحقِ احساسه بإنسانيته وتشييئه ( تحويله لشيء)، وربما إعادةُ صياغته كائناً لطيفاً، مِطواعاً، ضمنَ الوطنِ الواحد، تحويلهُ رقماً قابلاً للعدّ والتصنيف.
كانتْ الأفكارُ تتخاطفني جيئة وذهاباً، وراحتْ تضغطُ عليّ، كما فعلتُ أنا ذاتَ يوم، مع تلك الدودة التي اختبأتْ في إحدى الزوايا الملتوية ضمنَ جذع الشجرة، وقدْ رَاكمتْ خلفها كميةً كبيرةً من لحاء الشجرةِ بطريقة تحميهَا من محاولتي القضاء عليها. إنه صراعٌ من أجل البقاء، لقد طوّرتْ الدودةُ أسلوباً يحمِيها منَ الشرّ القادم من الخارج. رُحتُ أتأملُ وأسخرُ من ذاتي، ومن عبثية القدر، للمفارقة العجيبة، كيفَ أنّ الدودةَ ذاتَها لو قُدّر لها أن تحيا أسبوعاً آخر، لتَحولتْ إلى فراشة، وسأطاردُها أنا نفسي لألعبَ معها وأحاولَ الامساكَ بها ثمّ أعيدُ إطلاقها ثانية، كما اعتدتُ ذلك في الطفولة.
اكتشفتُ أنّ المسافة بين الصداقة والعداوة هي وَهْمٌ، يُقاسُ بامتداده الزمنيّ. هي فراغٌ يُقاس بحجمه.
كان اليوم المقرّرُ للعودة إلى المدينة، يوماً استثنائياً بامتياز، تذّكر أخي مستاءً قائلاً لي: غداً هو ذكرى تتويجُ الملك، أي حظٍّ هذا، ماكان يجبُ أن نأتي هذا الاسبوع، سنجدُ صعوبةً بالغةً في إيجادِ حافلةٍ مغادرة إلى المدينة كي نستقلُّها، علينا التوجهُ صباحاً باكراً.
كانت مناسبة ذكرى تتويجُ الملكِ يوماً مشهوداً في المملكة كلّ عام. حيثُ تحتشدُ جُموعُ المواطنين في كل المدن، وتُعْقدُ حلقاتُ الفرح والدّبكة في كل مكان، كما تجوبُ المدنُ مسيرات المحبة والتأييد لجلالته. هذا وتزدانُ الشوارع والساحات بالأعلام وصور الملك المفدّى. وجرتْ العادةُ أن يتُمّ نقلُ ألافِ المواطنين والفلاحين البسطاء من الأرياف إلى المدينة لإظهار حجمِ الوَلاء والمحبّة اللذيْن يَتمتعُ بهما جلالته، آسرُ قلوب الملايين. غالباً، ما كان يتم الاحتفال في يوم عَمل رسمي، لتتمكّنَ الحكومةُ من إعطاءِ المواطنين فرصة حقهم المشروع بالتعبير عن فرحتهم بهذه المناسبة العظيمة. دون أي الزامٍ أو مراقبة كما يدّعي البعض.
انطلقنا في الصباح الباكر، كانَ علينا أن نمشي قرابةَ الفرسخ لنصل إلى القرية المجاورة، حيث تنطلق الحافلات إلى المدينة. عند وصولنا، كان واضحاً لنا أن كلَّ الحافلات قدْ تمّ حجزُها من قبل اتحاد الفلاحين، لنقل الفلاحين وبقية المواطنين من الأرياف إلى المدينة، للمشاركة في هذا الاحتفال المهيب. تبادلتُ النظراتَ مع أخي عن الخيارات المتاحةِ أمامنا. توافقتْ نظراتُنا على أنه لاخيار لنا سوى الصعودُ إلى إحدى الحافلات كبقية الناس، وعند وصولنا سنجد وسيلة ما للتخلص من هذا المأزق، خاصّة وأن كِلانا كانَ لديه عملٌ في اليوم التالي، وبالتالي لاجدوى من التفكير بالعودة إلى القرية.
أشار إلينا منسقُ الحملة، حين لاحتْ له ملامحنا بأنها لا تشي بانتمائنا لطبقة الفلاحين، للصعود في الحافلة الأولى. وربما قال لنفسه: لابأس بانضمامهم لنا طالما لديهم النية الصادقة لمشاركتنا فرحتنا الغامرة بذكرى تتويج الملك.
صَعدْنا الحافلة، كانتْ شِبهُ ممتلئة، ونظراً لتقديرهم لمُحيّانا، فقد أوعزَ منسقُ الحملة بنفسه لإخلاء المقعدِ الأول وتخصيصهِ لنا، وأمرَ مساعده بإعطائنا لافتتين لنرفعهما بأيدينا أسوة ببقية المواطنين الذين تغشاهم الغبطة من السعادة العارمة بالمشاركة بهذا الاحتفال. كانت اللافتة الأولى تحمل صورة الملك المفدّى، والثانية علم المملكة. اختار أخي الجلوس قرب النافذة وترك لي المكان من جهة الداخل. ناولته علم المملكة، فربّما لمحَه أحدُ الأصدقاء من النافذة خلالَ رحلةِ العودة.
التفتُ إلى أخي بعينين حزينتين وقلبٍ يعتصرهُ الألم، ولسانُ حالي يقول: أي قدرٍ أحمقَ هذا الذي قادنا إلى هنا، هزّ رأسهُ مواسياً ومدركاً ما بِي، وهمسَ في أذني بابتسامة ساخرة: بكل الأحوال حالُنا أحسنُ من حال رئيس الوزراء، لقد رأيته في احتفال العام الماضي يَعتلي أكتافَ أحدِ المواطنين وقد بُحّ صوته وهو يهتفُ بحياة جلالة الملك.
رحتُ أقارنُ نفسي معَ تلكَ الدودة، أيُّنا أسوءُ حظاً، أنا أم هي. وأيُّ قهرٍ هذا؟ الدودة وفي كل الأحوال متصالحةٌ مع ذاتها، تحاولُ التكيفَ مع الطبيعة لتحمي نوعَها، تسكنُ بيتَها، لمْ تعتدي على أحدْ، وإن قضَتْ فهناك الكثيرُ من صِنفها سيُكملُ دورة َالحياة. أمّا أنا … فأيُّ حشْرِ هذا الذي أنا فيه؟ وأيُّ معاناة تلك التي أعيشُها، أين أنا من رسالتي في الحياة، وماهي رسالتي أصلاً… ومن أين لي هذا التصوّر بوجود رسالةّ! … أي خديعةٍ هذه التي أعيشُها منذ زمن! عليّ أن أدركَ أنني وغيري مجرّدُ أرقام، دون دلالَة أو هويّة، ماهِيتُنا تتحدّدُ وفقط بما تُسبغُه علينا حكومة جلالته من النعم والعطاءات، علينا أن نشعرَ بالخجلِ والعارِ من أنفسنا، حين لانقدّرُ حجمَ الجهد الذي يبذلهُ مولانا بالسهر على مصالح العباد، فهو لايقلُّ شأناً عن نابليون حين قال: أعملُ في النهار لخدمة شعبي وأسهرُ الليلَ من أجل مجدِ فرنسا. ولا أدَلُّ على عظَمَةِ الملك في ذلك، من تفاني رئيس الوزراء – كما ذكرَ أخي – في احتفال العامِ الماضي، حينَ كانَ يتصببُ عَرَقاً وهو يهتفُ بحماس شديد بحياة الملك.
ما هيَ إلّا لحظات حتى اعتَلىَ الحافلة شخصٌ يحملُ طبلاً ضخماً، إنه قائدُ الايقاع، وبَدأ باتخاذِ وضعيةِ الاستعدادِ للانطلاق، وقد اختارَ مكانَه خلفَ البابِ – مقابلاً لي مباشرةً – حيثُ المساحةُ المثلى له في حرية الحركة.
ما هيَ إلّا لحظات حتّى أعلنَ منسقُ الحملة عنْ انطلاق موكبِ الفرح، بعد أن اطمئنَّ على استعدادِ الجميع للبدءِ في مسيرةِ الوفاء.
ضربةٌ هائلةٌ على الطبل أفقدتني صوابي، واخترقتْ أُّذُنِي اليمين من جهة الطبل، واستقرتْ في جمجمتي. تلتْها عدةُ ضرباتٍ منخفضة الشدّة ثم ثانيةً ضربةٌ مهولة. ربّاهْ … رحْماكَ ياإلهي، أيّ عذابٍ هذا؟ سارعتُ بالاحتماءِ بصورةِ جلالته بأنْ وضعتُها بيني وبين اتجاه الطبل، علّها تخففُ شيئاً من شدّة الصوت، فما كانَ من قائد الايقاع إلا أن نَظرَ إليّ شذَرَاً، وبدا غيرَ مُرتاحٍ إطلاقاً لِحَالة الكسلِ التي أبْدو عليها، بينما ارتفعتْ الاهازيجُ من كل صوبٍ، وحدب في الحافلة بعد انطلاقها.
بدأ قائدُ الايقاعِ بالتحديقِ بي، وقد قَطبَ حاجبيه، كما لو كانَ يشكّكُ بولائي للملك. انتبهتُ للأمر وتوجّستُ خيفَةَ، وكانَ عليّ تدارُكُه، فرسمْتُ ابتسامةَ عريضة على وجهي، تُخفي ألَمِي الداخلي، وباشرْتُ بالتصفيق والانشاد مع جوقة القطيع في الحافلة.
عندما لاحَظَ قائد الجوقة التحوّلَ الذي طرَأَ عليّ، انفرجتْ أساريرهُ، وبدأ يترنحُ طَرباً مع كل ضربة طبل، ويتابعُ انسحاقَ روحي مع كلّ تمايلْ.
بعد مرور بعض الوقت، ابتدَأَ الطنينُ يزدادُ ويتحرّضُ في أذني، أذكرُ أن أُذُنِي استمرتْ بعزفِ الايقاعِ، حتى بعدَ توقفِ جوقةِ الانشاد للاستراحة. مع اقترابِ وصولِ الحافلة إلى المدينة، تبادلتُ وأخي النظرات عن طريقة الافلات من متابعة الاحتفال، فأشارَ إليّ بالهدوء. ومع دخولِ الحافلة أوّلَ أحياءِ المدينة، أشارَ أخي للسائق للتوقفْ، لأننا نريدُ الالتحاقَ بموكب المديرية التي نعملُ بها، فهُمْ الأولى بالمشاركة بالاحتفال. ما ان لامستْ أقدامنا الأرض حتى سارعنا بالدخول إلى أحد الأبنية، وهناك خلفَ الدرج وضعنا صورة جلالته لترقد بسلام. وانتظرنا برهة من الزمن ثم خرجنا باتجاه المنزل.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق