قراءات ودراسات

“حراء”.. في الشعر الروسي

دكتور السيد إبراهيم أحمد

لم يغب ذكر غار حراء عن قصائد بعض شعراء روسيا الذين اهتموا بدراسة الإسلام في الأساس، وكان من أهمهم الشاعر بوشكين، ثم الشاعر إيفان بونين، وأخيرًا الشاعر نيقولاي تيخونوف:

ــ الشاعر بوشكين:
في روسيا حفلت قصائد أمير شعرائها الكسندر بوشكين بالاستلهامات القرآنية والنبوية والتي تعطي لقارئها انطباعًا قويًا عن اطلاعه القوي والعميق على التراث الإسلامي، ولأن غاية ما نبتغيه من شعره هو ما يتصل اتصالاً وثيقًا بلحظة التنزيل القرآني الأول في حراء، فنجده ممثلاً بقوة في أعظم قصائده: “الرسول” أو “النَّبي” التي كتبها في عام 1826، وتأخذني الحيرة في نقلها لكثرة من ترجمها من أهل الاهتمام بالأدب الروسي بعامة وبشعر بوشكين بخاصة، ورغم روعتها في كل من ترجم لها مثل الدكتور طارق مردود، وضياء نافع، وإبراهيم إستنبولي، إلا أنني سأنقلها بترجمة الشاعر رفعت سلام لثناء جمهرة من المترجمين على جودتها:
ظامئًا قلبي الوحيد
قطعتُ الأراضي البورَ القاحلة
حين وجدته أمامي، ساروفيمَ المجنٌح،
صامتًا، منتصبًا،
وعلى مفترق الطرق انتظرني.
على عيوني الطينية العمياء
وضع أصابعه برفق،
وكعيني نسرٍ عند الرعب،
فُتِحتا وراقبتا الأرضَ والسماء،
لمس أذني، ثم الأخرى،
وواضحة متميزة تمامًا،
أتتني الرفرفةُ الرهيفةُ لأجنحة الملاك،
فسمعتُ الكرمة
وهي تغوصُ في الأرض، وترتفع في السماء،
وهُولاتِ أعماق البحر
تنزلق في الماء كالأسماك..
اعتصرَ لسانيَ الآثمَ البارعَ من فمي،
وانتزعه بيدٍ دامية،
مال فوقي بلا شفقة
وَدسَّ ناب أفعى بين شفتيَّ الهامدتَيَن..
ثمٌ ــ غارسًا سيفه اللاَّمع ببطء ــ
شقَّ صدري،
واقتلع قلبيَ المرتعشَ المُعتمَ، الكالحِ،
وغرس بتثاقُلٍ في الفجوةِ المفتوحة
جمرةً، سرت مع اللَّهيب..
رقدتُ هناك، ميَّتًا،
وإلهي، تكلًّم يا إلهي،
وهذا ما قال:
انهض أيها الحكيم، يا من تسمع دعوتي
افعل كما أطلب، يا من يعوُقُك العدم؛
تقدَّم على الأرض، نبيٌا، لافحَا قلوبَ الرجالِ
بكلمةِ الحق.
لا يمكن القول بأن تأثر بوشكين بالثقافة الإسلامية والقرآن الكريم كان بسيطًا؛ فقد أسهم من خلال شعره بنشر اسم القرآن في الاتحاد السوفييتي وبتعريف القراء الروس باسم “محمد” صلى الله عليه وسلم, لأنهم يقرؤون شعر بوشكين ويتابعون كل ما صدر له، فبوشكين، كما يقول عنه الكاتب الكبير جوجول: (بوشكين معجم انحصر فيه كل غنى لغتنا وقوتها ومرونتها. إنه ظاهرة خارقة، ولعله الظاهرة الوحيدة التي تجلت فيها الروح الروسية).
أما “الساروفيم” الوارد بقصيدة بوشكين، فهي كلمة عبرانية يَغلُب أن يكون معناها “كائنات مشتعلة”، لم ترد إلا في نبوة اشعياء بوصفها، وقد تكون تسمية للأرواح التي كانت تخدم عرش الرب وتحيط به، ويقال في التصور المسيحي أن لهم وجوهًا وأيدي وأرجلًا وأجنحة، ولكل منهم ستة أجنحة، ويبدو أن السرافيم كالكاروبيم نوعان ساميان من الملائكة الذين يخدمون الله. والكاروبيم، هم جوقة من الملائكة مذكورة في عدة مواضع من الكتاب المقدس، وتعتبر أحد أقسام الملائكة في اليهودية والمسيحية.
ــ الشاعر والأديب إيفان اليكسي فتش بونين:
ويأخذنا رائد الواقعية التقليدية إيفان بونين ـ آخر عمالقة الأدب الروسي الكلاسيكي، وأول من فاز بجائزة نوبل من أدباء روسيا ـ إلى رائعته “ليلة القدر”، وهي واحدة من قصائده الإسلامية الغزيرة، نتيجة لقراءته العميقة للقرآن الكريم الذي لم يفارقه حتى في سفراته العديدة، ولذا فقد جاءت قصيدته تلك من فهمه الواعي لسورة القدر، والتي بدأها بآية منها:
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [سورة القدر:4].

إنها ليلةُ القدرِ. تلاقتِ الجبالُ واتحدتْ،
وصعدت ذراها نحو السماء.
كبّرَ المؤذّن. وقطعُ الجليدِ ما زالت حمراء.
ولكن صقيع الظلام قد بدأ يتنفس في الثغور والوهاد.
إنها ليلة القدر. والغيومُ ما فتئت تهبط
وتتشتتْ على سفوح الجبال المظلمة.
كبّرَ المؤذِّن. والنهرُ الماسيُّ يجري
أمام العرش المعظّم، وهو يتبخّر.
وجبريل ــ دون أن يُسمَع أو يُرى ــ
يلفّ العالمَ النائمَ. ربي، باركْ
الدربَ الخفيّة للحج المقدس
وامنحِ الأرضَ ليلة من السلام والمحبة!

ــ الشاعر نيقولاي سيميونوفيتش تيخونوف:

ذكر الشاعر نيقولاي تيخونوف “ليلة القدر” ضمن قصيدته الفريدة “الإسلام” والتي سننتخب منها المقاطع الخاصة بتلك الليلة المباركة:

إلاّ الله.
شفاهي ــ حق وحساب!
لكم ــ البشر، لكم ــ الغيوم، لكم ــ وحوش الصحراء.
أبوه ــ جمل بأسنمةٍ كالدخان.
أمّه ذات الشعر المتجعد الأخضر ــ نخلة في المدينة المنوّرة.
لقد اقتفيتُ آثار أقدامه.
ولكن قلبه ــ قطعة جمر، وروحه ــ ضالة.
…..
وابتعدتُ ، ابتعدتُ إلى حيث الريح والطريق
أهوَّ، يا الله، مَن سيكنس الظلام؟
وإذ بالجملِ الماسيّ يشقُّ لي صدري بحوافره،
والكلبُ المقدس يَنبحُ : نعم، هو.
ألِف، لام، ميم!
اِسمع:
ليلةُ القدر أكثر اخضرارًا من الغابة،
يا مَن دق البابَ عندي والقلبَ؟
…..
تَعِبَ النخيل من هزّ الرؤوس نحو الشرق،
النبات يصلّي، والأُسُود لا ترِدُ الماء ــ
ليس مائة قبلةٍ، بل حقاً ثلاث مرات سآخذ
منك مائة مع أول نجمة ليلية،
لكي تعود حياتي إليَّ
في ليلة القدر هذه.
وأنا قلتُ لذلك الشخص: “وقت”،
هو الأكثر بأسًا…
شفاهي حق، وشفاهي ــ حساب!
غداً سأنطلق في الدرب،
لأنني جمّال أنا، والجمل،
والأرض، والسماء فوقها…
ويوم غد ــ كالسيف.
لتنامي، يا زهرتي،
فاليومَ سلامٌ ــ في الأرض وفي المحيط.
اليومَ في ليلةِ القدر
يدخلُ الجنّةَ مع الأنبياء
حتى أشدّ المنبوذين بين الناس.
يقول الدكتور محمود الحمزة في مقاله “دور الترجمة والاستعراب في التفاعل الثقافي بين العرب والروس”: (إن سورة “ليلة القدر” العظيمة، وعلى الرغم من قصرها، قد أعطت دفعة قوية لمثل ذلك الإلهام الشعري الرفيع، و تسبب الاطلاع عليها بنشوء تيارات عميقة من الرؤى والتصورات في الأدب الروسي).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق