ثقافة السرد

على شرف الجميلة

عبد العزيز دياب*

الإشارات التي انفلتت بها أكفهم كانت تشي باحتجاج ومهادنة، توافق ونفور، رضا وامتعاض، أجَّجَهَا وصول صاحب العمامة والجلباب البلدي الفخيم، فانفلتت إشارات أخرى مبهمة تشي بِغِلٍ لا يليق بهم.

مشروبات ساخنة هبطت تجلو أنفاسًا علقت بالصدور، وأخرى باردة لحوحة تؤخر أية نية للحمق والتهور.

طرقعة إصبعان ماهران لصاحب القميص الكاروهات الأنيق، كنت أعرف أنها إشارة مهذبة، تطلب من النادل الارتداد سريعًا، لتلبية رغبة ما حول إضافة فنجان قهوة، أو حذف كأس أيس كريم طغت فيه نسبة الشيكولاتة على الحليب، حسب مزاج صاحب التي شرت الفيرانى، بُنْيَانَه الفتى مَكَّنَه أن يُصَعّرَ أحرفًا أجنبية اكتملت بها عبارة (love me)، بكل فخر مسح بكفيه عليها رغم درجات التوتر التي كانت تذهب وتجيء ما بين لحظة وأخرى، يصعد مؤشرها كصعود الدولار، أو يهبط كهبوط اضطراري لطائرة في ظرف ما.

كل الإشارات التي انفلتت بها أكفهم، يمكنني أنا الجالس في الركن البعيد تقبلها، لكنني لا يمكن أبدًا أن أتقبل من صاحب العمامة والجلباب البلدي الفخيم أن يقف ويجلس مرتين، وفى جلوسه للمرة الثانية تمتد كفه مفرودة، تشق الفضاء بعنف باتجاه وجه البنت، كف غليظة لا تعرف الرحمة، جفلت البنت وضيقت عينيها بعد أن ذَبَحَتْ البسمة على شفتيها، لحظتها انتبهت إلى البلوزة المشمشية التي ترتديها مع البنطلون البني المِجْرِبْ، وأن ذلك هو الزى المناسب تمامًا لشعر ذهبي ينساب على كتفيها.

هذه العمامة لا يعرف صاحبها كيف تكون معاملة الجميلات، نفضنى الكرسي، اتجهت ناحيته لأرَوّضْ كفه الغشيمة، لكن شخصًا ما أمسكني، همس في أذني بكلمات أعادتني إلى مكاني، اكتشفت بعد أن اختفى أنه كان يشبهني تمامًا، كأنه جاء لمهمة كبح اندفاعي وتهوري.

إصبع السَبَّابَة المرفوع أمام الشفتين من صاحب القميص الكاروهات كان أمرًا بالتزام الصمت، نبهه صاحب التي شرت الفيرانى بِسَبَّابَته ووسطاه، هبط بهما من أسفل عينيه إلى شفتيه، التفت صاحب القميص الكاروهات إلى البنت، قدم لها علبة مناديل ورقية، أومأ لها برأسه أي امسحي دمعك.

بدأت ستة أكف تتزاحم بإشاراتها فوق الطاولة في غضب، ترسم كائنًا ممسوخًا، ضرب صاحب الجلباب البلدي على الطاولة بقبضة ارتجت معها المشروبات الساخنة والباردة، أشار إلى السيارة الفاخرة التي كانت تقف على مقربة، يبدو أنها كانت في انتظاره، رشف ما تبقى من قهوته، مثل بكفيه مفرودتين في وجوههم كساحر يختتم آخر فقراته، هنا انفجر صاحب التي شرت الفيرانى، وضع كفه أمام صاحب القميص الكاروهات، ثنى أصابعه الأربع وفردهما مرات متتالية، بما يشي بأنه يطلب منه شيئًا، صاحب القميص فتح حقيبة صغيرة كانت بحوزته، قدم له الخاتم الذهبي، مسح صاحب التي شرت على عبارة (love me)، مال ناحية البنت، أمسك بكفها، فرد الأصابع وضع الخاتم الذهبي في أحد أصابعها، لم تشغله درجة امتعاضها وهى ترشق ذقنها في الفراغ، بل كانت بسمته عريضة وهو يقذف إليها بقبلة طائرة.

انتظرت أن ينفضني الكرسي للمرة الثانية، لكن ذلك لم يحدث، شردت قليلا، وعندما رفعت عيني إلى الطاولة، كانوا كلهم قد غادروها، ووجدتني وحيداً أجلس مكانهم.

*كاتب من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق