حوارات المجلة

الشاعر الفلسطيني الكبير عز الدين المناصرة للمجلة الثقافية الجزائرية:

القصيدة هي التي تحدد عالمية الشاعر من عدمها

– أيها التاريخ … أين الجغرافيا؟!!
– محمود درويش كان يأخذ ولا يُعطي.. ونزار قباني كان مهذباً لطيفاً متواضعاً يتصرف كإنسان (جنتلمان).
– المرأة ما تزال كائناً غامضاً صعب التفسير

ضيفنا قامة إبداعية من طراز خاص كُتب عن تجربته الشعرية أكثر من أربعين كتاباً.. في رصيده الإبداعي 11 ديوان شعري و25 كتاب في النقد الأدبي والمقارن.. هو شاعر وناقد أكاديمي له حضور لافت في الساحة الشعرية والنقدية العربية، وصاحب لمسات خاصة في حقل قصيدة النثر.. وهو مثقف يقدس فكرة المقاومة ويجسدها في الكلمة والموقف لأنه يراها حالة أبدية “لتصحيح أخطاء العالم” وللتحرر من الاحتلال والتخلف والعنصرية والانغلاق..
في هذا الحوار الخاص بالمجلة الثقافية الجزائرية نستضيف عز الدين المناصرة (هوميروس العرب) وحارس الحضارة الكنعانية بامتياز وشاعر فلسطين الأول بل..الشاعر الفلسطيني الوحيد الذي حمل السلاح دفاعاً عن فلسطين:
حاورته: باسمة حامد

مجلة الثقافة الجزائرية: ثمة مسارات متنوعة في رصيدك الإبداعي والإنساني: (شعر، نقد، وصحافة، وتدريس جامعي، وكفاح مسلح، وعمل سياسي، وسفر، ومنافي) … كيف وظّفت كل هذه التجارب في التعبير عن مشروعك الشعري؟ وما هو مزاجك في الكتابة؟
عز الدين المناصرة: أنتِ تتحدثين عن حياة تكاد تكتمل.. حياة مليئة بالأشواك، وقطوف العنب، وقد تعلمت فيها دروس (الصبر) من شجيرة الصّبار، ودروس (المقاومة)، فالحياة مسافة بين زمنين (البداية والنهاية) وما بينهما. فنحن نركض ونتعارك مع الحياة بحلوها ومُرّها، وما بين بين.. لم أكن أفكر عند كتابة القصيدة بطريقة التوظيف، فالقصيدة حالة نفسية تحاصرني، ودندنةٌ تبدأ، وفي ضوء الدندنة أواصل التعبير، حيث يحكمني (القلب والعقل معاً). العشق والشغف، هما وقود قصيدتي، ودندنة تبدأ، سواءٌ كنت في حالة حب صوفي أو حالة حُبّ جسدي، أو حتى لو كنت في حالة هجائية، للأشياء، والنماذج البشرية. وهكذا، فإن (درجة الشغف) هي التي تحكم طريقة توظيف الحدث في نص شعري . وهناك بطبيعة الحال، مُحفّزات تدفعنا إلى الحالة الشاعرية: جماليات الطبيعة مثلاً، وجماليات المرأة جسداً، وروحاً، والرسائل التي تواكب القصيدة، فكل قصيدة ينبغي أن تمتلك (رسالة سامية) .
أنا إنسانّ مليء بحركة الحياة وسكوناتها، منذ طفولتي في ضاحية من ضواحي (مدينة الخليل التاريخية)، اسمها (بلدة بني نعيم)، حيث عشت (18عاماً ) بفلسطين، مسقط رأسي، وتعرفت إلى أعرق المدن في العالم في محيطي العائلي: (الخليل .. مدينة إبراهيم) التي أعطت اسمها الكنعاني (خِلّ إيل) للنبي إبراهيم الذي ولد في (أُور أُصدم) التي تقع في الحافة الغريبة للبحر الميت، ومدينة (بيت لحم) الجنوبية التي تبعد (15 كم) عن مسقط رأسي، وهي (مدينة المسيح) ومدينة (القدس)، التي تبعد حوالي (35 كم) عن الخليل – والقدس هي (مسرى النبي محمد) وتعرفت أيضاً إلى أقدم مدينة في تاريخ العالم – أقصد مدينة القمر(أريحا)، ومدينة (رام الله ) التي كانت إلى زمن قريب (بلدة كبيرة)، هذه هي (المدن الخمس) التي أعرفها هي من منحني فكرة (الكنعنة الشعرية) في ستينات القرن الماضي، التي هيمنت على طريقي الشعري منذ منتصف الستينات. كنت أُراقب الآثار القديمة بشغف، وتعمقت علاقتي بـ (الكنعنة الشعرية) في شعري بعد ذلك، بشكل فطري في المنافي، عندما طال الفراق اكتشفتُ لاحقاً أن (اللغة العربية) هي الابنة الطبيعية لِـ ( اللغة الكنعانية الآرامية السُوريانية) وتأكد لي ذلك من (لسان العرب) المعجم الشهير. إذن جاءت (الكنعنة الشعرية) فطرية عفوية، بمعنى أنني لم أقصد توظيف الفكرة وباللهجة المصرية أقول: (هي جَت كده !). استدعاني الراحل ياسر عرفات عام (1977) وسألني عن (الحضارة الكنعانية) وشرحت له أموراً كثيرة كان لا يعرفها، ولاحظت الدهشة على وجهه!! – ليلة (15/10/1964) ركبت أول طائرة في حياتي في مطار قلنديا في القدس، متوجهاً إلى القاهرة للدراسة في جامعتها. وهذا العام (1964) كان عاماً فاصلاً في الحياة النضالية الفلسطينية، فقد أُعلن عن تأسيس (منظمة التحرير الفلسطينية) – في (القدس -28/5/1964) . فانتميت فوراً إلى (الاتحاد العام لطلبة فلسطين -فرع القاهرة) في عهد مؤسس المنظمة (أحمد الشقيري). وكنت مقرباً إلى (حركة القوميين العرب) بل ترشحت كمستقل في قائمتهم عام 1966 للهيئة الإدارية. وكنت قد وزعت (بيان العاصفة العسكري) الذي أصدرته حركة فتح في (1/1/1965) في جامعة القاهرة ، فاستدعتني أجهزة الأمن المصرية للتحقيق معي حول مصدر بيان العاصفة، وبعد (نكبة 1967) مباشرة التحقت بدورة تدريب عسكرية في جامعة القاهرة . وفي (1/1/1969 ) تم استدعائي للتحقيق بعد أن شاركت في مهرجان شعري أقيم في (كلية الهندسة – جامعة عين شمس) بسبب قصيدتي (أضاعوني) وقبل ذلك وبتاريخ (16/3/1967) ترأستُ (مهرجان فلسطين الشعري ) الذي أقيم في ( نقابة المحامين ) في القاهرة، شارك فيه عدد من الشعراء منهم : (محمود حسن اسماعيل – صلاح عبد الصبور – أحمد عبد المعطي حجازي – وغيرهم) … وفي هذا المهرجان ألقينا قصائد لشعراء من (فلسطين -48) : ( درويش، والقاسم ، زيّاد، وراشد حسين) (لأول مرّة) في مصر . تعلمت أن (الحدث في القصيدة) ليس هو القصيدة بل هي طريقة (التوظيف!!)، لكنني لا أحب مصطلح التوظيف، لأنه يمتلك رائحة صناعية!!. أنا شخصياً كشاعر أميل إلى التقاط (عُصارة الحدث الشعرية)، فعندما وظفتُ رمز (زرقاء اليمامة) مثلاً لأول مرّة في الشعر الحديث كما قال الأكاديمي (محمد مشعل الطويرقي) لم أفكر في طريقة التوظيف، بل هربت من (نظم الحادثة) إلى تلخيصها شعرياً، فهي أسطورة شعبية ذات نواة تاريخية، تصلح للتعبير عنها كشاعر فلسطيني (مجلة الآداب عدد ديسمبر 1966)، فوصفها النقاد لاحقاً بأنها (نبوءة!). أما الشاعر المصري (أمل دنقل) الذي استخدم الرمز (عام 1968) ، فقد وُصفت قصيدته بأنها (وصف لحدث). وكان (دنقل) قد استمع لي في عام 1966 عندما ألقيت قصيدتي (زرقاء اليمامة) في (الجمعية الأدبية المصرية) . بصراحة تامة: ( شعر حركة الحياة) هو الباقي والخالد لأنه شفّاف وفيه ماء ودم. بينما نجد (الشعر الصوفي) شفّافاً ولكنه يفتقد إلى الحياة الحقيقية المتحركة لأنه مصنوع، أي أنه هيكل عظمي بلا حركة. الحركة هي الحياة بصفائها ، وعوكرتها.. هناك طرق عديدة لشعرية الحدث، أهمها بتقديري هو (الامتصاص والتشكيل اللغوي) عبر عملية التأمل، ويمكن بعد التأمل أن نستغل لحظة الصفاء بعد الاختمار. وهناك فارق بين (الفكرة الخام) – و(الفكرة الشعرية) و(الفكرة الفلسفية) ، وكان الفيلسوف الشاعر (نيتشه ) يقول: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، فهذه الفكرة الفلسفية مثلاً لم تصل إلى درجة الشعر الخالص، كما أن (الشعب الفلسطيني ليس بحاجة لبيت شعر مسروق!!). ما يهمًّني هو درجة الشاعرية في القصيدة، وفق منظور الشكلاني الروسي، (ياكوبسون). أقتل (الرقيب) في داخلي أولاً، ثم أختار الزمن المناسب والمكان المناسب، حتى لو كان في (مقهى الضجيج). المهم أن لا يقاطعني أحد أثناء الكتابة .

مجلة الثقافة الجزائرية: يرى كثير من النقاد أن (موهبتك الشعرية) أكثر أهمية فنياً وإبداعياً من (شعراء فلسطينيين مشهورين) باعتبارك الأغزر إنتاجاً، والأكثر تنوعاً وحداثة بل.. والأقدر على فهم (جوهر الشعر) كما وصفك درويش. إلاّ أن شهرة البعض من أبناء جيلك كانت (طاغية) .. إلى أي حدّ لعبت (السياسة) دورها في هذه المسألة؟
عز الدين المناصرة: هذا صحيح إلى حدٍ كبير. وما حدث هو خطيئة لا خطأ. هذه الخطيئة سياسية بالدرجة الأولى، لأن الشهرة لا تعني أن الشاعر (فلان) هو الأهم شعرياً، لأن (أسباب الشهرة) هي التي تكشف كيف حدثت الخطيئة !! أو الكذبة! وكيف تطوّرت، ومن هم صُنّاعها.

(صفقة نصف القرن الشعرية)

مؤخراً تم تصحيح خطأ تاريخي أو خطيئة تتعلق بقضية الشعر الفلسطيني الحديث منذ (1964- تاريخ تأسيس (م.ت.ف) في القدس، من قبل بعض الباحثين والصحافيين، لكن هذا التصحيح، لم يكن جذريا ً. قالوا ما يلي: كظاهرة جديدة، ولد الشعر الفلسطيني الحديث عام (1964) تقريباً أي في عام تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وفي ظل انطلاقة حركة فتح في (1/1/1965) وصعودها القوي بعد (معركة الكرامة 1968) .
ومعنى مصطلح (ظاهرة جديدة) هو تجاوز( شعر النكبة) السابق والدخول في (شعر الثورة)، بتأثير (م..ت.ف) في عهد (أحمد الشقيري) مؤسس (م.ت.ف) ، وفي ظل (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) عام 1968 المتفرعة من (حركة القوميين العرب) . وقررّ آنذاك كل من (المصري رجاء النّقاش، والفلسطيني غسّان كنفاني، والصحفي الفلسطيني (ابراهيم أبو ناب القادياني) أن (شعراء المقاومة في فلسطين 48) وهم : (محمود درويش ، وسميح القاسم، وتوفيق زياد) وهم أعضاء في (الحزب الشيوعي الإسرائيلي)، ويضاف لهم شاعر رابع ينتمي إلى حزب (مابام) الإسرائيلي، هو (راشد حسين). وبدأ الضخ الإعلامي السياسي لظاهرة (شعر المقاومة) إلى درجة المبالغة غير المقبولة حيث تمّ خلط الشعر بالسياسة. وروّج الصحافي (أحمد بهاء الدين) لفكرة: (دولة فلسطينية إلى جانب اسرائيل) وتطابقت هذه الفكرة مع معتقدات (الحزب الشيوعي الإسرائيلي). وفي ظل هذا الجدل بعد الهزيمة 1967- مورس التضخيم الإعلامي لشعر المقاومة في شمال فلسطين بالمعنى الملتبس لمفهوم المقاومة، وقد التقط (يوسف الخطيب – وأدونيس- وغالي شكري) هذه (الفكرة الملتبسة) وناقشوها وقرروا أن (هذا الشعر ليس شعر مقاومة) بل هو (شعر احتجاج نقابي) ضمن الاعتراف بـ (شرعية إسرائيل!!) والدليل هو أن هؤلاء الشعراء ينتمون إلى (الحزب الشيوعي الإسرائيلي) !!! لكن (الثورة الفلسطينية المعاصرة 1964- 1994) بفصائلها وقادتها كرّست الاعتراف بمعنى هذه (المقاومة الملتبسة) الشعرية إلى درجة مذهلة، لأنها شطبت (شعراء الثورة الفلسطينية) في وسائل إعلامها، أولئك الذي انتموا لفلسفة التحرر الوطني والكفاح المسلح. وهذه مفارقة كبرى، وهم: (عز الدين المناصرة – معين بسيسو –أحمد دحبور – مريد البرغوثي). شخصياً: التزمتُ بمفهوم (المقاومة الشعرية)، فمنذ عام 1964 حددت اتجاهاتي الرئيسة في الشعر. وحين كان الزملاء الآخرون يعلنون (المقاومة الشعاراتية): سأقاوم وسجّل أنا عربي … الخ, ذهبت إلى اتجاه آخر, هو: (الحفر الشعري في الحضارة الكنعانية) و(توظيف الموروث العربي) و(البحث عن أشكال جديدة للقصيدة، مثل (التوقيعات وقصيدة الهوامش) و(القصيدة الرعوية) و(توظيف اللغة اللهجية)، وغيرها من محاولات تجريبية. كان السؤال الذي طرحته على نفسي هو: كيف أستطيع صياغة (قصيدة حضارية ثورية)، تجمع بين مفهوم الحداثة ومفهوم المقاومة. مع صعود (العواطفية الغرائزية ) الفلسطينية بعد معركة الكرامة 1968، برزت ظاهرة تقديس كل ما هو فلسطيني، وانفتاح منظمة التحرير الفلسطينية بعد عام 1974 على (الحزب الشيوعي الإسرائيلي)، مع وصول محمود درويش إلى بيروت، وهو بالتأكيد أقوى زملائه من شعراء (المقاومة الملتبسة) بدأ درويش ينسج علاقات مع قيادات الفصائل في البيئة الجديدة, التي تتقبل التفكير في (التسوية السلمية) . حتى اقتنع (ياسر عرفات) بأن محمود درويش (يصلح أن يكون جسراً للوصول إلى الآخر الإسرائيلي)، لأن درويش يستطيع بسهولة أن يوصل حركة فتح إلى (حزب راكاح) الإسرائيلي سيما أن معظم قياداته فلسطينية (إميل حبيبي – توفيق طوبي) وأن درويش نفسه كان عضواً في هذا الحزب . هنا أعتقد أن (عام 1979) كان هو العام الذي قرر فيه درويش أن يكون (وسيطاً أو جسراً) ،ولكنه كان يعرف أن كل شيء ُبثمن. هنا برزت المعادلة التي سمّاها أحدهم (صفقة نصف القرن الشعرية) وهي، بالتدريج (تجعلونني أمير الشعر الفلسطيني، في مقابل أن أوصلكم إلى الحزب الشيوعي الاسرائيلي) . وهكذا شطبت القيادة الفلسطينية (شعراء الثورة) كافة، فأصبح محمود درويش هو (الشاعر الأوحد !!) . وهكذا ولدت (القداسة والتصنيم) لمحمود درويش وحده، وعينته (السلطة الثورية في المنفى) شاعرها الأكبر والأوحد. وبدأ درويش يقلّد (أدونيس)، في زراعة التلاميذ والمريدين في المنابر الصحفية والإعلامية !!. شخصياً كنت أقرب الشعراء الفلسطينيين إليه، وكنت الشاعر الوحيد الذي انتقد مواقفه أثناء حياته، ولي معه ذكريات حلوة ومُرّة معاً. كان يأخذ ولا يُعطي. يتمحور دائماً حول ذاته. وحين انفضّ من حوله المنافقون والمخبرون صاح في إحدى الصحف: (كلهم يكرهونني !!) .

قصائدي اشتهرت ولم أنل شيئاً من شهرتها بسبب السياسة!

مجلة الثقافة الجزائرية: وهذا يقودني إلى سؤال آخر عن (نجومية الشاعر): ماذا عن قصائدك المغناة؟ وهل أحدثت فرقاً ما على هذا الصعيد؟ أقصد هل ساهمت بشكل ما في شهرتك خصوصاً وأننا نتحدث عن قصائدك الراسخة في الوجدان العام مثل: أضاعوني، يتوهج كنعان، حصار قرطاج، يا عنب الخليل، لا أثق بطائر الوقواق، جفرا أمي، بالأخضر كفناه … إلخ وغيرها .
عز الدين المناصرة: هناك نوعان من النجومية: (نوع عفوي) هو نتاج جهود فردية للشاعر أو الفنّان ، بمعنى أنه يكون موهوباً أصلاً ومتميزاً في منجزه الشعري أو الفني. أما النوع الآخر فهو (نجومية مصطنعة) أي أن الفنان أو الشاعر يلجأ إلى (قوى مساندة) مثل اللجوء إلى (السلطة) والارتماء في أحضانها حتى يصبح متماهياً كجزء عضوي منها، ومن الطبيعي أن تمنحه السلطة ما يقابل هذا التماهي. أو أن يمتلك (المال) لاستخدامه في الدعاية لنفسه عبر أشكال متنوعة من الدعاية تجعل منه نجماً، لكن هذه النجومية تزول بمجرد زوال هذه الدعاية المصطنعة. هناك جمهور عفوي، وهناك جمهور مصطنع يُساق بالمصالح والعصا تدعمه الحكومات والأحزاب. فنحن لا نستطيع أن نقول إن هذا الجمهور هو جمهور (الشاعر الطبيعي)، لأن هذا الجمهور نفسه يؤمر في مناسبات أخرى لأهداف أخرى فيطيع، مثل (جمهور الفيس بوك) المنخدع بالدعاية التي يساندها (المال والسلطة) في الميديا المسيطر عليها. المشكلة هنا أن يكون الشاعر نجماً بالفعل، بالمعنى التقليدي، دون أن يكون لهذا الشاعر (رصيد أو منجز فعلي)!!. هذا النوع من النجومية يتلاشى حتى درجة الصفر تدريجياً إذا لم يكن منجزه الإبداعي حقيقياً !! . أما أنا فقد كانت (نجوميتي ) تحمل رصيداً موازياً ، فقد تركزت الأضواء على بعض قصائدي لا على شخصيتي، مثلاً: (القصائد المغناة) :
1. (سامية عبد الحميد) مطربة كانت عضواً في الفرقة القومية المصرية في النصف الثاني من الستينات غنّت لي قصائد لا أتذكرها قام بتلحينها ملحن شاب يدعى إبراهيم فارس. ربما كان ذلك في عام 1968. كان صوتها جميلاً ، لكنها تزوجت وتركت عالم الفن .
2. أول من غنى قصيدتي (جفرا أُمّي إن غابت أُمّي) في بيروت هو (خالد الهبر)، فانتشرت بقوة صاروخية في كل لبنان. لكن إيقاعها الأوروبي لم يساعد في انتشارها خارج لبنان. ولكن في عام (1976) نفسه فوجئت بأن (مارسيل خليفة) غناها في أول أسطوانة له في حياته الفنية، صدرت في باريس في شهر أغسطس 1976، وغناها في مهرجان (جريدة الأومانيتيه) الفرنسية، فانتشرت انتشاراً أسطورياً في المهاجر الأورو – أمريكية، وتحولت في يوغسلافيا إلى فيلم وثائقي عرض في مهرجان موسكو الدولي لاحقاً عام 1980. وتُرجمت القصيدة إلى لغات أوروبية عديدة. وغنَّت (جفرا) المطربة التونسية (آمال المثلوثي) عام 2008. كما غناها شاب فلسطيني يدعى (محمد عبد القادر الفار) في الأردن، لكن صوت مارسيل خليفة لا يعلى عليه. كانت (جفرا) وما زالت تتنافس مع (أحنُّ إلى خبز أمي) لمحمود درويش. هكذا أصبحت (جفرا) أغنية عالمية بالفعل. وهناك أيضاً ملايين العرب يحفظونها أكثر مني، لكن وسائل الميديا ظلت تنسبها إلى شعراء آخرين. حتى المطربة التونسية الشابة (المثلوثي) التي تعيش في فرنسا في (قناة يوتيوب) تنسبها إلى محمود درويش!! . ولم يتم التصحيح إلاّ في الألفية الجديدة جزئياً. هكذا انتشرت (جفرا) بفضل النصّ واللحن وصوت مارسيل الشجي وبفضل الترجمة …. وهكذا أثرت قصيدتي (جفرا) في المجتمعات العربية المعاصرة مثل: انتشار تسمية المولودات حديثا من البنات باسم (جفرا) ، وتسمية محلات تجارية وحركات طلابية وإذاعات وتلفزيونات، ومواقع الكترونية، خصوصاً بعد صدور كتابي (جفرا الشهيدة، وجفرا التراث) في ثلاث طبعات منذ 1993. وكنت أيضاً أول من اكتشف المغني الشعبي صاحب النمط الغنائي المحدود (جفرا وياها الرَبع) 1939، واسمه أحمد عزيز الحسن، في مخيم عين الحلوة ،قرب صيدا- لبنان، ونشرت قصة جفرا التراثية مع أحمد عزيز في (مجلة شؤون فلسطينية – عدد حزيران 1982)، وشاهدت جفرا – المرأة الحقيقية في حارة حريك والتي انتقلت إلى (مخيم برج البراجنة) في بيروت، وافتتحت (مركز خياطة وتطريز). والقصة منشورة بكاملها في كتابي. واعترف النقاد أن قصيدتي وهي من نوع (الشعر الحر الحديث) التفعيلي الفصيح، انتصرت على الفلكلور، الذي ظل محدوداً. بينما قصيدتي نقلت (جفرا) إلى المجال العربي والعالمي.
3. بالأخضر كفَّناه: كتبتها عام(1976) أيضاً لكن (مارسيل خليفة) غناها عام 1984 أمام عشرات الآلاف في (ستاد الصفا) في بيروت. وغناها في (مهرجان المحبّة) في سوريا، وفي (مهرجان جرش) في عمّان. وغناها (مؤدي الراب الأمريكي -آيرون شيك) في نيويورك- في ذكرى رحيل إدوارد سعيد. كنت آنذاك أعيش في(الجزائر منفياً) فقد أبعدتني الحكومة الأردنية بتاريخ (10/12/1982) مع زوجتي وطفلي كرمل، الذي كان عمره آنذاك ثلاث سنوات وكنت قادماً من حصار بيروت. وقد عملتُ بعد ذلك أستاذا للأدب المقارن في جامعة (قسنطينة) جاءتني إحدى طالباتي بجريدة فرنسية، نشرت خبراً عن غناء مارسيل خليفة لقصيدة (بالأخضر كفناه ) في ستاد الصفا بيروت، وسألتني الطالبة عن قصة القصيدة ، وكيف غناها مارسيل بدون علمي فأجبتها: مارسيل صديقي ويجوز له ما لا يجوز لغيره. نجحت هذه القصيدة نجاحاً مُبهراً. ولم يكن أحد يعرف أن القصيدة لي. لم أكن أتوقع أنها قابلة للتلحين والغناء، لكن مارسيل استطاع أن يحولها من قصيدة (رثاء للشهداء) إلى مارش عسكري قوي. وكانت (أميمة الخليل) معه في الفرقة التي أنشدت القصيدة. فوجئت مرّة أخرى منذ عام2011، أن القصيدة مع تكاثر شهداء الحروب قد تحولت إلى (نشيد وطني). حتى أن باحثاً ربطها بنشيد (موطني) ، وأناشيد وطنية أخرى مثل: (حماة الديار) .
4. … (وكان الصيف موعدنا): هذه قصيدة كتبتها عام 1968 في القاهرة. فوجئت في الألفية الجديدة بِـ المغني البحريني المعروف (خالد الشيخ) يغنيها في التلفزيون، فتسأله المذيعة: لمن هذه القصيدة، فيجيب متردداً : (أظن أنها للشاعر توفيق زيَّاد) !!!
وكان صوت خالد الشيخ جميلاً مع أدائه الجميل، لكنه أشار في حواره إلى مطرب بحريني آخر اسمه (محمد يوسف الجميري)، بأنه أول من غنى هذه القصيدة في أوائل الثمانينات.
أما أنا، فليس لي علم بكل ذلك بسبب انتقالي من بلد إلى بلد آخر واستمعت لها في الألفية الجديدة لأول مرّة. وجدت في (الانترنت) أن الحركة الطلابية في البحرين كانت في الثمانينات قد جعلت دستور الحركة الطلابية في (كُرّاس) بعنوان: (وكان الصيف موعدنا) .
5. (مواصلات إلى جسد الأرض): صدر شريط غنائي في باريس للمغني اللبناني (عصام الحاج علي ، 1977) بعنوان قصيدتي (مواصلات إلى جسد الأرض) مع موسيقا أوروبية ذات إيقاع سردي . اقتصر انتشار هذه الأغنية على (فرنسا ولبنان ) وبعض الطلبة في أفريقيا الشمالية ( المغرب – الجزائر – تونس) .
6. (يا عنب الخليل): كتبت نواة هذه القصيدة عام 1966، ونشرت في مجلة الآداب البيروتية. ثم عدّلتها عام 1967. وصدر ديواني الأول بالعنوان نفسه (يا عنب الخليل) عام1968، ووصفها الشاعر الفلسطيني الكبير (هارون هاشم رشيد) بأنها (صرخة الهندي الأحمر الفلسطيني) بعد كارثة 1967.
غنى بعض مقاطع هذه القصيدة التي اشتهرت في الستينات المطرب المقدسي (مصطفى الكرد) عام 1984، لكن هذه القصيدة بالتحديد كانت مشهورة قبل أن تُغنى، فقد كانت شعاراً لمسرح الحكواتي في القدس عام 1974. كان بعض الصحافيين يصفها بِـ (المحليّة)، لكن البعض الآخر (وهذا كان مفاجئا لي) وصفها بأنها (قصيدة عالمية)، فاستغربتُ هذا الوصف. لكن أستاذي المرحوم (الطاهر أحمد مكي) برّر ذلك ، بأنها تشبه (عالمية قصائد لوركا المحلية) .هنا بدأت أتساءل عن مفاهيم (العالمية والمحلية)، عندئذ قلت: (إذن المحلية هي الطريق إلى العالمية، وليس العكس أي، تقليد ترجمات الشعر الأجنبي كما يفعل بعض الشعراء العرب الرواد !!!.
7. الباب إذا هبَّت منه الريح: قصيدة قصيرة قديمة عندما سُمح لي بالعودة غلى الأردن عام (1991) بعد سبعة عشر عاماً من الغياب – وجدت أن مطرباً ملتزماً قد غناها منذ (1990) هو (كمال خليل) .

8. نزار الوحيشي – وتوفيق المستاوي (2011) :
هذا المطربان من (تونس) … قرأت في مواقع الكترونية عديدة أنهما غنَّيا لي قصيدتين هما: (الميعاد – وطواويس)، وبالتأكيد فإن هاتين القصيدتين، هي مقاطع من قصائد طويلة (موقع الصحافة اليوم ، 29/7/2011)
9. محمد عبد القادر الفار: غنى هذا الشاب في (عمّان ) – قصيدة جفرا ، ويبدو لي أنه معجبّ بمارسيل خليفة . طبعاً، أصبح (مارسيل خليفة، وخالد الهبر، ومصطفى الكرد، وكمال خليل) من أصدقائي. أما الآخرون فلم يسبق لي أن تعرفت إليهم شخصياً .
والملاحظة الثانية: كنت وما زلت أرفض أن أكتب قصيدة أو أغنية خصيصاً لأي مطرب وإنما أقول له: “إذا أردت أن تغني إحدى قصائدي يمكنك ذلك”.
10.محمد جاد الحق: مطرب فلسطيني صوته يشبه صوت محمد عبد الوهاب، كانت بيننا صداقة في أول السبعينات. غنى لي قصيدة بالعامية: (يا مسافرين) -مثقف موسيقياً كانت بدايته الرسمية عام 1972، حيث صُنّف في الإذاعة الأردنية مطرباً من الدرجة الممتازة. وتوفي عام 2007.
باختصار: يمكن أن أقول بأن قصائدي اشتهرت ولم ينل شاعرها شيئاً من شهرتها ، والسبب هو سياسي بالطبع، حيث اشتهرت بعض قصائدي دون أن يُعرف كاتبها. أحياناً منع في بعض البلدان اسمي. وأحياناً أعمالي الشعرية صودرت بعد ساعة واحدة من عرضها في معرض دولي للكتاب في عدة بلدان عربية. وغالباً لم أكن أعرف الأسباب، وبعض الأسباب مضحكة. أستطيع (دون مبالغة) أن أقول: (الرقابات العربية) حاصرت أعمالي الشعرية، وكتبي النقدية دون سبب مقنع للعقل البشري. كنت دائماً (معارضاً شرعياً) ضمن دائرة منظمة التحرير الفلسطينية. وكان غيري من الشعراء أو بعضهم (ينافق السلطة طمعاً في الامتيازات) المادية والمعنوية . أحدهم مات مليونيراً. ورغم صدور أعمالي الشعرية في المنافي ، حيث صدرت (الطبعة العاشرة) بمصر عام2016 . أما في مسقط رأسي، فلمتطبع أعمالي الشعرية الكاملة أية طبعة حتى اليوم، فأشاعوا أنني أرفض ذلك في ظل اتفاق أوسلو الكريه. والصحيح أنني أرغب في الوصول إلى القارئ في أجزاء فلسطين الأربعة (الضفة الفلسطينية _ قطاع غزة _ فلسطين 48 _والمنافي الفلسطينية) وسأظل ضد أوسلو .

أيها التاريخ.. أين الجغرافيا؟!!

مجلة الثقافة الجزائرية: قصائدك تُرجمت إلى أكثر من عشرين لغة عالمية …كما أُطلقت عليك كشاعر الألقاب البارزة: (امرؤ القيس الكنعاني – هوميروس العرب – شاعر المكان الفلسطيني الأول – مبدع الأساطير – رائد قصيدة النثر في الأردن – مبتدع شعر التوقيعات – مبدع قصيدة الهوامش – عاشق جفرا – عاشق حيزية)… الخ . كيف تنظر إلى ذلك كمبدع وإنسان مسكون بِالهوية الفلسطينية؟
عز الدين المناصرة: كل شاعر يرغب في الوصول إلى القارئ الأجنبي عبر الترجمة. لقد صدر لي سبعة كتب مختارات شعرية بسبع لغات، وترجمت قصائد متفرقة إلى أكثر من عشرين لغة . لكن ذلك لا يكفي لكي يصبح الشاعر (عالمياً). العالمية عندي لها معنى آخر، وقد قلت ذات مرّة ( أنا شاعر عالمي حتى قبل أن يُترجم لي سطر شعري واحد) . علّق البعض…. هذه جملة غامضة. عندئذ قلت توضيحاً بأن الشاعر في قصيدته يكون مسبقاً عالمياً أو لا يكون، أي أن القصيدة هي التي تحدد عالمية الشاعر من عدمها. أما الترجمة فهي خطوة أخرى مهمة توضح شخصية الشاعر الشعرية، وقد توصله إلى الآخر إذا تفاعل معها الآخر. وأقول أيضاً أن معظم ترجمات الأدب العربي وخصوصاً (الشعر) هي (ترجمات تضامنية)، أو ترجمات تبادلية وظيفية بين الدول. أو ما أسميه (ترجمات السفارات) حتى لو لم يكتب ذلك على الكتاب المترجم. هناك تعميم رسمي غير معلن للسفارات الفلسطينية التابعة للسلطة بالعمل على ترجمة دواوين (الشاعر فلان) دون غيره فقط . ذات مرّة حاول أحد المحبين من المترجمين أن ينشر ترجمة لأحد دواويني وذهب إلى إحدى السفارات الفلسطينية في أوروبا الشرقية طلباً للدعم المادي فقيل له حرفياً: (لا نستطيع لأن السلطة ترفض دعم هذا الشاعر بالتحديد) !! (معظم) الذين ترجموا أشعاري، لا أعرفهم حتى اليوم. وتعرفتُ على بعضهم بعد الترجمة، والنشر. معظم (الألقاب) جاءت ملاصقة لتجربتي الشعرية أطلقها نقادَ مُحبّون لشعري اعتقاداً منهم أن (الصفة) هي الملمح المركزي لتجربتي الشعرية. بطبيعة الحال تبقى (الهُوية) الفلسطينية الكنعانية هي مركز شخصيتي وعقيدتي الإنسانية التاريخية الأبدية. هي ثابتة ومتحركة. التاريخ والجغرافيا جزء جوهري في الهوية . اللغة أيضاً لكنها متحركة. لكن يمكن أن تصرخ في هذه الأيام: (أيها التاريخ ، أين الجغرافيا؟!!) .
1. امرؤ القيس الكنعاني : قناع تراثي ولد في شعري عام 1967 في قصيدتي (قفا..نبكِ) وتوالى ظهوره في عدة قصائد لاحقاً منها: (امرؤ القيس يصل إلى قانا الجليل.1976) – (أضاعوني ، 1969) – (حصار قرطاج،1983). وازداد اهتمامي بهذا (القناع -الرمز) عندما ما أصدرتُ كتابا بعنوان: (امرؤ القيس .. ليس امرأ القيس عام 2016) أثبت فيه أن امرأ القيس(الشاعر) لم يمت في أنقرة ولم يقابل قيصر الروم جستنيان بل مات في مدينة شيزر السورية، وأن الذي زار قيصر الروم هو (امرؤ قيس اللخمي) الذي كان ملك جنوب فلسطين، وتيران، وإيلةُ، والبتراء. وهكذا أصبح اسم امرؤ القيس مرتبطاً في الشعر الحديث باسمي كما قال أحد النقاد وقد أطلق لقب (امرؤ القيس الكنعاني) على الشاعر (المناصرة) – الناقد المصري الدكتور (علي عشري زايد).
2. (هوميروس العرب ): قالت الناقدة الجزائرية الدكتورة (فتيحة كحلوش) أن عز الدين المناصرة ليس هوميروس فلسطين والأردن فقط بل (هوميروس العرب) . فالهوميرية في شعر المناصرة تعني الروح الملحمية .
3. (شاعر المكان الفلسطيني الأول): يرجع هذا اللقب إلى دراسات نقدية كثيرة حول أهمية المكان في شعري، تتوجت بمقولة إحصائية للناقد الدكتور (ابراهيم نمر موسى) من جامعة بير زيت (في مجلة عالم الفكر الكويتيه ، عام 2007)، حين توصل في بحث له أنّ (المكان الفلسطيني) هو الأعلى في شعر المناصرة وأن(المكان العربي) هو الأعلى في شعر محمود درويش وأن (المكان الأجنبي) هو الأعلى في شعر سميح القاسم من بين (12 شاعراً فلسطينياً). هذه النتيجة أشبه بالمفارقة لأن صاحب (المكان الفلسطيني الأعلى ) يعيش في المنافي منذ 1964.
4. (مبدع أساطير): أجمع النقاد أن المدخل الصحيح لقراءة شعر المناصرة (كما قال الدكتور خليل الشيخ) هو (الأسطرة) ، لكن أول من تنبه من النقاد إلى طريقة التوظيف الأسطوري هو الدكتور(علي عشري زايد) حين قال: “المناصرة مبدع أساطير بينما السيّاب مثلاً هو ناظم أساطير”.
5. (رائد قصيدة النثر في الأردن): قالت (مجلة السجل الأردنية) بأن المناصرة هو رائد قصيدة النثر في الأردن فقد صدرت مجموعته (مذكرات البحر الميت ، 1969) وكانت القصيدة الطويلة قد نشرت في (مجلة مواقف ، العدد الثالث ،1969) لصاحبها أدونيس في بيروت، وأعاد نشرها الروائي المصري (عبد الفتاح الجمل) في ملحق جريدة الأخبار الأدبي بتاريخ 23/7/1969). آنذاك كان شعراء مثل: محمد عفيفي مطر وأمل دنقل يرفضون قصيدة النثر وهم من أبناء جيل الستينات. كما أن (كنعانيا ذا ،1983) مجموعة المناصرة , هي الثانية في مجال قصيدة النثر ، وقد صدرت في بيروت.
6. (التوقيعة الشعرية): أجمع عدد من النقاد أن(المناصرة) هو واضع مصطلح( قصيدة التوقيعة)عام 1964، وأنه في العام نفسه كتب (قصيدة هايكو عربي ) بعنوان (هايكو-تانكا) بتأثير الشعر الياباني المترجم. وقد حدّدت مصادري بأنها- (المقطّعات الجاهلية– التوقيعات النثرية العباسية – الهايكو الياباني – السونيت الانجليزي – الإبيجرام اليوناني). لقد قدّمت تعريفاً شاملاً لمصطلح (التوقيعة الشعرية) وتناقلته مراجع عربية عديدة. وبدأ بعض كتاب (الهايكو العربي) الشباب يقتنع أن مصطلح (التوقيعة الشعرية) هو الأفضل من بين الأسماء كلها خصوصاً عندما اكتشف بعضهم أنني رائد قصيدة (الهايكو العربي) منذ 1964. لكنني فضلت عليه مصطلح (التوقيعة الشعرية) لأسباب عديدة .
7. قصيدة الهوامش: هي نوع من القصائد البصرية استخدمها عز الدين المناصرة قبل أدونيس ومحمد عفيفي مطر بسنوات طويلة بديوانه (الخروج من البحر الميت) ، أو (قاع العالم ) عام 1969 في قصيدته (تأشيرة خروج) ولاحقاً استخدمها في قصيدته (روسيكادا تحت المطر) في ديوانه (حيزية.. عاشقة من رذاذ الواحات). وقد أكد هذه الحقيقة الناقد الأردني الدكتور (سامح رواشدة) في مقال له في ( مجلة أفكار). لقد استوحيت (قصيدة الهوامش) البصرية من طريقة (البحث العلمي) حين يضيف هوامش وشروحات على (المتن) . واشترطت أن يكون الهامش مكملاً للمتن يضيف له .
8. عاشق جفرا: فتاة فلسطينية (19سنة) في بيروت اسمها الحقيقي (جفرا إسماعيل النابلسي) من الجليل الأعلى تعرفت إليها عام1976، اغتالتها طائرة (إسرائيلية) أغارت على بيروت وقتلت عدداً من الفلسطينيين واللبنانيين من بينهم (الشهيدة جفرا إسماعيل النابلسي) في العام نفسه أي (1976). رثيتها في قصيدة نشرت في إحدى الصحف اللبنانية بعنوان (جفرا أمّي إن غابت أمّي) أو (وأنا لعيونك يا جفرا سأغني)- أو (جفرا الوطن المسبي). غناها أولا (خالد الهبر)، ثم غناها (مارسيل خليفة) في أول أسطوانة له في حياته الفنية، اشتملت على عدة قصائد لمحمود درويش أشهرها (أحنّ إلى خبز أمي) مع قصيدتي (جفرا). فأصبحت (جفرا) هي المنافسة على المركز الأول، وانتشرت في العالم العربي وفي أوروبا (خصوصاً فرنسا) ، وحتى المهاجر الأمريكية .
9. (عاشق حيزية): قصيدتي (حيزية – عاشقة من رذاذ الواحات كتبتها عام (1986). وهي (تناص معلن) على قصيدة شعبية من القرن التاسع عشر لمحمد بن قيطون. وقد اعترف الجزائريون بأن قصيدة المناصرة المكتوبة باللغة الفصحى -وهي من نوع (الشعر الحر التفعيلي ) – هي التي أوصلت هذه الأسطورة الشعبية إلى المستوى العربي، بل والعالمي حيث ترجمت إلى لغات عديدة. وقال عالم الاجتماع الجزائري (عمّار بَلحَسن).. بأن قصيدة المناصرة تفوقت على قصيدة ابن قيطون باللهجة الشعبية الجزائرية ، ولو غناها المطرب الشعبي (رابح درياسة) الذي غنى (قصيدة محمد بن قيطون ) لحصلنا على عمل (غنائي شعري أسطوري !!).

وهذه قصتي مع المرأة..

مجلة الثقافة الجزائرية: في حوار سابق معك أشرت إلى إعجابك بالشاعر الراحل نزار قباني لكنك في الواقع تناولت المرأة بشكل مختلف عنه تماماً.. ما سر هذا الإعجاب؟ وفي هذا الإطار دعني أسألك كيف أسهمت المرأة في تشكيلك إنسانياً وإبداعياً؟
عز الدين المناصرة: لو نظرنا إلى تاريخ الشعر العربي منذ الجاهلية سنجد (الغزل) موضوعاً أساسياً في الشعر. (امرؤ القيس) شاعر العربية الأول نظر إلى المرأة كجسد وكان ناجحاً في ذلك بدقّة الوصف ودقة التفاصيل. (عمر بي أبي ربيعة) حاور المرأة لكنه كان نرجسياً. أما (نزار قباني) فهو أول شاعر عربي حديث يتخصص في (موضوعة الحب) ، وقد استخدم (لغة يومية حداثية) في شعر الحب. لهذا أعجبت به، المواءمة بين الفكرة وبين صياغتها الحديثة، لهذا أعجبت به، لكنني مختلف عنه في (موضوع المرأة ) بطبيعة الحال ، وقف نزار في بعض الأحيان (نرجسياً) تجاه المرأة ، والنرجسية تقود إلى الدكتاتورية !!.
تشاركتُ مع نزار قباني في أول (مهرجان للشعر الحديث- ديسمبر 1970 بيروت) ، وفي ذلك الوقت لم ننشد قصائد غزل لأن (المقاومة ) كانت هي الفكرة الصاعدة آنذاك. وتشاركت مع نزار قباني في (مهرجان المربد الشعري في البصرة) في دورته الأولى (ربيع 1971). أما نزار قباني كشخص فقد كان مهذباً لطيفاً متواضعاً يتصرف كإنسان (جنتلمان).
أما أنا فلي قصة أخرى مع المرأة :
أولاً: نشأتُ في عائلة ريفية تحترم المرأة في بلدة (بني نعيم- الخليل) في جنوب فلسطين أي في دائرة (القداسة النبوية: إبراهيم وعيسى ومحمد)، في (الخليل وبيت لحم والقدس)، وهذه هي مدن نفوذي الشعري، ومنبع تفكيري الكنعاني، ومنبع الفلسطنة. ورغم أن (الخليل) مدينة إسلامية محافظة إلّا أن مئات النساء فيها يُسمين (مريم)، ومئات من الرجال يُسمّون (عيسى) .كنت دائماً أقول: (إن نبيذ بيت لحم يرضعُ أولاً من عنب الخليل ).
تعلمتُ المرحلة الثانوية في الخليل، وتعلمت قبل ذلك في البلدة وفي يوم (15/10/1964) غادرت فلسطين طوعياً إلى (القاهرة) للدراسة في الجامعة. تربيت في أحضان مجموعة من النساء الرائعات:
1. (والدتي): امرأة بسيطة لكنها كانت تحفظ شعر إبراهيم طوقان وتتباهي دائماً بشقيقها (إبراهيم) الذي توفي عام 1947، وكان أول مدرّس في البلدة في الثلاثينات والأربعينات كان زميلاً للقاص الفلسطيني (أحمد العناني) في مدارس القدس. وكانت حتى وفاتها عام 1997 تصُّر على أن قصيدة (يا ظلام السجن خَيِمّ .. إننا نهوى الظلاما) على أنها لإبراهيم طوقان، والصحيح أنها للصحافي السوري (نجيب الريس) . كانت والدتي تغني الشعر. لقد علّمهَا (خالي إبراهيم) كيف تنشد القصيدة . كانت والدتي (نفيسة) ابنة الحاج موسى جدّي لأمي الذي كان أشبه (بالبطريرك) يجلس في ديوان العائلة وحوله الرجال يتناقشون حول مشاكل البلدة، وكان يناديني عندما كنت ألعب مع أطفال ليقول للرجال: (هذا هو ابن الغالية). أظن أنني ورثت (حب الشعر) عن أمي .
2. جدّتي (فاطمة): تعلّمت منها (السرد القصصي) وكانت تتمتع بذاكرة قوية، لكن مركز الألم لديها هو شقيقها (أحمد) الذي استشهد في حرب البلقان قبل الحرب العالمية الأولى وظلت تبكيه حتى وفاتها. وكانت تنشد لنا قصائد جدّي (الشيخ عبد القادر – ت 1941) وهي قصائد شعبية وقد ذكره (نمر سرحان ) في موسوعة الفولكلور الفلسطيني ( المجلد الثالث) . وكانت تتباهى بفروسية جدّي فقد كان يعمل (مربياً للخيول) .
3. عمتي فاطمة: شاعرة شعبية، وفارسة تنافس الرجال في سباق الخيل. تعرفت إليها عندما كنت أزورها لأتمتع بالعبث بغليونها الطويل القصبة، حيث كنت أراقبها وهي تحشو الغليون بالتبغ، وتنشد أناشيد من نوع (الشروقي) ولم أكن أعرف إن كانت من تأليفها أم لا . وكان الغليون هو مركز اهتمامي .
4. (زكيَّة – وعزّية): هُنَّ أخواتي في الرضاع فقد مرضت أمي سنوات طويلة وكنت رضيعاً عام (1946)، لهذا لجأت والدتي إلى صديقاتها لإرضاعي، فأصبح لي شقيقتان في الرضاعة هُنّ: (زكية) من عائلة خضور المناصرة، و(عِزّية) وهي من عائلة (عمرو) المعروفة في الخليل. وكنت دائماً أرسل لهن السلامات من المنافي ، ويسألن دائماً عن أخباري، فالتقيت بـ (عزّية عبد العزيز عمرو ) في مستشفى بعمّان صدفة حيث زرت الأستاذ (عزّت عمرو) ، المريض فوجدتُ (عزّية ) وكنتُ سعيداً بلقائها لأول مرّة. لم يكن لي أخوات من أمي، لهذا عوّضت نفسياً بأخواتي من الرضاع .
5. (عمّتي جليلة): كتبت عنها قصيدتي ( دار عمّتي جليلة) .
6. (عمّتي آمنة): كتبت عنها قصيدتي (عمّتي آمنة) .
7. لي عمَّتان أخريان: هما (وطفاء ورحمة) .
8. جدّتي خديجة: والدة أمي وهي امرأة طيبة وحنونة، ولأن أمي ليس لها أخوات فقد ظل شعور حزين تجاه (الخالة) . وكنت أحبها كثيراً لأنها كانت عطوفة تجاه والدتي .
9. لي أخت واحدة توفيت بعد السنة الأولى من ميلادها واسمها (هند) التي كان موتها كانطفاء الفراشة رأيتها وهي في حالة النزع الأخير. قبل أن تعلن جدّتي الخبر الأليم . ظلت هند وظل البحر الميت هما أسطورة الموت عندي. ورغم أن أخي الأكبر عوّض عن (هند) بأن سمّى كبرى بناته (هند) وهي الآن جدّة لكنني لا أنسى (هند البحر الميت).
10.(نعمة): هي ابنة عمي. كانت أكبر منّا جميعاً ، وكانت تساند أمي. أما الحمَّام الأسبوعي ، فقد كانت (نعمة) تشرف عليه من البداية إلى النهاية .
كنت أندسُّ في حلقات النساء عندما كنت طفلاً في المدرسة. حيث كن يُغنين الأغاني الشعبية الجميلة. كنت أُراقبهنّ، وأبصبصُ من نافذة بيت أرضي عليهن، بسبب ضعفي تجاه الأغاني الشعبية، وذات مرّة اكتشفنني ونهرني، لكن إحدى عمَّاتي قالت لهن: (هذا الطفل ابن أخي ويعشق الغناء). ويعلم الله أنني حتى اليوم (وأنا في الثانية والسبعين من عمري) أتذكر أصواتهن الجميلة: امرأة ترقص في وسط الحلقة وتغني: (محرمتي يومّا) فترد النساء عليها: (ضُبيّها)..(وقعت ع الفرشي ….ضُبيّها). أظن أنني أخذت من علاقتي هذه (رقّة الأشعار والجرأة والأشعار الشعبية والسرد القصصي). وتأكدت أن (للنساء (عالم أسرار) لا نعرفه. ولا نفهمه نحن الرجال).
لقد دار الزمان لتشرف على أطروحتي للدكتوراه في الأدب المقارن في جامعة صوفيا –(امرأة)- البروفسورة (روزاليا ليكوفا) وقد توفيت عام 2010. دافعت عني كالذئبة في يوم مناقشتي لأطروحة الدكتوراه عام (1981) أمام وسائل الإعلام العالمية عندما أحد الأساتذة المناقشين اتهمني بأنني استخدمت (المنهج البنيوي) في تحليل قصائد الشعراء المدروسين وهم أربعة (ابراهيم طوقان – نيكولا فابتسا روف –ناظم حكمت – ومايا كوفسكي)، وادّعى أنني لم أستخدم (علم الجمال الماركسي) وهذا مخالف للحقيقة. كذلك قال بأنني نقضت فكرة (التأثير والتأثر ) الفرنسية مع أنها فكرة عالمية متفق عليها. طبعاً ، كان جوهر أطروحتي هو نقض الأطروحة الفرنسية بالفعل . ولم أنكر ذلك لكن (الشعراء الأربعة) كتبوا بأربع لغات مختلفة كما أنهم ينتمون إلى أربعة بلدان متباعدة جغرافيا . وهم أيضا ينتمون إلى إديولوجيات متنوعة (تقريباً) . ومع هذا التقى الأربعة حول فكرة عالمية واحدة هي (شعرية المقاومة) .
أما (النساء) بعد خروجي من فلسطين عام 1964 إلى المنافي فهناك ( نساء جميلات رقيقات حنونات) عرفتهن في حياتي المضطربة ساندنني كشاعر وكإنسان. وهناك أيضاً (نساءٌ انتهازيات قليلاتُ الأصل) أعطيتهنّ ما أستطيع من مساندة دون أن أنتظر منهنَّ شيئاً لكنهن أثبتن لي أن الحياة تجمع الصالح والطالح من النساء تماماً مثل الرجال. وبشكل عام ، كنت حريصاً في حياتي على أن لا أسيء لامرأة. المرأة ما تزال كائناً غامضاً صعب التفسير.

هكذا وُلدت فكرة كنعانياذا 1983

مجلة الثقافة الجزائرية: دعنا نتطرق إلى (كنعانياذا 1983) – كيف اهتديت إلى فكرة هذا العمل الملحمي الذي استطاع أن ينقلنا مساحات شاسعة من الجمال والدهشة عبر المزج المميز بين الواقع والأسطورة؟
عز الدين المناصرة: أشرت سابقاً إلى أنني اهتديت إلى الحضارة الكنعانية بشكل عفوي حيث كنت أرى الآثار من حولي فأسأل من هم أكبر مني عنها فيجيبون بأنها (كنعانية)، وتعمقت لاحقاً في مفاهيم الكنعنة وتاريخها فتوصلت إلى أن نظرية كمال صليبي المؤرخ اللبناني نصفها صحيح أي أن (التوراة) ولدت في شبه الجزيرة العربية، وأنا أضيف (وفي العراق) . ووجدت أن السوري (فراس السوّاح) أكثر دقة حيث نفى وجود (داوود وسليمان) في فلسطين. ونفى وجود أي هيكل في القدس، باستثناء هيكل هيرودوس الكبير (حَرَد الأدومي العربي)، فهو من عسقلان الفلسطينية، وأمه نبطية من (البتراء)، ولم يكن يهودياً. وأنا أضيف بأن جفافاً وقحطاً أُصيبت به (بلاد كنعان): فلسطين وسوريا ولبنان والأردن (حالياً) في الفترة ما بين القرن 23 ق.م، والقرن التاسع عشر ق.م، فحدثت (هجرة كنعانية نحو اليمن وشبه الجزيرة العربية) تركت آثارها وعلاماتها وليس العكس كما ادّعى كمال صليبي وتلامذته. ولم تكن بلاد الشام فارغة بلا سكّان أما الفلسطينيون فكما يقول (هيروروت –أبو التاريخ) في القرن الخامس قبل الميلاد كان اسمهم (السوريون سّكان فلسطين). وما يضعف سردية كمال صليبي هو أن وقع في مصيدة فخ التوراة حين حاول بقوة مصطنعة أن ينقل (الحضارة الكنعانية) من فلسطين إلى اليمن وجنوب الحجاز. في كل الأحوال، أصدرت كتاباً بعنوان (فلسطين الكنعانية، 2009) في طبعتين، يشرح كل الإشكالات !! أما عملي الشعري (كنعانياذا 1983) ، فقد صدر في بيروت عن الدار العالمية. كنت أعيش آنذاك في مدينة صوفيا العاصمة البلغارية. ونشرت جزءاً كبيراً من قصائده في مجلة محمود درويش (الكرمل ، العدد الرابع ،1981) ولاحظت تأثر درويش بهذا العمل في (جداريته 1999). لكن مكان إقامتي في صوفيا أعطتني شيئاً من الهدوء والتأمل في بيئة خضراء مائية لينة، حيث استعرضت شريط حياتي وحفرت باتجاه الجذور و(القصيدة الحضارية)، فتذكرت (الإلياذة اليونانية ) التي كنت قد قرأتها سابقاً، فاشتعلت في داخلي رغبة لكتابة (كنعانياذا) حضارية شعرية. وعندما صدرت هذه المجموعة عام (1983) لاقت رواجاً نقدياً إيجابياً بين النخبة، فقد قال الروائي (نبيل سليمان ) في أحد كتبه النقدية: “كنعانياذا هي إلياذة الشعب الفلسطيني في القرن العشرين وربمّا لسواه”. وكتب الشاعر اللبناني شوقي بزيع (جريدة النهار أيار 1983): “دخل الشاعر المناصرة في انفجاره اللغوي الخاص، أي خارج السائد في الشعر الفلسطيني”. وبهذا العمل (الملحمي الشعري) ولد (تيار الكنعنة الشعرية)، فهي قصائد نثرية لها بصمتها الخاصة المختلفة تماماً عن ( شعراء قصيدة النثر) في تيار مجلة شعر اللبنانية. المساحات الجمالية الشاسعة -كما وصفتِها- جاءت من اشتباك الأزمنة الثلاثة: (الماضي، الحاضر، المستقبل) والعفوية في السرد والجمع بين الفردي والجماعي .

تجربتي الإبداعية والنقد

مجلة الثقافة الجزائرية: في المستوى الشخصي، وبعد هذه التراكمات الملفتة من النتاج الإبداعي.. كيف وجدت المقاربات النقدية لتجربتك الإبداعية؟
عز الدين المناصرة:
هناك (النقد الصحفي) وهناك (النقد الأكاديمي)، فالنقد الصحفي يمتلك طبيعة انطباعية متسرّعة لا يمكن الاعتماد على ما تقوله كأساس للتقويم، إلا إذا كتبه (ناقد حصيف). لكن هذا النقد (مؤثر وسريع). أما النقد الأكاديمي فهو أكثر دقّة، لكنه بطيء التأثير. (مجلة فصول مصرية) هي مجلة النقد الأدبي الأفضل في الوطن العربي، أما المجلات (المحكّمة) فهي غير مقروءة، وبالتالي هي غير مؤثرة، وغالباً ما تخضع للأهواء حسب الجهة أو الجامعة التي تصدرها. وهناك كتب نقدية مستقلة لأفراد، بعضهم نقاد فاعلون وبعضهم متوسطو الحال. شخصياً أنظر للنقد كأداة تنوير للنصوص. وهنا يجب أن يكون الناقد مقنعاً في رأيه، لكي يقتنع القارئ بأهمية الفكرة النقدية. وهناك ما يُسمّى بـ (التغطية الصحفية) وهي أنواع، وأفضلها ما احتوى شمولية العرض ودقته. لقد لعبت الصحافة إيجاباً وسلباً في توجيه النقد. هناك في الصحافة من لا يفرق بين الناقد العميق، وبين التغطية الصحفية السطحية، فكلهم نقاد. في الأردن مثلاً ، هناك أكثر من شخص يكتبون مقالات عن النقد، فنكتشف أن في الأردن مثلاً (500 ناقد )!! عند البعض. يا سبحان الله!! وقد صدرت في الأردن عدة كتب عن حركة النقد في البلاد كتبها أساتذة جامعات جهلة أو صحفيون غير مثقفين. وأنا أرى أن الصحافي يظل صحافياً حتى لو كتب تغطية نقدية أما صفة الناقد فتنطبق على الناقد (صاحب المشروع النقدي)، وليس عابر سبيل . بالنسبة لي كشاعر أُنصفتُ من قبل (بعض الصحافيين وأُنصفتُ من قبل بعض الأكاديميين) الشرفاء نسبياً. كتب عن تجربتي الشعرية ما يقرب من (40 كتاباً): أغلبها رسائل ماجستير وأطروحات دكتوراه، لكن بعضها لم يُنشر!! . المشكلة الجوهرية أن نتائج هذه البحوث العلمية الرهينة لم تنشر في الميديا وبالتالي لم تصل إلى القارئ. أما تجربتي كناقد فقد صدر عنها كتابان فقط. والمضحك المبكي أن (العنصرية) دخلت في النقد الأدبي، أدخلها أكاديميون عنصريون، لأنني (فلسطيني من أصل فلسطيني) كما قلت عام 1997 تعليقاً على حادثة أدبية عنصرية نقابية. أما في فلسطين فتلعب (المناطقية) دورها السلبي في التقويم، مع أننا عندما دخلنا ساحة النضال تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية عام (1964) دخلناها من الباب الفلسطيني ، وقاومنا أعداء الهوية الفلسطينية تحت راية ( فلسطين التاريخية الكاملة) ، وما نزال حتى لو جعلنا (الخليل) مركزاً في القلب .
حتى اليوم لم يتم تكريمي من قبل أية جهة فلسطينية. وفي عام (2017)– طرح (وزير) موقفاً جيداً هو أن أكون (شخصية العام الثقافية في فلسطين) ولم أرفض هذا التكريم، لكنه وضع شرطاً ملزماً هو أن هذا التكريم مرتبط بموافقتي على الدخول بتصريح كسائح أو زائر تحت راية أوسلو وأن يتم التكريم في (رام الله). عندئذ، قلت له: “شكراً لماذا لا تكرمونني في عمّان أو دمشق أو بيروت أو القاهرة أو الجزائر”، لكنه رفض ذلك وأصر على موقفه، فكررت شكري له وقلت له: “هذا ابتزاز !!”.سأظل ضد اتفاق أوسلو.

النقد العربي والشعر الفلسطيني

مجلة الثقافة الجزائرية: طيب.. كناقد أكاديمي متخصص كيف ترى موقف (النقد العربي) من (الشعر الفلسطيني).. هل توافقني الرأي بأنه لم يكن منصفاً؟!
عز الدين المناصرة:
النقد العربي في موقفه تجاه الشعر الفلسطيني الحديث كان انتهازياً. ففي عام (1967) بدأ الخراب الكبير، حين تم التأسيس للتنازل التاريخي عن الحق الفلسطيني وذلك بالتمهيد لمقولة (دولة فلسطينية على22% من أرض فلسطين إلى جانب (دولة إسرائيل الاستعمارية الاستيطانية). وروّج لهذه المقولة مثقفون سياسيون عرب. وبأت الخطوة الأولى في النقد تحت شعار (الأهل في فلسطين 48، هؤلاء الباقون الصامدون لقد نسيناهم) وهذا صحيح، لكن غير الصحيح أن يختار النقد شعراء من لون معين، ينتمون للحزب الشيوعي (الإسرائيلي) على أنهم صفوة شعراء المقاومة وحدهم. وبدأ (الضخ المناطقي) يؤيد الفكرة. وهكذا تمَّ شطب (شعراء الثورة الفلسطينية) من قاموس أدبيات فصائل الكفاح المسلح المنضوية تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية. وهي أغرب حالة في مجال تحالف الأدب والسياسة. وفجأة جاء أحد شعراء الحزب الشيوعي (الاسرائيلي) إلى بيروت ليلتحق بشعراء الثورة حيث عقد ما أسماه البعض (صفقة نصف القرن الشعرية): هو شاعر كبير بالفعل لكنه ليس الشاعر الأوحد إلا بقرار من قيادة سلطة الثورة. وفي عام (1987) ، حدثت أكبر فضيحة في تاريخ الثورة الفلسطينية، وهي (اغتيال الرسَّام العالمي الفلسطيني ناجي العلي)، وفي العام نفسه تتشكل (لجنة قيادية سريَّة) هي (لجنة الحوار مع الإسرائيليين) من السادة: ( محمود عباس- محمود درويش- عبدالله حوراني- ياسر عبد ربه- عبد الرزاق اليحى – سليمان النجاب) حيث اجتمعت سراً وعلنا في باريس واتخذت قرارات. وفي عام 2018، يعترف الرئيس محمود عباس بصحة هذا الخبر، بل ويذكر الأسماء أعلاه، في التلفزيون الفلسطيني الرسمي (فيلم الصبر- الحلقة الخامسة) . آنذاك (عام 1987) كنت أعيش في مدينة قسنطينة الجزائرية أستاذاً في جامعتها وكنت رئيس (اللجان الفلسطينية للوحدة الوطنية في الجزائر) بالانتخاب. وحرصت أن يتم الانتخاب في مكتب سفارة فلسطين في الجزائر العاصمة. وتقدمت لجان الوحدة بمبادرة توحيد الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين. خرجنا من حصار بيروت عام 1982 إلى الشتات العربي، كنت ممنوعاً من دخول الأردن، فوعد (ياسر عرفات) أنه سيحل المشكلة مع الأردن، وطلب مني أن أتوجه إلى الأردن. وهكذا دخلت الأردن بعد غياب طويل، لكن السلطات الأردنية أبعدتني مع زوجتي وطفلي (كرمل) أصغر مبعد في تاريخ الثورة الفلسطينية. وتمّ النفي يوم (10/12/1982) إلى تونس. وفي شباط فبراير دعيت دعوة رسمية خطيّة للمشاركة في المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، لصباحية شعرية مع محمود درويش ومعين بسيسو لكن الرئيس عرفات منعني من إنشاد قصيدتي (حصار قرطاج) أمام المجلس بناء على وشاية من أحد مستشاريه تقول: بأن القصيدة غاضبة، وتنتقد دور القيادة السلبي في إدارة معركة حصار بيروت. وهكذا توجهتُ في (24/3/1983) للتدريس في (جامعة قسنطينة) . أما في (الشعر ونقده) فقد انعكست السياسات فعلياً ، لكن الخلل جاء من ( السياسي الفلسطيني) أولاً: ظلَّ الشعراء مستسلمين لقدرهم السياسي حين قبلوا قرار قيادات الفصائل بأن محمود درويش هو (الشاعر الأوحد) ، خصوصاً بعد الخروج من بيروت 1982. المشكلة ليست في تضخيم وتقديس محمود درويش، وإنما في شطب الثقافة الفلسطينية كلها، خصوصاً ( كنفاني، المناصرة، وناجي العلي) إلى درجة المنع الكلي في الميديا المسيطر عليها.
الفضيحة الكبرى: (الثقافة العربية في القرن العشرين – 2011): صدر كتاب ضخم يقع في (1455صفحة) من القطع الكبير بعنوان (الثقافة العربية في القرن العشرين) عام 2011 عن مركز دراسات الوحدة العربية بإشراف وتحرير: ( عبد الإله بلقزيز، ومحمد جمال باروت). أقل ما يقال في هذا الكتاب أنه مليء بالجهل بتاريخ الشعر الفلسطيني الحديث، والنقد الأدبي الفلسطيني الحديث. فقد اختصر هذا الشخص الذي كتب عن الشعر عن(محمود درويش فقط) حسب أوامر (وكلاء الاحتلال الإسرائيلي). كما أن هذا المجلد الضخم نستطيع اتهامه ب(القُطرية و الترويج للتجزئة). وبالنسبة لي لم يذكر اسمي أية مرَّة أي أنهم شطبوا اسمي كشاعر وكناقد (حيثُ شطبوا 11 ديواناً شعرياً و25 كتاباً) في النقد الأدبي والمقارن والسبب هو معارضتي لثقافة أوسلو وفي مقدمتها معارضتي للتطبيع الثقافي الذي يروج له (وكلاء الاحتلال). والحقيقة الأخرى هي أنني الشاعر الفلسطيني الوحيد الذي حمل السلاح في المرحلة اللبنانية للثورة الفلسطينية دفاعاً عن المخيمات الفلسطينية والجنوب اللبناني .

الشعر والحراك العربي و..فلسطين

مجلة الثقافة الجزائرية: يعيش العالم العربي حاليا واقعا ثقافيا مُزرياً كما تعلم … فهل تعتقد أن (القصيدة) ما زالت في مستوى المقاومة الشعرية؟ وهل هي قادرة على خلق فرق ما في هذا الزمن الرديء؟
عز الدين المناصرة:
الصحيح هو أن القصيدة أصبحت غير مؤثرة لأسباب عديدة منها: (تبريداللغة الشعرية)، والتغيرات المفاجئة، وقد لعبت (ثقافة التطبيع) دوراً خطيراً في تخريب فكرة المقاومة الثقافية، وارتد بعضهم من الثقافة القومية إلى التبعية لمراكز القرار الأميركي. ولعب (الفساد المالي)، و(الأنجزة)، دوراً تخريبياً في التغيير الثقافي نحو (الفساد الثقافي). هناك حالة انحطاط ثقافي، وغياب للمعايير المتجددة. لهذا لا بُدّ من (تغيير أدوات المقاومة) وتجديدها. ولن تتجدد إلا على أيدي أبناء (الجيل الجديد). قضيت (35 عاماً) في التعليم الجامعي في (خمس جامعات) عربية متنوعة المناهج والأساليب: كنت ألتقي بهذا الجيل الجديد يومياً. كنت حريصاً أن أناقشهم بحرية تامة. حاولت أن أمحو (الخوف) من تفكيرهم، الخوف الذي زرعته السلطة والمجتمع. دائماً كنت أحاول زرع فكرة المقاومة الثقافية في رؤوسهم.

مجلة الثقافة الجزائرية: لكن يبدو أن المتلقي العربي أصبح أقل حماساً للشعر، فهو مستغرق في أزماته الخاصة في مجتمعات نخرتها الفوضى .. ما رأيك؟
عز الدين المناصرة:
تحت شعار(الديمقراطية الليبرالية) تمت تشظية المجتمعات العربية، وكان الهدف هو تدمير الجيوش وخلق فوضى دون تركيب أو استبدال أو تحديث. وأصبح (الاستقواء بالأجنبي) هو الحداثة عند البعض كما أن (الأنظمة المستبدة) ازدادت شراسة في محاربة أي تغيير. وأحاطت نفسها بطبقات استبدادية ليبرالية. لقد التقى الليبراليون العرب مع(القاعدة وداعش) في موقف واحد تحت ذريعة (ضرورة البراغماتية) عند اللزوم. أما (السلفيون العرب) فقد أعلنوا (دون خجل) – التحالف مع (إسرائيل). وطيلة سبع سنوات لم يطلقوا طلقة واحدة ضد (إسرائيل) وانكشف الغطاء عن محاولات لبيع فلسطين نهائياً تحت ذريعة التفرغ للتنمية. بدأ الأمربنظرية (جوّع كلبك يتبعك) الأميركية، وضرورة تأسيس مجتمع مدني بتشظية المجتمعات إلى منتديات وجمعيات تعيش على أموال الأنجزة الأجنبية، وتمَّ (اختراق المرأة والشباب) وتوظيفهم في المسار نفسه أي (الليبرالية الداعشية)، و(السلفية التكفيرية الصهيونية) كما حدث في (الجولان السوري). حين التقت مع التأسرل. وبدأ تطبيق (صفقة القرن الإسرائيلية الأميركية) بالتدريج، دون إعلان برنامجها، فهو عملياً يطبق منذ (كامب ديفيد مصر) حيث تلاها (اتفاق وادي عربة) مع الأردن، واتفاق أوسلو مع (وكلاء الاحتلال) في فلسطين عام 1993. وبدأ تطبيق (صفقة القرن) في ظل ثقافة أوسلو بِـ: (زرع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الفلسطينية). وإذا كان التفاوض في ظل أوسلو حول 22% من أرض فلسطين فإن التفاوض حالياً بعد زرع المستوطنات أصبح حول (12% من الأرض الفلسطينية) حسب كرّاس أصدره مكتب محمود عباس نفسه.
ثقافياً أسس اتفاق أوسلو لخراب ثقافي جديد هو قبول (التطبيع) عملياً ورفضه لفظياً. ودائماً تحت الاحتلال يرتفع نجم وكلاء الاحتلال. يسألني بعض المثقفين العرب: المثقفون الفلسطينيون يدينون مثقفي التطبيع العرب لكنهم يتجاهلون التطبيع الذي مارسه فلسطينيون (ادوارد سعيد ومحمود درويش مثلاً لماذا!! يحاصرني هذا السؤال أينما ذهبت، وأحار في الإجابة (درويش) ليس بشاعر كل الناس لأنه في مقاله (المقنّع ) هاجم حماس وفي المقابل هو ليس الشاعر الخاص للرئيس محمود عباس، وفي شعره تناصٌ وتلاص. درويش شاعر كبير هام لكنه ليس الشاعر الأوحد للشعب الفلسطيني (وليس صنماً ولا قدّيساً ليُعبد) . تأملت هذا القول الصحافي فوجدت فيه شيئاً من الصحة. لقد كان درويش صديقي في المرحلة اللبنانية (1974-1982) وكان معين بسيسو صديقه أيضاً، لكن (عام 1987) عام تأسيس (لجنة الحوار مع الاسرائيليين) شبه السرّية ، وعام اغتيال (ناجي العلي)، هذا العام شكَّل لي صدمة، ومع هذا لم تنقطع صداقتي مع درويش حتى قبل وفاته (2008) بقليل، فقد كنت ألتقيه في منزله في (عبدون) في العاصمة الأردنية عمّان وكنت أحاوره باستمرار، وكان يقول لي كلاماً هو عكس كلامه للصحافة، ومع هذا ثابرت على عتابه، وكان للحق يتقبل ملاحظاتي على سلوكه السياسي الذي أختلف معه. أما الشعر فقد قال درويش ذات مرّة :”المناصرة هو الوحيد بين الشعراء الفلسطينيين من يفهم جوهر الشعر”، لكن علاقة درويش بسلطة أوسلو لم تكن تعجبني …واحسرتاه !!

مجلة الثقافة الجزائرية: وكيف تواكب من منفاك في الأردن أحداث فلسطين؟
عز الدين المناصرة:
كانت (القدس) تبعد عن عمّان قبل عام عام 1967 (ساعة وربع) بالسيارة أما الآن فهي تبعد عن (عمَّان) ، حوالي (22 ساعة) حسب القادمين من (رام الله والخليل) وذلك بسبب (الحواجز الإسرائيلية)، و(الطرق الالتفافية). شقيقي الأكبر توفي في فلسطين عام (2011)، وهو أول من ترجم قصة جول فيرن (حول العالم في ثمانين يوماً)، 1968. لكن أولاده وبناته يزورونني هنا في عمّان. شقيقي هذا له (11ولداً وبنتاً) .
تعرفت عليهم جميعاًما عدا (ماجدولين) وهي حاليا جَدّة ، فقد زارتني في هذا العام (2018) فقط، حيث تعرفت عليها لأول مرّة . فأنا على تواصل مستمر مع العائلة، التي تعيش بين (الخليل ورام الله). وهنا في (عمّان) (شقيقان آخران) متقاعدان، أحدهما يمتلك هوية فلسطينية، ويزور فلسطين دائماً. أما الآخر فهو لا يمتلك هوية فلسطينية وله قصة لا مجال لسردها. عندما احتلَّ (الإسرائيليون) الضفة الفلسطينية رفضوا تسجيلي مع أفراد العائلة حيث اشترطوا أن أحضر فوراً ولم يكن الوضع يسمح بذلك آنذاك. طبعا وسائل الاتصال حالياً متعددة. أما الأخبار السياسية فتتكفل الفضائيات بنقلها، وأحياناً يزورني كثير من المثقفين والسياسيين، فأحاورهم حول الأوضاع العامة.

مجلة الثقافة الجزائرية: خلال حفل تكريمك في مؤسسة الجاحظية عام 2004 قال رئيسها آنذاك الروائي الراحل (الطاهر وطّار) حرفياً ما يلي: “الشاعر والناقد المناصرة لا يقلُّ أهمية عن درويش في الشعر ولا يقلُّ أهمية عن إدوارد سعيد في النقد الثقافي المقارن.. عاش في الجزائر (1983-1991) أستاذاً بجامعة قسنطينة وجامعة تلمسان. عاش في الجزائر وأحبّها بشرف النبيل فأحبته بهيبة الكبير” … ما هو انطباعك عن المشهد الثقافي الجزائري الراهن؟ وكيف يتفاعل مبدعو الجزائر مع قضية فلسطين؟
عز الدين المناصرة:
هذا سؤال يحتاج إلى كتاب: عشت في الجزائر (ثماني سنوات). فتحت لي صدرها، ومنحتني شيئاً من الحماية بعد أن عشت حصار بيروت 1982. وكنت منفياً من الأردن بقرار من الحكومة الأردنية، لكنني لم أتحدث في الجزائر عن هذا الحصار والنفي، لكن المثقفين الجزائريين اكتشفوا ذلك من الآخرين. فأصبح لي أصدقاء منهم وهم كثر. وأعطيتُ الجزائر في مجالين (التعليم الجامعي-والثقافة) حيث كنت نشيطاً خارج الجامعة في المجال الثقافي (ندوات ،مؤتمرات، ونقاشات) بحرية تامة لم أعهدها في المشرق العربي، باستثناء (حادثة الأفغان الجزائريين) وتحالفهم مع (الشيخ محمد الغزالي صديق الشيخ يوسف القرضاوي) حين هاجمني عام (1986) في المؤتمر الدولي في باتنه (جدوى الأدب في عالم اليوم). لكن أصدقائي المثقفين الجزائريين تصدوا لهذا الهجوم بشجاعة. ولا أنسى مقال الروائي المبدع (أمين الزاوي) الذي دافع فيه عني وعن (كاتب ياسين). لقد كان مقالاً رائعاً. كما لا أنسى برقية رئيس الوزراء (عبد الحميد ابراهيمي) إلى رئيس جامعة قسنطينة حين أفهمه أن (الجزأرة) لا تنطبق على (عز الدين المناصرة) لأنه فلسطيني. وفي كل الأحوال، كشف الغطاء بالتفصيل في (جريدة الشروق الجزائرية 29/6/2004) عن هذه الحادثة المؤلمة. لقد كنت في الطائرة قادماً من عمّان لحضور حفل التكريم في (الجاحظية)، وفوجئت بعنوان رئيس في صدر الصفحة الأولى من جريدة الشروق يقول: (عز الدين المناصرة يزور قسنطينة). ويرجع الفضل في هذا الكشف للطاهر وطّار. وعندما عشت في الجزائر لم أكن أتدخل فيما لا يعنيني. ساهمت في تأسيس (الرابطة العربية للأدب المقارن) في (جامعة عنّابة وشاركت في مؤتمراتها الأربعة. وانتخبت ثلاث مرَّات نائباً للأمين العام للرابطة – عبد المجيد حنّون). كما انتخبت عام 1985 (رئيساً لـِ –(اللجان الفلسطينية للوحدة الوطنية في الجزائر)، من قبل الجالية الفلسطينية (عشرة آلاف). وقد حرصت أن أنتخب من قبل مندوبي المناطق في مقر السفارة الفلسطينية في الجزائر العاصمة، وطلبت من السفير (أبو العز الدجاني) أن يذهب معي إلى مقر حزب جبهة التحرير الجزائرية لتسليم صورة من (وثيقة تأسيس اللجان) وبقيت هذه اللجان حتى عام 1987. كان الروائيون (الطاهر وطّار-رشيد بوجدرة – عبدالحميد بن هدّوقة) يتصدرون المشهد الروائي في مجال الرواية، وهم أصداقائي. ثم ظهر (جيلالي خلاّص، ومرزاق بقطاش، ورشيد ميموني) ، لكنّ (أمين الزاوي والأعرج واسيني) تقدما أكثر، وهما صديقان حميمان. أما في (الشعر)، فقد كانت هناك قائمة طويلة من الشعراء وكلهم دون استثناء أصدقاء. أما (الشاعرات) فقد كانت (ربيعة جلطي وزينب الأعوج). ولا أستطيع في هذه العُجالة أن أذكر كل من أعرفهم، ولي معهم قصص وحكايات. عندما جاءت (العشرية السوداء) نبّه كثيرون من المثقفين إلى أن (حادثة 1986) كانت علامة كبرى تؤشر على ما هو قادم، كما قال المفكر الجزائري (مخلوف عامر) صاحب كتاب عن (الداعشية) صدر بمصر. طبعاً، قبل ذلك ، كنت قد قرأت معظم روايات (الجيل الأول ) مثل : (محمد ديب ، كاتب ياسين، مولود فرعون)، وقرأت أشعار(مالك حدّاد وبشير الحاج علي) وغيرها.

مجلة الثقافة الجزائرية: وكيف تختم هذا الحوار؟
عز الدين المناصرة:
أختتم بمقاطع شعرية أقرأها حالياً وهي بعنوان: ( توقيعات النساء البشتونيات في المنفى )، فقد أعجبت بالتوقيعات التالية:
1. يا إلهي، لا تدع امرأةً تموت في المنفى
ستنسى اسمك ، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة
لن تفكر سوى بمسقط رأسها.

2. إذا مات حبيبي ، فَلأكُن كفنه
هكذا نتزوج الرماد معاً .

3. حبيبي ، عُقدٌ على عنقي
قد أسير عارية،
لكنني لا أبقى لحظة بلا عقد .

4. أمشي في شوارع (كابول )
خلف النوافذ الحزينة
قلوب محطمّة ، نساءٌ محطّمات
ولا رجال في الجوار

5. ( أفغانستان) يا أرض العبودية والجمال
من أهانكِ ! ،لتكوني غنيمة
وحوش بملابس قصيرة
عَرّوكِ من الكرامة
أفغانستان …تحسدها الجنَّة!!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق