حوارات المجلة

المحامي الأستاذ فؤاد نقارة للمجلة الثقافية الجزائرية:

الأندية الثقافية بغالبيتها اليوم متمسكة باللغة العربية والثقافة العربية وحارسة لها رغم كل الظروف

 الأندية الثقافية بغالبيتها اليوم متمسكة باللغة العربية والثقافة العربية وحارسة لها رغم كل الظروف

حاورته: باسمة حامد

رغم عمله بالمحاماة إلا أن ضيفنا حقق حضوراً ثقافياً لافتاً في فلسطين المحتلة، فهو المحامي فؤاد نقارة رئيس نادي حيفا الثقافي الذي يسعى لتكريم المبدعين والتعريف بالمواهب الأدبية الواعدة ونشر ثقافة متنورة تحارب التطرف والانغلاق. المجلة الثقافية الجزائرية حاولت الوقوف على هذه التجربة من خلال هذه الفسحة من السؤال والجواب:

مجلة الثقافة الجزائرية: لنبدأ هذا الحوار بسؤال شخصي: كيف توازن بين عملك القانوني ومهامك الثقافية ونشاطاتك الاجتماعية؟
فؤاد نقارة: كل إنسان يجب عليه الاهتمام بمجتمعه وخدمته ضمن الجمعيات والمجتمع الأهلي لكي نطبق التكافل الاجتماعي، وخصوصاً لفئة المستضعفة بالمجتمع، لذا أرى من واجبي التطوع بالعمل لصالح جمعيات غير ربحية تخدم المجتمع وتحسن من ظروفه كواجب اجتماعي وطني، مثل “مؤسسة بيت النعمة” التي تعنى بالمساجين الذين يفرج عنهم بشروط، و”مؤسسة قلب يسوع” التي تعنى بالأطفال الذين يولدون مع عجز شامل، ولا يغادرون المؤسسة، عدا عن نشاطي ضمن الطائفة الأرثوذكسية العربية في حيفا، كرئيس للهيئة التمثيلية، وعضو لجنة المعارف المسؤولة عن الكلية العربية الأرثوذكسية وعضو لجنة النشاطات. أما النشاط الثقافي، كرئيس نادي حيفا الثقافي والمسؤول عنه فأني ومنذ صغري عاشق للأدب واللغة العربية وهذا النادي، الذي يجمع كل المبدعين من شتى أنحاء البلاد والشتات، يوفر لي متعة العطاء التي تعد أسمى المتع.
الوقت موجود إذا عرفنا كيف نستغله، ومنذ صغري تربيت على أيدي والدي الذي علمني أنه إذا قسّمت وقتك تجده، أي بمعنى أن ترتب وقت العمل بالمكتب ووقت الراحة ووقت الخدمة الوطنية وأن تتنازل عن كل ما لا يفيد من “متع” يجري وراءها الآخرون.

مجلة الثقافة الجزائرية: حدثنا عن صعوبات العمل الثقافي في فلسطين المحتلة من خلال تجربتك كرئيس للنادي الثقافي في حيفا.. ما هي أبرز التحديات التي تواجهكم؟
فؤاد نقارة:
نحن بحيفا محظوظون لوجود المجلس الملي الأرثوذكسي الوطني الذي أسس الكلية العربية الأرثوذكسية سنة 1949 كإطار تربوي وتعليمي يجمع طلاب الثانوية العرب من كل البلدات العربية ونفخر بخريجي الكلية، واستمراراً للنادي الأرثوذكسي العربي من سنوات الثلاثين من القرن المنصرم الذي كان من رئيسه عمي طيب الذكر، محامي الأرض والشعب، حنا نقارة، أسسنا نادي حيفا الثقافي لخدمة الأدباء والمثقفين – فبدون المجلس الملي الذي يوفر القاعات والخدمات والتضييفات لما كانت هناك إمكانية لهذه النشاطات الأسبوعية. الصعوبات التي تواجه عمل النادي عديدة، منها أولاً منع دخول الأخوات والإخوة من مناطق السلطة أو من الشتات إلى الداخل، مشكلة توفير الكتب لبعض الأمسيات.
في السابق كان هناك تهجم من بعض الأقلام ضد نشاط النادي.
أما على مستوى المحلي فهناك ظاهرة مقاطعة بعض الأندية والمنتديات لنشاطات النادي لأسباب تعود إليها، والمشكلة المستعصية والكبرى أن قسماً كبيراً من الشاعرات والشعراء ممن يتباكى على قلة المشاركة في أمسياته، للأسف، لا يشارك زملاءه أمسياتهم.

مجلة الثقافة الجزائرية: استطاع نادي حيفا الثقافي أن يحقق مكانة واضحة بين الأندية الثقافية الفلسطينية.. دعني أسألك عن آليات العمل الذي بموجبه تحاولون تقديم مشهد فلسطيني موحد؟
فؤاد نقارة:
نحن نادي مستقل، لا نتلقى الأوامر من أحد ولا نقبل دعماً مادياً من أحد، كرئيس للنادي أتعرض لضغوطات لإقامة أمسية لإحداهن أو لأحدهم وأنا أعلم أنه لا يستحق ذلك، إما لتاريخه وإما لإنتاجه (الأدبي) وهذا يسبب لي متاعب. الأدب والثقافة والثوابت الوطنية بعيداً عن تفاصيل السياسة والأحزاب توحدنا. أبحث عن كل من يستحق الاهتمام من الشعراء والأدباء، بغض النظر عن انتمائه السياسي، شرط أن يكون ذا خط وطني واضح وملتزم يخدم شعبنا الفلسطيني بعيدا عن التعصب وتكفير الآخر. نعاني من تقولات من بعض المغرضين، لكن خطنا واضح وليس بحاجة إلى إثبات أو دفاع. اهتم جداً بكتابنا من مناطق السلطة والشتات لعدم توفر أطر محلية لاحتضانهم وذلك تجسيداً لوحدة الثقافة والهم المشترك لأبناء الشعب الواحد.

مجلة الثقافة الجزائرية: هل يمكن للأندية الثقافية أن تلعب دوراً إيجابياً في تثبيت هوية الشعب الفلسطيني وحقوقه؟ وكيف؟
فؤاد نقارة:
الطليعة التي حافظت على الهوية الفلسطينية والثقافة الفلسطينية في الداخل مباشرة بعد النكبة كانت صحيفة الاتحاد الحيفاوية الناطقة باسم الحزب الشيوعي، وأيضاً صحيفة المهماز ومجلة الجديد والغد لاحقاً، لأنه في حينه لم نرَ أدباً فلسطينياً في الشتات، حيث كانت الصدمة على الشعب الفلسطيني أكبر مما يحتمل، فكانت صحيفة الحزب الشيوعي ومجلاته هي الناطق بلسان أبناء الشعب الفلسطيني ضد كل محاولات الأسرلة والتهميش رغم النكبة وطرد أكثر من 90% من أبناء الشعب الفلسطيني عن أرضهم بما فيهم طبقة النخبة المتنفذة والمثقفة. الأندية الثقافية بغالبيتها اليوم متمسكة باللغة العربية والثقافة العربية وحارسة لها رغم كل الظروف، تدافع عن حق الوجود على أرض الآباء والأجداد وهويتنا العربية الفلسطينية واضحة متجذرة ويصعب تجاهلها. أطرنا العربية ومؤسساتنا العربية بغالبيتها ملتزمة بالثوابت الفلسطينية عدا عن بعض أصوات النشاز الخارجة عن الإجماع.

مجلة الثقافة الجزائرية: ما هي انعكاسات الانقسام الفلسطيني على الواقع الثقافي؟
فؤاد نقارة:
الانقسام الفلسطيني سببه الصراع على الغنيمة الفلسطينية بعد أن أصبحت الوطنية وظيفة براتب ومكاسب ومغانم يتنعم به المقربون من المترزقين على عرق الشعب وخبزه. أما بالنسبة للتنظيمات الإسلامية التي تنفي وجودي كعربي، لأني غير مسلم، مع أن عروبتي سبقت الكثير ممن أسلم من الشعوب غير العربية، أقول لهم إنه لولا وجود العرب قبل الإسلام، ووجود اللغة العربية، لما نزل القرآن الكريم، فلا تجوز المزاودة، أو إخراج العرب غير المسلمين، من خيمة الأمة العربية وثقافتها التي يجب أن تكون الجامعة التي ينضوي تحتها الجميع وإبقاء الدين لله، كعلاقة خاصة بين الإنسان وخالقه وليس معياراً لوطنية هذا أو ذاك. كنادي ثقافي فوق الانقسامات والطوائف نأسف للانقسام الذي عزل قطاع غزة عن كل العالم بما فيها عزل ثقافي وتقليص الفعاليات الثقافية وعرقلتها في القطاع نتيجة التزمت والوصاية على المضامين والأخلاق كما يصل إلى مسامعنا من الإخوة كتاب وأدباء قطاع غزة. أما في الداخل الفلسطيني فلا أعتقد أن الانقسام ملحوظ لأن الأغلبية تنتمي إلى أحزاب وأطر سياسية وليست دينية.

مجلة الثقافة الجزائرية: الساحة الأدبية الفلسطينية قدمت نجوماً في الأدب والشعر وهنا نتحدث عن أسماء كبيرة مثل (غسان كنفاني، سميح القاسم، محمود درويش، عز الدين المناصرة.. وغيرهم).. كمهتم بالشأن الثقافي.. كيف تقرأ إبداعات الجيل الفلسطيني الشاب؟ وما الذي تتميز به كتابات هذا الجيل؟ وهل ثمة مواهب إبداعية واعدة؟
فؤاد نقارة:
الثقافة التي تعجز عن خلق مبدعين جدد وتجتر القديم هي ثقافة ميتة، في الساحة الأدبية والثقافية الفلسطينية العديد من الأسماء التي تبدع الرواية والشعر والدراسة والفلسفة ونفخر بإبداعها، ولكن ليس لها حظوة ولا ترويج ولا منصات مناسبة ولا دعم مادي أو معنوي لكي تنطلق إلى العالم العربي. عندنا في الداخل ما لا يقل عن 100 دكتور لغة عربية نفخر بهم، عدا عن حملة الماجستير، نحاول أن نشركهم في نشاطات نادي حيفا الثقافي الذي يوفر لهم الدفيئة المناسبة لإبراز إبداعهم ونقدهم للأعمال الأدبية, كذلك الشعراء بالمئات والروائيين والكتاب أيضاً.  نحن في نادي حيفا الثقافي، هذه المؤسسة الخاصة والمتواضعة والتي نقوم بالعمل بها تطوعاً نحاول على قدر إمكانياتنا أن نبرز بعضاً من هؤلاء المبدعين ضمن فعاليات النادي من رواية وشعر وأقصوصة ودراسة وكل ما له صلة بالثقافة والفن. كذلك نحرس على استضافة فنانات وفنانين تشكيلين وعرض إبداعهم ولوحاتهم في الأمسيات للدعم والمساهمة بالإشهار والتعريف بفنانينا. موضوعات الكتابة متعددة، فعدا عن موضوع القضية الفلسطينية بأبعادها، وهو موضوع مهيمن على الإبداع الفلسطيني بشكل عام، فهناك بقية الموضوعات من الرواية ذات الخلفية التاريخية أو خلفية السيرة الذاتية كتب التاريخ ونقض التكفير الديني والكتب السياسية والتحليلات وما أكثرها.
كتب المذكرات والسيرة الذاتية لما فيها من خصوصية تسجيل التاريخ الشفهي الفلسطيني متداولة كثيرا اليوم عدا عن المجموعات الشعرية التي تصدر صباح مساء لكل من يعد نفسه شاعراً وقادراً على دفع تكاليف الطباعة والنشر.

مجلة الثقافة الجزائرية: قبل فترة أقيمت في نادي حيفا الثقافي ندوة (قراءات انطباعية) حول رواية الروائية الجزائرية العزيزة ياسمينة صالح ” في المدينة ما يكفي لتموت سعيدا”. حدثني عن هذا الأمر الجميل؟
فؤاد نقارة:
عدا عن الأمسية الأسبوعية كل يوم خميس، يقيم نادي حيفا الثقافي أمسية مناقشة رواية مرة كل شهر لأعضاء النادي. عندما قرأت رواية الأخت الكاتبة ياسمينة صالح “في المدينة ما يكفي لتموت سعيداً” التي وصلتني كإهداء من الأخ الروائي والشاعر جهاد أبو حشيش صاحب دار فضاءات للنشر دهشت من تفاصيلها وأسلوبها أعجبت من كتابة رواية تتحدث عن واقع أليم تمر به الدول العربية كافة بمستويات مختلفة وعنوانها “الوطن العربي عزبة للحكام، والإنسان العربي = صفر”. وهنا أود التنويه بأن أخي الناشط الثقافي المحامي حسن عبادي سينشر قريباً قراءة للرواية.

مجلة الثقافة الجزائرية: هذا يقودني إلى سؤالك عن مدى اقترابكم من الأدب الجزائري؟
فؤاد نقارة:
طبعاً قرأت الطاهر وطار منذ 1976 إلى اليوم من رواياته عرس بغل، اللاز، تجربة في العشق، العشق والموت في الزمن الحراشي، الزلزال، الطعنات والشمعة والدهليز وناقشنا روايته الخالدة “اللاز” في نادي حيفا الثقافي يوم 12.02.2014
أنا من عشاق الأديب الكبير واسيني الأعرج وكل روايته موجودة عندي ومعظمها بتوقيعه وكان الشرف لي استضافته في بيتي بحيفا حين كان يعمل على كتابة رواية مي زيادة وقام بزيارة الناصرة وحيفا. كذلك من الكتاب الجزائريين قرأت للطاهر بن جلون، سمير قسيمي (الحالم)، أمين الزاوي (شارع إبليس)، بوعلام صنصال (قسم البرابرة وحراقة)، مالك حداد (الانطباع الأخير)، مرزاق بقطاش (رقصة في الهواء الطلق)، مليكة مقدم (رجالي)، ربيعة الجلطي (نادي الصنوبر وعرش معشق) وفريدة إبراهيم (أحلام مدينة) وهذه الروايات كانت متوفرة في مكتبات رام الله وللأسف لم تصلنا روايات جزائرية أخرى.

مجلة الثقافة الجزائرية: كلمة أخيرة؟
فؤاد نقارة:
شكراً للمجلة الثقافة الجزائرية وكل العاملين بها على اهتمامها في نشر الثقافة عامة ونشر نشاطات نادي حيفا الثقافي ومداخلاته أسبوعياً، نثمن عالياً هذا النشر لما فيه من تقريب المسافات بين أبناء الوطن الواحد خدمة لثقافة متنورة. أشكر أيضاً المجلس الملي الأرثوذكسي الوطني في حيفا راعي العلم والثقافة العربية. شكراً لأعمدة النادي الأخ المحامي حسن عبادي، الأخت الكاتبة خلود فوراني سرية، رفيقة دربي سوزي نقارة والأخ فضل الله مجدلاني الذين يسهرون على استمرارية عمل النادي ويساهمون بكل الحب لإنجاح نشاطات النادي فشكرا من القلب. شكرا لمشاركي الأمسيات من الجمهور الرائع ومن مقدمي المداخلات الذين لا يبخلون علينا من وقتهم وجهدهم وعلمهم لإنجاح الأمسيات ورفع قيمة الأدب والأدباء والمثقفين. لكم جميعاً محبتي وتقديري.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “المحامي الأستاذ فؤاد نقارة للمجلة الثقافية الجزائرية:”

  1. “المجلة الثقافية الجزائرية” شكراً على من القلب لكل العاملين في المجلة على الاهتمام بالثقافة الفلسطينية ونشاطاتها وشكراً على استضافتي بهذا الحوار وشكراً للإعلامية والكاتبة باسمة حامد – محبتي وتقديري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق