ثقافة النثر والقصيد

بورتريت: عاشقةُ المطر

سعد الحجي*

(هي التي دنتْ..

فشعرَ أنّ سماءَهُ توشكُ أن تُمطِر، أحسّها تُنضِّدُ قاتماتِ الغيوم.. تبرِقُ ثمّ ترعِدُ

مثل شاعرٍ يورقُ في صدرهِ بشبقٍ برعمٌ لقصيدة..)

قال: إنه المطر.

فتأوّهَ سؤالُها: أنّى للمطر أن يأتي لصحرائي؟ كم أنا مشتاقةٌ له..

-للغيمة أسرارٌ لا يعلمها إلاّ ريحُ الصبا الباردة،

وهي توشوشُ للغيماتِ الجَذِلاتِ منذ حينٍ كيف مرّتْ على نديف الثلجِ بالأمسِ

فحمّلها لهنّ بذرةَ عشقهِ ..

الوليدُ قدومُه وشيك.

حديثُ الريحِ للغيماتِ هامسٌ وخفيض.. لابدّ أنْ تسترقي السمع!

ها هو عبقُ المطر يضوعُ في الأرجاء..

أشعرُ بصلاةٍ من نوع آخر حين ينهمرُ على رأسي وأراهُ يغمرُ أشجارَ الطريق..

وأنصِتُ.. فأسمع عزفاً غريباً يشعرني بانتمائي إلى زمان آبدٍ موغلٍ في القِدم.

-ثمة من هو أكثرُ حباً له ورجاءا.. هل انتظرتَهُ يوماً إلى حد البكاء؟

-لا أظنّ ذلك.. ولكنه دأبَ على إرسال وصيّته: إن أنا مضيتُ، تمسّك بي في أحلامك ريثما أعودُ مرةً أخرى..

فكيف يمكن بدونهِ إنعاشَ قلبٍ كسير؟

-أنت تسألُ امرأةً لا تؤمنُ بالمستحيلات.

-يُقال ليس أنجعَ لرُكامِ القلوبِ من قصةٍ ماطرة.

(… استمعَ إليها دهِشاً وهي تغني مثل فراشةٍ بين الحقول) *

A story born in rain… maybe! قصةٌ وُلِدتْ في المطرِ.. ربما!

Summer turned to winter. فقد تحوّلَ الصيفُ إلى شتاء

And the snow it turned to rain. والجليدُ تحوّل إلى مطر

And the rain turned into tears upon your face. وصار المطرُ دموعاً على وجهكِ

I hardly recognized the girl you are today. بصعوبةٍ أدركتُ اليومَ أيّ فتاةٍ أنتِ

And god I hope it’s not too late. وآملُ، رباه، أنّ الوقت لم يفُت بعد

It’s not too late. لم يفُت بعد

‘Cause you are not alone. لأنكِ لستِ وحيدة

I’m always there with you. فأنا سأكون هناك دائماً معكِ

And we’ll get lost together. وسنضيعُ معاً

Till the light comes pouring through. حتى يأتي الضياءُ ويمرّ غامراً

‘Cause when you feel like you’re done. ذلك لأنكِ حينما تشعرينَ أنكِ انتهيتِ

And the darkness has won. وأنّ الظلمةَ قد انتصرتْ

Babe, you’re not lost. حبيبتي، فإنكِ لن تضيعي

When your worlds crashing down. حينما تتصادمُ عوالمكِ وتسقط

And you can’t bear the thought. ولا يمكنكِ تحمّل تلك الفكرة

I said, babe, you’re not lost.  قلتُ: حبيبتي إنكِ لن تضيعي

Life can show no mercy.يمكنُ أن لا تُظهرُ الحياةُ الرحمة

It can tear your soul apart . ويمكنها أن تمزّقَ الروحَ إرَبا

It can make you feel like you’ve gone crazy. وتجعلنا نشعر كمن طاشَ صوابُه

But you’re not .لكنكِ لستِ كذلك

Things have seem to changed. الأشياءُ تبدو في تغيّر

There’s one thing that’s still the same. وهناك شيءٌ واحدٌ لمّا يزل نفسه

In my heart you have remained. هو أنكِ في قلبي تبقين

And we can fly fly fly away. ويمكننا أن نحلّقَ، نحلّقَ، نحلّقَ، بعيدا..

-يبدو أنّ سمائي ستمطرُ أبكر مما كنت أظنّ.. هذه الكلمات تُبرِق في رأسي.

-آمل أن يكونَ ذلك قريباً.. فثمة أرواحٌ عطشى.

(…ولكنه كان أشدّها ظمأً..

لعلّها لا تدري أنّها امرأةٌ تجعلُ ما يلامسها يتوهّج..

تتقنُ إعطاءَ اللحظاتِ بريقَها، والأحلامَ إبهارَها، والنجماتِ حبورَها.

حين دنى غمامُها.. سَقْسقَت عصافيرُ دارهِ مستفتحةً صباحَهُ ذاك.. )

حينئذٍ أسرّها: تحدّثُني بضعةُ عصافيرَ

أنّ رجلاً مولعاً بلغةِ العيون قد جعلَ عينَها نافذتَهُ على عالمهِ الافتراضيّ ..

لعلّه أدمن الإنصاتَ إلى غناءِ عاشقةٍ للمطر..

وها أنا أنصتُ يا شهرزادْ

إلى همسِ حلمٍ عصيّ المُرادْ

ألا فاتركيني

ولا تمنعيني..

فإني التمَسْتُ جنوناً و.. عادْ

-كلّي فضولٌ لأنْ أعرف هل إنّ تلك العصافيرَ صادقة؟

-تقول لكِ هو صادقٌ ولكن لا تصدّقيه.. فهو يُتقن صنعَ الأحلامِ الجميلة!

ضحكتْ قائلةً: إذن سأعترفُ لها بشيء..

مازلتُ أكرر سماعَ الأغنية دون مللٍ وأحسّ بأنغامِها وكلماتِها تتخللُ روحي..

كأنها تروي أرضي العطشى بوفرةٍ وحنان.

إنه أعذبُ ألم.. حين أزجّ بنفسي في جحيمٍ وأنا موقنةٌ بأن لا راحةَ لي هناك..

وأبتسمُ.. وكأنّ الفرحَ لا يروقُ لي إلاّ أنْ تلوّحَهُ نيرانُ العذاب.

شكراً لعصافير الدارْ،

التي سرقت لي الأخبارْ..

من غيمةٍ شاءت أن تمطرَ في صحرائي

فأعادت لذاكرتي قلمي.. وبعضاً من ألمي.

(اختفتْ عاشقةُ المطر كما أتتْ.. كحفيفِ أفنانِ الأشجار.

قيلَ أنّ برقاً مُرسَلاً اختطفها في يومٍ عاصفٍ وأسْلمَها إلى غيماتٍ جذِلات..

فبقيتْ هناك ترافقهنّ وتستمعُ إلى ما توشوشُ به الريحُ الباردة عن رسائلَ نديفِ الثلج..

أرّقَهُ لبرهةٍ انتظارُ التي لا تأتي.. كانتظارهِ للذي أسمَتْ نفسَها عاشقتَه!

فقد رحلَ الربيعُ يجرّ جلبابَهُ الأخضر..

واستبدلتِ الشوارعُ ضوعَ الأشجار النديّ بُعَيد المطر بغبار الشمس اللاهبة..

فما لبِثَ هو أنْ نسِيَ أمرَها وظلَّ يترقّبُ مع الحقولِ اليابسة حلولَ الموسمِ المقبل..)

*شاعر من العراق

(*)Lost .. By Micheal Buble كلمات أغنية “ضائعة” لمايكل بابل

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق