ثقافة السرد

الماشاء

سمير قسيمي*

هناك رأيتها أول مرة، وهناك بدأت قصتنا وسمحت لها بالدخول إلى عالمي الموبوء بالحقد. لاحقا، صرنا صديقين نقتسم الكلام، ثم حبيبين يجمعنا الفراش، وفي النهاية تحول ما بيننا إلى ما هو أقدس من الزواج، ولم يعد الجنس أكثر من لحظة روحية يتوحد فيها جسدانا. كان الأمر أبعد ما يكون عن الرغبة والشهوة، كان مقدسا كالخشوع. كلحظة حلول إلهية تتقمصنا فيها الحكمة حتى يذوب الجسد في رحابها، ويصير دون أن نقرر مجرد إناء تفيض منه روحانا. أخبرتني نوى مرة أنها لم تشعر بذلك مع أي رجل”. أنا أيضا لم أشعر بذلك مع امرأة، فقد كان شعورا يستعصى على الفهم.. ببساطة لأنه حد الشعور.

لهذا ربما لم أفكر في الزواج منها. فقد أدركت ألا قداسة فيه إلا ما أضفيناه عليه من قداسة، وليس في النهاية أكثر من دعارة مقنَّنة.. ألا يبدأ كل زواج بمقابل يقدم أجرا للمتعة؟.. ألا ينتهي أيضا بمقابل يمنح كنهاية خدمة، فما الفرق بينه وبين العهر: الاسم أم الوثيقة؟!..

كنت في الثامنة والعشرين من عمري حين خرجت من السجن. قضيت بعدها تسعة أعوام عبدا لعائلتي، لم يكن مسموحا لي بالتوقف أو حتى بالتفكير فيما هو قادم. تشابهت أيامي حتى غدت يوما واحدا غاية في الطول، ولولا الليل الذي كان يقطعها لما أدركت أن الوقت يمر. لم أتمرد.. لم أثر، أملت فقط في أن يحدث أي شيء، غير الليل، يقطع أيامي، وما كان لي أن أمل أكثر من ذلك وإن شئت، فليس أخطر من الأحلام في وطن يرغب عنها. لم أكن أعمى لئلا أرى أبناء جيلي كيف أصبحوا، وكأن الوقت الذي توقف عندي وأنا في السجن، توقف أيضا خارجه.

خلال أعوام عبوديتي لدى عائلتي، انفلت أخي السايح منا واستقل بنفسه. كان أحب إخوتي إليّ وأقربهم منّي. لم يعش طويلا فقد مات بشيء لم نفهمه. أقعده المرض أربعة أشهر كاملة من دون أن يسمح لنا أن نحضر له طبيبا يكشف عليه.

شهور قبل أن يلزم الفراش طلب من أمي أن تفرد له كوبا وصحنا وفنجانا وملعقة، قال لها إنه مصاب بالتهاب الكبد الفيروسي ويخشى أن يعدي أحدنا. نحن بدورنا لم نحاول أن نسأله عن مرضه. فعلنا ما طلب منا من غير أن نسأل.. حاولت ألا يثير فيَّ هزاله الذي بدأ يحتد أي سؤال، ربما لأنني أملت أن يستمر في الحياة ويحمل عني بعض أعباء البيت، بعد أن رحل الجميع وصرنا أنا وهو نعيل والدينا وندفع إيجار السكن بعد أن تزوج من تزوج، ومات من مات، ولم يبق سوانا يطالب بالمصروف، فجميع أشقائي كالسلاحف البحرية، بمجرد أن فتحوا أعينهم تركوا المنزل وأهملوا والديّ. صحيح أنه لم يكن يساهم بالكثير، ولكن قليله كان يحمل عني ويجعلني أرضى بقدري. لم أكن أتذمر ولست أتذمر الآن، فأنا فقط أحكي ما كان بشيء من الصدق، صدق كثيرا ما كانت تصيبني نوباته فأتشاجر مع السايح، كنت ألومه على راتبه الذي يصرفه على الكتب والنساء والرحلات إلى الصحراء، وحين كان يراني أنفجر غضبا، يتركني حتى أهدأ من غير أن ينبس بكلمة. يرسم على وجهه ابتسامة لا أعرف من أين كان يجلبها، هادئة، مهدئة، رحيمة.. لا أعرف كيف أصفها.. كانت تثير في نفسي ما كانت تثيره فيّ ابتسامة أمي، وما أصبحت لاحقا تبعثه في نفسي ابتسامة نوى، خليط من الرحمة والصدق والطمأنينة. وإذ ذاك أستسلم لهدوئي ولحكاياته التي تنتهي بوعد كاذب في توبته عن النساء، وباعتراف صادق في عدم قدرته على التوقف عن القراءة والسفر.

كثيرا ما سألتُه عن سبب ولعه بكتب الرحالة والصحراء التي لم يكف عن زيارتها، وعن تلك اللغة الغريبة التي بدأ في تعلمها بشره مخيف. فلا يجيبني إلا برفع يديه إلى السماء وكأنه يقول “الله” أو “الله أعلم”، لم أكن أعلم قصده بالضبط. وحين كنت ألحُّ عليه يستفزني بجملته: لماذا يهتم فتى توقف في الابتدائي بكتبي؟.. فأتراجع وألوذ بالصمت.

كنت أشعر في العادة حين أعيّر بمستواي بالقليل من التشفي من سوء طالعي والكثير من الاحتقار، أما حين كان يعايرني السايح أشعر ببعض الخوف مما كنت أراه في عينيه حين يقول جملته تلك. لا أعرف ما جعلني أتصور أنه كان قادرا على اختراقي والنظر في داخلي. لم أكن ألوذ بالصمت إلا خوفا من أن يكون قد كشف سري، ولكنني سرعان ما كنت أقمع مخاوفي تلك بيقين واقعي، وكلِّي ثقة ألا أحد سيكتشف ما أخفيه، فأي غبي سيفكر أن قدور فرّاش، الحمّال، يملك سرا. كنت في نظر الجميع، بمن فيهم أمي، رجلا بالكاد يفك الحروف، عرف السجن مرتين، مرة مع زوجة عاهر طلقها أسبوعا بعد الزواج، ومرة قبلها وهو في العاشرة..

أدركت في النهاية أن تعلمي لم يعد سرا بعد أن كشفه السايح ثم لاحقا نوى، ولكن مع نوى وحدها لم يعد سرا مهما. فهي من صالحتني مع ذاتي وأخرجتني من قمقمي وكسرت القمقم حتى لا أعود إليه، قالت لي: عليك أن تكون أنت وتنزع عنك وجه الحمال الخجل من نفسه. وحين كنت أحاول أن أعلق، تحدثني عن الأقدار وتهدئ من روعي بشفتيها العسليتين، تقطران عسلا نحليا كثيرا ما حسدت نفسي عليه، تمررهما على رقبتي وعلى وجهي، فأغمض عينيّ رغبة في المزيد من الاستثارة، تصدر صوتا يتناهى إليّ كمزيج من المواء والشهيق والزفير..

وكما لم يعد سري مهما، لم أهتم يوما بسرها. أو هذا الذي خالته نوى سراً.

*المقطع  عن رواية “كتاب الماشاء، هلابيل.. النسخة الأخيرة” الصادرة عن دار المدى

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق