حوارات المجلة

الكاتبة السعودية زينب البحراني للمجلة الثقافية الجزائرية:

كلّ فردٍ منّا هو بمثابة وطنٍ يمشي على قدمين

كاتبة سعودية شابة وواثقة من نفسها، تحاول أن تثير حالة من الحراك في الأفكار التي تتناولها سواء على الصعيد الأدبي أو الصحفي، والاهم أنها تدافع عن فكرة الكاتب/ الإنسان بعيدا عن النمط السياسي الذي شوه في صيرورته الوجه الحقيقي للمثقف، أو لما يجب أن يمثله المثقف خصوصا في هذه المرحلة المهمة من التاريخ العربي والإنساني على حد سواء.. الكاتبة السعودية زينب البحراني، لديها دائما ما تقوله عندما تسأل عن ماهية الكتابة، وعن ماهية الثقافة في واقع يحتاج إلى ثورة حقيقية على كل شيء، لأجل رسم واقع أفضل وأكثر تسامحا وأصدق تقاسما مع الآخرين، دون تشويه أو فبركة أو إلغاء.. وهذا نص الحوار الذي أجراه معها الدكتور كمال عبد الرشيد، خاص للمجلة الثقافية الجزائرية.

المجلة الثقافية: لو طلبت من زينب علي البحراني أن تقدم نفسها للقارئ الجزائري، ماذا ستقول؟

زينب البحراني: إنسانة تعتبر حياتها رواية مشحونة بالمُتناقضات، اكتشفت مُنذ طفولتها – لأسباب منسيّة- أنّها تستحق دور البطولة المُطلقة في روايتها الخاصّة، ومُنذ تلك اللحظة قرّرت أن تكتب مصيرها بنفسها، ولا تسمح للشخصيّات الثانويّة في رواية حياتها بالتطفّل على مصيرها و ليّ ذراعه لأيّ سببٍ كان. ولأنني لم أحاول يومًا أن أكون بطلةً في حياة أحد؛ فإنّني أرفض أن يتسلل أحدًا لرواية حياتي مُطالبًا باحتلال دور البطولة فيها، واستعمار أحداثها بأيّة حُجّةٍ مُجتمعيّة أو أدبيّة والتصدّق عليّ بدورٍ ثانويّ مقهور في عالمي الشخصيّ الثريّ ذاك. باختصار: أنا سيّدة نفسي، امرأة ترفض أن يحكمها غير الذي خلقها فقط، وتُحبّ أن تبني ممالك شاسعة على الورق كي تحكمها بسلامٍ وعدالةٍ وجنونٍ وديكتاتوريّة وقاموس كامل من المتضادّات الشهيّة لذوقها.

المجلة الثقافية: وأنا أقرأ لك، شعرت أنك مأخوذة بهاجس التغيير نحو “ثورة” سلوكية ثقافية تقوم بتصفية المثقف الحقيقي من أشباه المثقفين الذين يحتكرون الكثير من المنابر..؟ ما رأيك؟

زينب البحراني: صَدقت! .. كثيرون يتسللون بأوهامهم إلى تلك الأوساط، ويتضخّمون بالنّفاق والعلاقات الشّخصيّة المريضة. من يُصدّق أنّ هناك أشخاص يدّعون ليل نهار أنّهم أدباء رُغم أنّهم لا يقرؤون أصلاً؟!.. ومن يُصدّق أنّ النّقد صارت تحكمه الرّشوة؟.. ومن يُصدّق أنّ كلمة الحق في الأوساط الثقافيّة صارت بطاقة دعوة لاغتيال سُمعة كاتبها وتصفية مُستقبله؟!. في النهاية لا يبقى غير رهاننا اليتيم على ضمير الزّمن بغربلته هذا الواقع وإبقائه على الأصلَح. الله كريم!  أمّا الثورة في هذا الإطار فانسَ أمرها، لأنّ أكثر المثقفين لدينا هم أكثر جُبنًا وخوفًا على مصائرهم وأسمائهم في هذا الوسط من عامّة النّاس، حتّى صار من الأعاجيب أن ينهض مثقّف بكلمة حق يتيمة في وجه طُغيان الفساد الثقافي، والأعجب من ذلك أن يتشجّع فرد آخر من الوسط ذاته ويوافقه رأيه علنًا دون إعراض، أو استخفاء، أو تقيّة!!

المجلة الثقافية: مع ذلك ثمة حالة ثقافية راهنة تفرضها الثورات العربية الحالية والتي على أساسها يجب ان تصنع مثقفا يتعاطى مع المتغيرات كمثقف وليس كسياسي.. ما رأيك؟

زينب البحراني: أنا أكره السّياسة، وأعتبر أنّ أغلب الفساد في أوساطنا الثّقافيّة والأدبيّة مردّه غلبة الرّوح السّياسيّة على الرّوح الشّاعريّة في نفوس أولئك المثقفين. حتّى خطاباتهم الدّفاعيّة عن قضايا أدبيّة تجدها مشحونة بعُنف وألفاظ سياسيّة لا يليق مقالها بالمكان، من نوع: “كفى كذبًا وخلطًا للأوراق.. شوفينيّة.. لوجستيّة.. ملوخيّة.. بطّيخيّة.. إلخ..”، وتجد أولئك المثقّفين المهتمّين اهتمامًا غراميًا بالسّياسة يُرعدون ويُزبدون ويثورون فجأةً كقنابِل موقوتة أمام قضايا موضوعيّة لا يثور أمامها الأدباء والمثقّفين الذين لا يعترفون بالسّياسة، وأغلبهم يسير وفق ذاك المبدأ السّياسي الذي يقول: “في العلاقات بين الدّول لا توجد صداقة دائمة، بل توجد مصالح دائمة” ليُترجمه سلوكهم بـ “في العلاقات بين المثقفين والكتّاب والإعلاميين لا توجد صداقة دائمة، وإنّما مصالح ومنافع مُتبادلة”، ومع انقضاء المنفعة تبدأ التّصفية المعنويّة للطرف الآخر. انفعني وأنفعك.. اكتب عنّ كتابي وسأكتُب عن كتابك.. احضر أمسيتي السّرديّة وسأحضر أمسيتك.. توسّط لي اليوم عند السيّد (سين) وسأتوسّط لك غدًا عند السّيد (صاد).. وحبّذا لو سمحت لي باستغلالك ونهب ثرواتك الإنسانيّة والنّفسيّة والمعنويّة دون مُقابل لأكون لك من الجاحِدين!! وإن لم تفعل فأنت بالنّسبة لنا “خارج نطاق التغطية الثقافيّة” و ملعون من رحمة (الشلّة) الأدبيّة. السّياسة يا سيّدي بلا قلب، وأنا قلبٌ يمشي على قدمين، لهذا أؤمن أنّنا إن شئنا أن نستأصِل الأمراض الثّقافيّة حقًا فلابُد وأن نُطهّرها من المثقّفين المهووسين بلعنة السّياسة، أو نستأصل غرامها من خلايا دمهم.

المجلة الثقافية: هذا يقودني إلى سؤالك عن قراءتك كمثقفة، وككاتبة لهذه الثورات، هل تبدو لك ضرورية وحتمية، أم مفتعلة ومقصودة؟

زينب البحراني: بعضها ضروري، وبعضها تقليد عشوائي عجول، لكن إن كُنت تُشير إلى (نظريّة المؤامرة) بالثورات الـ (مُفتعلة)، فأنا، ومن وجهة نظر شخصيّة، لا أظنّ ذلك في هذه الفترة. الثّورات؛ كما يقول المفكّر عبد الله القصيمي، هي ضرورة لإزاحة فترة مريضة، مُتبلّدة من فترات التّاريخ، وتلك الفترات المريضة المُتبلّدة كانت عنوانًا لوطننا العربي في مغربه ومشرقه لزمنٍ طويل، ولم يكن ثمّة علاج أمام هذا الورم إلا الاستئصال، والاستئصال لا يكون إلا بالثورة. عمومًا أنا مؤمنة تمامًا بمبدأ (اكتمال دورة التّاريخ) في كلّ بقعة من الأرض، والتبلّد التّاريخي المُرعب الذي ترزح تحته بعض الأراضي العربيّة لا بُد وأن يُفضي إلى ثورة من نوعٍ ما، آجلاً إن لم يكُن عاجِلاً. لا شك أنّ السّماح بـ (التبلّد التّاريخي الشّديد) هو نوع من الغباء السياسي الأشد، لأنّه يستدعي انتقام التاريخ لنفسه بالثورات المُباغِتة. لكن؛ حين يكون الشعب مؤهّلاً للغرق في شبر طائفيّة، فهو شعب جاهل، تافه، مُعاق، ولا يستحقّ أن يُحكم بغير ديكتاتوريّة تعصره تحت المَدَاس. يا سيّدي؛ كلّ فردٍ منّا هو بمثابة وطنٍ يمشي على قدمين، وكلّ منّا يؤدّي في هذا الوطن دور الحكومة بقائدها وكُلّ وزرائها، ومادام أغلبنا يعاني فشلاً مُفجعًا في الثّورة على نفسه وحُكمها بطريقةٍ حضاريّة تُثبت رُشده ومقدرته على اتّخاذ القرار الصّحيح، فنحن لا نستحق الحُريّة. هؤلاء الذين يهتفون باسم الدّيمُقراطيّة سينقلبون غدًا عليها بانتخاب أولئك الذين يُحابونهم لأسباب فئويّة، أو طائفيّة، أو ماديّة رشويّة مُجددًا، ونعود للدّوارن في حلقتنا المفرغة الأزليّة حتّى بدايات يوم القيامة! صدّقني لا فائدة.

المجلة الثقافية: دعيني أعود إليك، من “فتاة البسكوت” إلى “مذكرات أديبة فاشلة”.. سأسألك أولا كيف تصف زينب البحراني ذاتها داخل التجربتين؟

زينب البحراني: كُل واحدةٍ من التّجربتين تختلف عن أختها شكلاً ومضمونًا. “فتاة البسكويت” مجموعة قصصيّة، وبالإضافة إلى مكانتها كإصدارٍ أوّل فهي موجّهة لعُشّاق القراءة جميعًا دون استثناءات، أمّا “مُذكّرات أديبة فاشِلة” فهو حديث من القلب إلى القلب، موجّه لشريحة الأدباء والكُتّاب والمُثقّفين أكثر من سواها. عنّي أنا سعيدة جدًا بالتّجربتين وراضية تمام الرّضا عنهما كإنجاز بغض النّظر عن آراء الآخرين، وأخطط لأعمال أخرى مُختلفة تمامًا في مضمونها عن هذين العملين، لأنني لا أطيق تكرار نفسي.

المجلة الثقافية: على ذكر ّفتاة البسكوت” التي تحولت إلى “حادثة نشر” بعد المشاكل التي تعرضت إليها من دار فراديس، حدثينا عن ذلك؟

زينب البحراني: يُذكّرني سؤالك برسالة وصلتني من أحد الزّملاء الأدباء قبل فترة؛ يسألني فيها عن سلوك دار النّشر الثّانية معي مُقارنةً بالمدعوّة “فراديس”، لأنّه وقع في المطب اللعين ذاته للمرّة الثّانية مع خرابة نشر أخرى بعد أن كان هو الآخر من ضحايا المدعوّة “فراديس” في إصداره الأوّل! شعرتُ بحُزنٍ بالغٍ لأجله وأرسلتُ له قائمة دور النّشر السّوداء التي أعددتها بالتعاون مع مجموعة من المؤلّفين المغدورين بخرائب نشر عديدة في مختلف بقاع الوطن العربي. وفكّرت بأنّ صمت هذا الأديب وصمت سواه من المؤلّفين على استهتار إدارة المدعوّة ” دار فراديس ” بحقوقهم هو الذي أوقع من جاؤوا بعدهم في المُشكلة ذاتها، وهو الذي جعل سوء الأدب وانعدام الحياة يبلغ مداه لدى مالك خرابة النّشر تلك ليجيبني حين طالبته بحقوقي بعد ثلاث سنوات من استهتارهم وإهمالهم وتجاهلهم: “اذهبي واكتبي عنّا بيانًا وانشريه حيث تُريدين” !!.. هاقد كتبت، وهاقد انتشرت الفضيحة في مشارق الأرض ومغاربها، ومازالت الصحافة بمقروئها ومسموعها تسألني عن تلك القضيّة رغم مرور قرابة العام على انفجارها.. أما كان من الأجدى، والأكثر عدلاً وسلامًا لو أنّهم اتقوا الله واحترموني جزاء صمتي الطّويل أمام كل انتهاكات حقوق الملكيّة الفكرية التي اجترحوها بحق كتابي، وأفظعها طباعته دون رقم ناشر دولي، وقدّموا حقوقي كاملةً بدلاً من السرقة، وشفط كل عائدات الكتاب دون وجه حق، وأفظع درجات سوء التهذيب في الرّد والمُعاملة. نحن أمام خليّة خطيرة من خلايا مافيا النّشر العربيّة، ويكفينا ادّعاء مالك “مكتبة فراديس” أنّه يملك دار نشر بينما ليس لديه دارا في واقع الأمر، وإنّما مُجرّد مكتبة، وفوق كلّ هذا طباعة الكتب دون ترخيص أو تصريح، ودون أرقام إيداع أو ناشر دولي، وفي كلّ هذا خروقات واضحة وصريحة لقانون حقوق المؤلّف في مملكة البحرين. لماذا حدث كلّ ذلك؟ لأنّنا صامتون بحُجج لم يعُد يعترف بها عصرنا الحاضر، عصر الاتّصالات والصّحافة الإلكترونيّة التي لا تُخرسها الرّشاوى ولا الاتّصالات الخاصّة والعلاقات الشّخصيّة. يجب أن نعيد بأنفُسنا أزمان مجد الكاتب الغابرة، ولا نسمح لمن هبّ ودب من الجُهلاء والواهمين باستغلال طيبتنا إلى الأبد.

المجلة الثقافية: مذكرات أديبة فاشلة تناولها بعض الكتاب بأنها تجربة تقترب من نقد الذات داخل نص أدبي.. هل تشعرين أنه يجب على الكاتب أن يتفادى الشمولية للحديث عن ذاتيته إزاء واقع لم يعد يقبل بأقل من الإنسان؟

زينب البحراني: لا أعرف من أولئك الكُتّاب الذين تناولوها بهذا النّعت، لأنني قرأتُ كُل ما كُتب عنها حتى هذه اللحظة ولم أقرأ أو أسمع برأي كهذا. هذا الرأي يؤكّد أنّ من قاله لم يقرأ غير عنوان الكتاب فقط بكُلّ أسف، لأنّ مضمون ما وراء العنوان يتحدّث بـ (شموليّة) فكريّة وبحثيّة تتجاوز ما سردته عن تجربتي (الذّاتيّة) كإنسانة. إنني من النّوع الذي يُحاول الوصول بأفكاره إلى أكبر عددٍ من شريحة القرّاء المُستهدفة، و(مُذكّرات أديبة فاشلة) يستهدف شريحة الكُتّاب والأدباء والمُثقّفين على وجه الخُصوص، ومن هذا المُنطلق فقد حرصت على مُناقشة قضايا تمس الجميع وتحاول التحدّث بلسان أرواحهم، وليس بلساني وحدي.

المجلة الثقافية: ما يبدو واضحا انك من -خلال نصوصك القصصية أو الصحفية- تريدين إيصال رسالة مهمة إلى الآخر، هل تشعرين أن على المثقف أن يوجه رسائله إلى الآخرين أم صناعة فضاء ثقافي صحي يتعايش مع الجميع دون إقصاء؟

زينب البحراني: في الظّروف الثّقافيّة والإنسانيّة الحزينة التي نعيشها، لا بُد من (توجيه رسائل) كي نصنع الفضاء الثقافي الصّحي المنشود.. هذا إن كان ثمّة من يسمع تلك الرّسائل ويستوعبها أصلاً!

المجلة الثقافية: طيب سأسألك عن الفضاء الأدبي والثقافي في السعودية، كيف تصفينه لنا؟

زينب البحراني: قبل أيّام قليلة كُنتُ أتابع على شاشة قناة (الحُرّة) لقاءًا بين مُقدّم برنامج (حوار الخليج) سليمان الهتلان، وبين الأديبة السّعوديّة (زينب حفني). تلك الأديبة المُتألّقة لخّصت بشجاعةٍ مُنقطعة النّظير أمراض الوسط الثقافي السعودي بأسلوبٍ عبقريّ يجبن أمثالي عن بلوغ مُستواه، لهذا أحيل القرّاء الذين يرجون إجابة على هذا السؤال مُشاهدة التسجيل الخاص بالحلقة.

المجلة الثقافية: لعل ما أثاره المشهد الأدبي السعودي في السنوات الماضية هو ما اصطلح على تسميته بالرواية السعودية، حيث كانت وراء أغلب الروايات المثيرة أقلام نسائية.. أسألك عن قراءتك لتلك الظاهرة، ولماذا خف “صوت” هذه الرواية في الفترة الأخيرة؟

زينب البحراني: أوّلاً؛ الرّواية السّعوديّة كانت موجودة قبل ميلاد المتطفّلين الصّغار على الرّواية السّعوديّة، لكنّ التّضخيم الإعلامي المُبالغ فيه هو ما لفت أنظار العالم لتلك النّصوص الجديدة. ثانيًا؛ خفوت صوت هذا النوع من النّصوص كان مُتوقّعًا، لأنّ الفرق بين الرّواية النّاضجة والرّوايات المطبوخة على عجل كالفرق بين انفجارات الشّمس الهيدروجينيّة، المُستمرّة بهدوء، والصّامتة بكبرياء في الوقت ذاته، وبين انفجارات القنابل الصّغيرة التي سُرعان ما يخبو ضجيجها بعد مُحاولة يتيمة لإثبات الذّات، لابُدّ وأن ينساها الكون والتّاريخ. وثالثًا؛ لا يمكننا قراءة أي ظاهرة تنبثق من السعوديّة بمعزلٍ عن ردّها إلى جذورها المُجتمعيّة. الإنسان في معظم مناطق السّعوديّة يُعاني غالبًا ازدواجيّةً خطيرة في الشّخصيّة والسّلوك، كما يُعاني أغلب الشّعب من تخدير فكري يجعلهم يفكّرون بعقليّة القطيع، مُجرّد “إمّعات” مُقلّدة، نُسخ مُكرّرة، بينما المبتكرون قلائل. وما أن يفعل شخص واحد شيئًا يلفت انتبه العالم إليه حتّى يُقلّده البقيّة بطريقة عمياء، وهذا ما حدث بالضّبط في القضيّة التي تسألني عنها؛ نشرت ثلاث أو أربع إناث نصوص تدور في محيط القضايا نفسها، فركضت وراءهنّ الباقيات بأقلام عمياء، دون قراءة، ودون موهبة، ودون ذخيرة إنسانيّة أو تجربة مُجتمعيّة كافية. من ناحية الأخرى يجب أن نُسلّم بأنّ الكتابة وحدها لا تكفي كي تبقيك ناجحًا في الوسط الأدبي؛ لا بدّ من استمراريّة التعلّم والتّدريب والتّجديد والتّواصُل المُجتمعي والإعلامي، والأنثى السعوديّة المُنتمية إلى الطّبقة المتوسطة ماديًا ومجتمعيًا تفتقر إلى تلك المفاتيح لأسباب أخرى يطول شرحها. أتصوّر أيضًا أنّ بعض الفتيات شعرن بالخذلان حين لم تحقق نصوصهنّ ضجّة مُشابهة للواتي سبقنهنّ فيئسن، وأخريات تصوّرن أنّ مجرّد طباعة رواية ستكفل لهنّ مساحة من الحريّة على أرض الواقع؛ لكنّهن فوجئن ببقاء أحوالهن على علاتها ليذهب كل جهدهن هباء فأحبطن وانهزمن، وقسم ثالث كتبن على هواهن في تلك الفترة لأنّ كونهن “آنسات” كفل لهنّ تلك الحريّة، لكنّ زواجهن قطع عليهن الطريق. وأخريات أنساهنّ الزّواج هم الكتابة تمامًا، لأنّها لم تولد في دمائهن منذ البداية كـ “شغف” وإنّما كـ “تقليد أعمى”، فطلّقنها وطلّقتهنّ ليلة زففن إلى رجُل.

المجلة الثقافية: بعض النقاد اعتبر أن “تسونامي الرواية السعودية” كان موجة مد بحرية، قالت كل شيء ودفعة واحدة ولم يعد لها ما تضيفه؟

زينب البحراني: هذا طبيعي جدًا وكان متوقّعًا بالنّسبة لي، لأنّ الحياة المُجتمعيّة المُنغلقة للأنثى السعوديّة لا تكفل لها مزيدًا من التجارب الحياتيّة الكافية للاستمرار في كتابة الرّواية أو حتى القصّة. وأكرر هُنا مُجددًا أنني أعني بنات الطبقة المتوسطة في السعوديّة، لأن أغلب من كُنّ ذات يوم روائيات ينتمين لتلك الطبقة، كما أنّ تأثّرها بالمدّ الديني المُتزمّت حرمها من الحريّة التي مازالت تتمتع بها الطبقة الرّفيعة ماديًا و مجتمعيًا في المنطقة ذاتها، لأن بنات هذه الطبقة يتلقين تربية أكثر تحررًا وأقل صرامة ويستطعن السفر إلى الخارج وتلقي تعليمًا نفسيًا وإنسانيًا أكثر جودة، لكنّهن نُخبة ولا يُقاس الواقع بهنّ.

المجلة الثقافية: ألا يعني هذا ان تلك الرواية كانت تعتمد على الإثارة أكثر مما تعتمد على قيمة الكتابة كوسيلة إنسانية دائمة التأثير؟

زينب البحراني: وماذا تتوقع من شابّات مُراهقات قابعات بين أربعة جُدران يأكلن في أنفسهنّ أكلاً بانتظار أن يُحرّرهن رجُل؟ سيُزجين الوقت في تسطير مُذكّراتهنّ السريّة الجسديّة ثم يطبعنها ظنًا بأنّهنّ قدّمن مُعجزة أدبيّة! ثمّ حين يتزوّجن تنتهي مشكلتهنّ النّفسيّة وتنتهي معها علاقتهنّ بالكتابة. هذا هو الواقع بكُلّ أسف.

المجلة الثقافية: من هم الأدباء الذين يلفتون انتباه زينب البحراني وتقرأ لهم بشغف من السعودية وخارجها؟

زينب البحراني: من السّعوديّة مازال الدّكتور (غازي القصيبي) رحمه الله سيّد المتربّعين على عرش ذوقي، ومن خارج السعوديّة كثيرون جدًا، منهم (نجيب محفوظ)، (نوال السعداوي)، (أحمد الخميسي)، (جمال الخياط)، و(بثينة العيسى). ومن غير العرب (هيرمان هسه) و (جورج أورويل) و (سومرست موم) وآخرون.

المجلة الثقافية: وما مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟

زينب البحراني: نحن في (المشرق العربي) نُعاني مُشكِلةً كبيرة في وصول أعمال أدباء جميع دول (المغرب العربي) دون استثناء إلينا، والجزائر لم تُعصم من تلك المُشكلة بكُلّ أسف. قبل أكثر من عشر سنوات، وحين كُنت تلميذة على مقاعد الدّراسة، أسرني حوار تلفازي أجرته المذيعة الأردنيّة (إيمان عوّاد) مع المُبدع التّونسي (الحسن بن عثمان) على شاشة الفضائيّة القطريّة، فركضت إلى المكتبات بحثًا عن عمليه الأدبيين (بروموسبور) و (عبّاس يفقد الصّواب) ثمّ عُدت إلى داري بحُزني دون حتّى خُفّي حُنين! (أحلام مُستغانمي) كانت محظوظة بالصّدفة التي أدّت إلى انتشار روايتها الأولى، ثمّ بعلاقاتها الشخصيّة الأدبيّة مع نُخبة من أدباء المشرق العربي، لهذا اكتسحت سُمعة أعمالها المشرق والمغرب، وما عدا ذلك لا يسعنا مُطالعة الأدب الجزائري إلا عبر المُراسلات الخاصّة مع الأدباء، أو عبر ما تنقله لنا بعض المجلات العربيّة الثقافية التي لا تتبع سياسة التقوقع على الذات والانطواء على أسماء محليّة مُكررة.

المجلة الثقافية: ماذا تقرأين الآن؟

زينب البحراني: رواية (1984) لـ (جورج أورويل)، اكتشفتها صُدفة، وأشهد أنّها مازالت تُبهرني صفحةً بعد صفحة!

المجلة الثقافية: ماذا تكتبين؟

زينب البحراني: أجزاء جديدة من رواية حياتي التي تنشر الأيّام صفحةً منها كُل إطلالة قمر.

المجلة الثقافية: كلمة لقراء مجلتنا الجزائرية؟

زينب البحراني: كونوا سادة قراراتكم، ولا تسمحوا لمخلوق بكتابة سطرٍ واحد من رواية حياتكم الخاصّة، لأنّكم وحدكم من له الحق في كتابتها بدءًا من عنوان الغلاف حتى صفحة الخاتمة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق