الموقع

في ذكرى المسيري- دعوة لإعادة صياغة تاريخنا الفلسطيني

*د.ناصر اسماعيل جربوع اليافاوي

المتعمق فى دراسة تاريخ اليهود، والمنعطفات التاريخية التي مرت بالقضية الفلسطينية، يعي تماما أهمية الثروة العلمية الوافرة التي خلفها لنا الراحل عبد الوهاب المسيري، فبرحيله خسرت القضية الفلسطينية أحد أبرز المدافعين عنها، الذي سَخر جل وقته وفكره وعمله من أجل نصرتها، وتدعيم أركانها بكافة المجالات والمستويات محليا وإقليماً وعالميا .الدكتور عبد الوهاب المسيري يعتبر أكثر من كشف مخططات الاحتلال الصهيوني، فقد قضى نحو ربع قرن في إعداد موسوعته الشهيرة “اليهود واليهودية والصهيونية”، كاشفا فيها عن نقاط الخلل والثغرات الكثيرة لدى المشروع الصهيوني، سواء من ناحية عسكرية أو اقتصادية أو اجتماعية، وأوضح ذلك البعد العنصري المعتمد على العقيدة التلمودية أكثر من البعد التوراتي، حتى يصل بنا إلى قناعة تاريخية راسخة تؤكد على انعدام البعد الإثني لليهود وإدراكنا أنهم خليط من أجناس تجمعهم بعض من الخزعبلات التاريخية،والأمراض النفسية بدابة من مرض جنون العظمة ، مرورا بالشيزوفرينا التاريخية، جعلت من هذا الخليط المعقد يكذب كذبة تاريخها من اجل تحقيق قناعة مسبقة بوجوب تصديقها ، من هنا تنبأ المسيرى رحمه الله بنهاية قريبة لدولة الكيان الصهيوني، وفق معطيات وأدلة موضوعية ومنطقية ساقها في موسوعته .

رحل المسيري وسكتت أصوات كتاباته الرصاصية المصوبة نحو الحقيقة، وغابت عنا مؤتمراته العامة ودراساته الخاصة المدافعة عن فلسطين بالحقيقة والكلمة التي كانت غائبة ، ولكن هل غياب المسيري كجسد يعنى للأمة غياب المنهجية والفكرة ؟ أم ستوضع مؤلفاته في متاحف الدول العربية ونكتفى بإشعال شمعة سنوية في ذكراه ، ؟أسئلة كثرة نطرحها على من لازال في وجدانه وعقله ضمير عربي حي يرفض التبعية والتدليس والتزوير نطرحها لأننا – -نحتاج هنا – على الأقل في فلسطين المئات بل الآلاف الذين يسيرون على مسيرة المسيرة الساعين إلى اكتشاف الحقائق الغائبة، ليساهموا في إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني الجديد، المتخندق وراء فهم حقيقة الصراع بكافة مفاهيمه( ديني حضاري تاريخي الخ) ، ولو نظر مفكرينا ومثقفينا ومتعلمينا العرب لهذه الأسطر التي كان الراحل يعدها بعنوان “الصهيونية وإسرائيل” حين تناول المسيري إسرائيل من الداخل، معتبرا إياها “دولة وظيفية” لا تختلف كثيرا في رأيه عن دولة المماليك التي نشأت في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي واستمرت 267عاما.

واعتبر أن هذا التشابه لا يعني أن تستمر إسرائيل 267 عاما “فالدورات التاريخية أصبحت الآن أكثر سرعة مما مضى.. العدو الآن إذن في حالة تقهقر بعد أن لحقت به هزائم عسكرية متوالية منذ حرب الاستنزاف وحرب 1973 والانتفاضة الأولى 1987، والانسحاب من جنوب لبنان، والانتفاضة الثانية 2000 والحرب السادسة”. يدرك تماما حتمية نتائج الصراع مع الصهاينة، ويوجه بوصلته نحو صراع حتمي واحد هو التعجيل للعمل على نهاية الكيان ،ونبذ الصراعات والانقسامات الداخلية المحلية والعربية، فالقارئ لموسوعة المسيري ومقالاته ، يعرف انه يشحذ الهمم نحو تحرير فلسطين، من خلال تنبيه العرب بأن الجيش الإسرائيلي سيتقهقر مع مرور السنين، وهذا ما لامسناه من خلال تجاربه الانهزامية منذ بزوغ فجر الانتفاضة الفلسطينية عام 1989 م، من هنا نجد انه من الضروى اللازب على العلماء والمفكرين ومثقفي الأمة السير على خطى المسيري في البحث والعلم ومتابعة الحقيقة وإثراء واقع الأمة بالدراسات والمؤلفات والبحث العلمي، والاستمرار على نهجه البحثي العلمي والاستفادة من تجربته وموروثه من الدارسات والأبحاث، ووضع منهجية المسيرى ضمن دراساتنا ومناهجنا العلمية في المدارس والجامعات، ودور البحث العلمي والأمر أيضا ينسحب على قادة الأمة السياسيين المطالبون حتما بمراجعة نتائج الدراسات التاريخية، لتحقيق فهم جديد لإدارة الصراع مع اليهود .ومن خلال دراساتي التاريخية عن واقع الفكر الديني اليهودي التلمودي من موسوعة المسيري، وضعت للقارئ والمثقف العربي مقال سابق اعتقدت وجوبًا أن أعيد نشره في ذكري المسيري بعد مشاركة هامة لندوة حول مسيرة المسيري التي نظمتها جمعية بيت المقدس للدراسات التاريخية في غزة ، ومقالي بعنوان.

(الثالوث الحلولي والشعب المختار في العقيدة اليهودية)

لا يزل إيمان اليهود بأنهم شعب الله المختار شئ أساسي في النسق القيمي والديني اليهودي، وهذا ينطلق من فكرة الثالوث الحلولي المكون من ( الإله- الأرض- الشعب) وتتمحور هذه الفكرة أن الإله يحل في الأرض لتصبح أرضاً مقدسة ومركزاً للكون، ويحل في الشعب ليصبح شعباً مختاراً ومقدساً وأزلياً، من هنا جاءت تسمية الشعب المقدس- الأزلي -الأبدي.

وهذه الفكرة وردت في سفر اللاويين(أن الرب إلهكم الذي ميزكم من الشعوب).

وكلما زادت النزعة الحلولية زادت القداسة في الشعب وبالتالي زادت عزلته واختياره لأن الاختيار علامة من علامات التفوق لليهود عن غيرهم من الشعوب فقد ورد في تلمودهم أن كل اليهود مقدسون وأمراء ولم تخلق الدنيا إلا لهم ولا يحب الله أحداً غيرهم.

وأن فكرة الاختيار قامت على أساس التفوق العرقي والأخلاقي لديهم وزعمهم أنهم الشعب المختار هو تكليف ديني، وأمر رباني وسر من أسراره وليس حق على أحد أن يسأل عن السبب لهذا الاختيار، ولا يسقط عنهم لقب شعب الله المختار حتى لو ارتكبوا جميع المعاصي.

ومن هنا يطلق اليهود على أنفسهم أمة الروح ويعتقدوا أن أرواحهم من الله، أما باقي أرواح البشر من الشيطان أو شبيهة بأرواح الحيوانات، وقد جاء في التلمود أنه يحظر على اليهود أن يحيوا غيرهم (الكفار ) بالسلام مالم يخشوا ضررهم وأجاز الحاخام إيشاي النفاق لهم وأن يكونوا مؤدبين مع الكفار، ويدعوا محبتهم كذباً في حالة خوفهم. ويعتقدوا أن كل يوم سبت تتجدد لكل يهودي روح جديدة على روحه الأصلية وتعطيه الشهية للأكل لأن أرواحهم عزيزة عند الله أكثر من غيرهم.

ويقول حاخامهم أباربانيل ( الشعب المختار فقط يستحق الحياة الأبدية أما باقي الشعوب فمثلهم كمثل الحمير وإن الله خلق غير اليهود على هيئة الإنسان حتى يكون لائقاً لخدمة اليهود الذين خلقت الدنيا لأجلهم لأنه من غير اللائق لليهودي أن يخدمه شئ على هيئة حيوان وإذا مات هذا الخادم لا يلزم أن يقدم له التعازي).

وأخيراً يرى اليهود أن المرأة إذا خرجت من الحمام ورأت ( كلب أو جمل أو إنسان غير يهودي أو خنزير) يجب عليها الاغتسال لتعود مقدسة وطاهرة.من هذه الرؤى اليهودية لابد لنا إذا أن نفهم كيفية التعامل مع اليهود منهجا وصراعا.

*كاتب باحث ومؤرخ فلسطيني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق