قراءات ودراسات

الموت والحياة في قصيدة القطة لعزت الطيري.

لوحة فنية رائعة نسجها شاعر ذو خيال خلاق آسر.

قراءة – أيمن دراوشة

القِطَّةُ قَفَزَتْ
مِنْ طَابِقِهَا الثَّامِنِ
مَاتَتْ
هَلْ نَسِيَتْ
أَنَّ لَهَا سَبْعًا
مِنْ أَرْوَاحٍ
لا أَكْثَرَ؟
تجربة الشاعر عزت الطيري في هذه القصيدة المثيرة للجدل ، والبعيدة عن الحضور الذاتي ، لينتشر ذلك الحس بامتداد الأسطر الشعرية معطيًا فرصة للتوتر الذاتي لدى القارئ، مما زاد من إثراء النص، وليقتنص في نفس الوقت كل ما تملكه كلمة “ماتت” من دلالات وثراء يؤكد ذلك الموقف ويضيئه عن طريق التجاوب الذي يبذله المتلقي بإزاء الموت.
فالقارئ لن يتجرع الدفقة الشعرية مرة واحدة ، بل من خلال الموت الذي لن يكون ندًّا للشاعر ، ولن يكون ندًّا للكلمة المختارة “ماتتْ” بل هو حالة ينزاح فيها الطرفان في حركة تناغمية ، يأخذان من بعضهما معطيات التفاعل ويمنحان القارئ حسًّا مركبًا ثريًا ، ووعيًا بالانتقال من الإخبار عن القطة التي قفزت ، إلى النتيجة المفضية وهي الموت الذي هو نهاية لكل كائن حي حتى لو كان بأربع عَشَرَ روحًا وليس سبع أرواح.
إنَّ استخدام “أرواح” لها خصوصيتها ، واستخدامها استخدامًا مغايرًا لاستخدامات الشعراء الآخرين.
الشاعر إذًا يريد أن يثبت الأسطورة، ولا يسقط على التراث مشاعره بشكل مباشر ولا سطحي.
ومن خلال معرفتنا بالأساطير والامثال الشعبية مثل ” القطة بسبعة أرواح “فإننا نصنع لنا حائطًا مضمونًا نتستر خلفه، فإنَّ الشاعر هنا قد غيَّر زاوية النظر مضيفًا بعدًا أَكثر تركيبية، وذلك عندما ربط الحياة بعدد الأرواح…
تموت القطة لسقوطها من الطابق الثامن ، لكن لن تموت لو سقطت من الطابق السابع أو السادس… خَلَق جدل بين القصيدة والشاعر يشمل الطرفين ، وبرز صراعهما فنيًّا.
وعندما نتابع الحس الشمولي في القصيدة ، فيمكننا أن نرصد تعدد المعنى، فالموت يزيح الحياة ، والحياة تزيح الموت ، في واقع يجبر الإنسان على التخلي عن أبسط حقوقه ، ما الحياة؟ وما الموت؟ لقد تداخل المعنيان ، لا نجاة من الموت لمن يطلب الحياة الأبدية.
لقد توافقت القصيدة مع روح التكثيف والمفاجأة والدهشة التي اتسمت بها الحداثة الشعرية ، والشاعر في قصيدته اعتمد على الصيغة الإخبارية ؛ لإيصال فكرته المبتكرة باحترافية.
الأسطر الشعرية تزيد وتنقص بكلماتها ، الزيادة مع النقصان فد تساويا، فالزيادة في ثلاثة أسطر والنقصان في ثلاثة أسطر محدثة اهتزازات ذات دلالة. 2-3-1-2-3-2-2
الزيادة والنقصان تقدم لنا تنوعًا حادًّا من حيث زيادة الشحنات الشعرية كما في بداية القصيدة.
القِطَّةُ قَفَزَتْ 2
مِنْ طَابِقِهَا الثَّامِنِ 3
مَاتَتْ 1
ومن الملاحظ على المستوى الموسيقي أن التفعيلات المستخدمة هي : مستعلن – فَعِلُن – فَعْلُن – فاعلن – مُستفعلن مما يجعلها أقرب للمتدارك وهي الأقرب للنثر ، وتعطي حرية موسيقية ، وإيقاعات قريبة من الكلام العادي ، متجاوزًا صرامة البناء التفعيلي، والاهتزاز الموسيقي التقليدي باختفاء تفعيلة مفاعيلن الراقصة.
عزت الطيري وريث الأصول الإبداعية، ويمتلك طاقات تعبيرية هائلة تجمع بين الحلم المتحول والموقف الثابت ، يجعل من تجربته شيئَا فريدًا، ومن تجربته أكثر فرادة وخصوصية كالفوضوي المخرب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق