ثقافة السرد

الـــوباء

بقلم: حسين عباس

كمن لدغته أفعى..هوت على رأسه صاعقة هوجاء..أو فاجأته مرآته بوجه غير وجهه.. أفاق هذا الصباح..مشتت الذهن ..أو..لا ذهن له..وعلى غير عادة منه..شعر بأزيز مسترسل يعم تلافيف جمجمته..يكاد يتسرب منها إلى الخارج..شظايا محرقة.. أصوات خرساء..كوجع الحبلى في ساعتها الأخيرة..كرنين تلفون في قاعة مهجورة.. كصدى أجراس مدينة خرافية حل بها الطاعون..أنات موجعة تتوالى في رتابة كطعنات خنجر..تخفت تارة..فتكتسح جمجمته خلية نحل فقدت نواميس نظامها الطبيعي..تقوى تارة أخرى..فيتزايد ثقل رأسه.. ويتهاوى تحت دوي حرب ضارية لا يدري من أضرم نيرانها.. يتجه إلى المرآة يتأملها..يسألها ببلاهة..يحملق في أديمها الضبابي.يتفحصها مليا..عله يرى ذاته..عله يلمح رأسه.. ما خلف رأسه..فلا يرى إلا خيوطا باهتة..وتجاعيد متقاطعة متلونة بألوان رمادية كلون الحزن..أو الخوف..أو هما معا . يلقي برأسه على الجدار..لعل التيار ينقطع ..لعل الأزيز ينتهي..لعل الحرب تشهد موعد هدنة.   يعاود الكرة..لا يشعر بألم الاصطدام..يفغر فاه عريضا ليصيح.. يتدلى لسانه في بطن المرآة ولا يتسرب أي صوت..

ينط كقرد حديقة الحيوان داخل قفصه..يذرع الحجرة في اضطراب متزايد.. تتحرك قوائمه في فوضى..يفقد السيطرة عليها..يتقلص شعوره بالأشياء من حوله.. شيئا فشيئا..  عبثا يحصي بقايا مشاعره..ذكرياته..آماله..أحلامه..فلا يقوى على تمييز أي منها.. تتعالى الأصوات..ويتزايد الأزيز بلا انقطاع..يتخذ رنة رتيبة كنحيب أرملة حرب.   يتهاوى بطوله على الأرض..يتلوى فوق البلاط البارد..بعناء شديد يلم شتاته المبعثر..ينهض هائجا كالمصعوق..يتجه إلى الثلاجة..يفتحها بعنف..يتناول أول ما اعترض يده..يضعه في فمه بحركات متوترة..ويجتره بنهم جنوني.. يقفز كأرنب بري داهمه صياد جائع..يصطدم بالباب الخارجي..يلتهم درجات السلم بملء ساقيه.. يهرول صوب الساحة العمومية..حيث توزع مجانا شروح الألغاز..

الساحة..على غير عادتها..مثقلة بالأجسام..بالأصوات..بآهات الرعب..والحيرة القاتلة..

ـ جموع تموت..وأخرى تحتضر..

أعلن ذلك برّاح القرية بصوته المبحوح..ولأول مرة في حياته..دون أن يكلفه أحد..دون أن يتقاضى عليه أجرا..هو الذي أقسم بالطلاق ثلاثا ألا يقرع طبله..وألا يفتح فمه معلناعن أي حدث.. فرحا كان أو ترحا إلا بمقابل. ـ الهول يدق الأبواب..يهوي من أعالي السماوات..يتصاعد من جوف الأرض..يتسرب من كل الفجوات..يمد أذرعه الدامية..يغرز أنيابه في الأجساد.. يجتث منها جوهرة الحياة.

ـ الوباء..الوباء اكتسح القرية..

ـ نصب خيامه على المعابر والطرقات..

ـ اكتظت به الأزقة والساحات..

ـ ما من شيء يقوى على رده ..

ـ المختصون..لا يعلمون طبيعة الداء..

ـ وهل هناك مختصون في هذا الأمر ؟

ـ بالتأكيد..

ـ وما الذي فعلوه ؟

ـ لازالوا في مرحلة دراسة الأعراض..

قال ذلك معلم مدرسة القرية..قبل أن يطرد التلاميذ ليلتحقوا بضوضاء الساحة العمومية..قبل أن يسد الباب في وجوه المستفسرين..قبل أن يترنح متمايلا تحت ثقل رأسه..قبل أن يلجم الحقد لسانه..حينما كانت له رأس سليمة..لم يستفسره أحد.

ـ الحليب ..الحليب المستورد هو السبب..

قالها أحد العقلاء..أو..ممن جرت العادة على تسميتهم كذلك..

أصغى الجميع ..جميع من لم يفقدوا حاسة السمع ..جميع من لم يأت الوباء بعد على بقايا أجهزة المناعة لديهم..بدت على وجوههم ملامح الاقتناع للحظات..

فغروا أفواههم من فرط الدهشة..أو الخوف..كلهم مدمنون على تعاطي الحليب المستورد..كلهم..مذ باعوا أبقارهم وأغنامهم..وإبلهم..بمذابح القصابة ..كلهم ..حتى الصبية الرضع..منذ أن صار الثدي موردا لمتع أخرى غير متعة الأمومة..

لوّح أحدهم بيده مستنكرا في عنف..هز رأسه ذات اليمين وذات الشمال:

ـ لا..لا..ليس الحليب..

أجفلت الكتلة..وارتفعت الرؤوس المحنية..لعق الجميع مرارة لعابهم..كانوا سيتقيئون..

حمدوا الله في قرارات أنفسهم..زمجروا لحظة في مدعي الحليب..وحملقوا بإمعان في العرّاف الجديد..

انتصب شعر رؤوسهم لما سيقول..اللهم اجعله خيرا..لكنه نكس رأسه ولم يقل شيئا..

التصقت به الأنظار مستفسرة مستفزة..حاصرته من كل جانب..تململ في مكانه..حاول أن يزيحها..تمتم :

ـ لاشك أنها الريح..

ـ هراء..

ـ مسخرة..

اندفعوا نحوه  في حركة آلية..أحس أنفاسهم الملتهبة تلفح وجهه..ضغطوا عليه بأنظارهم..تزايد الضغط من حوله..أحس بهول الحصار..التفت يمينا وشمالا..علّه يعثر على  منفذ للنجاة..فجوة يهرب بجلده  من خلالها..لا جدوى..الطوق يلفه من كل جانب..أحس بالاختناق..فصاح:

ـ نعم..هي الريح..ريح  شرقية عاصفة..لا قبل لنا بها..لم تعهدها روابينا..لم تألفها تلالنا ولا صحارينا ..نعم..ريح ضارية تتسبب في الإصابة بأشد أنواع الرّمد فتكا بالعيون..رمد يحول بين المرء وحقيقة الأشياء..يرى..ولا يرى..رمد لا يعمي الأبصار فحسب..يتلف البصائر أيضا..يزرع بذور العداوة والبغضاء..بين الأخ  وأخيه..وصاحبته وبنيه..

ـ”  كل شيء من الشرق  مليح ..عدا بني آدم والريح.”.

هكذا قال المجذوب..

ـ رياح غريبة عنا..تهب كل لحظة من لحظات زماننا الرديء..عبر كل  المنافذ التي فتحها الإهمال.. رياح محملة بكائنات متناهية في الدقة..عجيبة التكوين..لا ترى بالعيون المجردة..ولا حتى بالمجاهر..تلج  الأدمغة عنوة.. تتغلغل بين تلا فيف الجماجم..تنهش الخلايا.. تنسفها من الداخل..تفتتها..فيتحول الشعور من الدماغ إلى الأحشاء.

تأوهت عجوز في حسرة:

ـ آه يا كبدي..لقد جنّ الرجل..

ـ ولماذا لا..؟ قد يكون ذلك..

تتحول الأنظار صوب الصوت المتسائل..ويردف هو:

ـ أي نعم..لماذا لا يكون هذا الداء مسا  من الجن ؟ معاشر الجن طلقاء في زماننا..يبدو أنهم خرجوا عن سيطرة ملوكهم..أو أن هؤلاء صاروا كملوك الإنس..لا يأبهون بأمور رعاياهم..

يعم الصمت..تنحني الرؤوس ثانية في بلاهة..

ـ أين الشيخ الرّاقي؟ عله يطرد عنا أبناء هاروت وماروت ..

ـ قضى نحبه ..متأثرا بالوباء..

ـ أين الإمام..؟

تنطلق الأنظار في رحلة تفتيش مستعجلة عن رأس حضرة الإمام ..تعثر على عمامته العريضة مندسة خلف الرؤوس..ينتبه للهجوم الكاسح..تغمره الدهشة كالجميع..وأكثر منهم بكثير..يشعر بتهديد الأنظار الموجهة إليه كالسهام..لا مفر..عليه أن يتصدى.. يقول شيئا.. وما عساه يقول..؟ وفي هذا الأمر بالذات.؟ تعوّد الإجابة عن عشرات الأسئلة..دون حرج ولا تلعثم.. يحفظ أجوبتها عن ظهر قلب..سواء تعلق الأمر بفرائض الوضوء ونواقضه..الزواج والطلاق..فضائل الصدقات..الميراث..أو عورات النساء على اختلافها..

كلها أمور مرصودة  في كتبه الصفراء.. بكل الروايات..قال فيها الأولون.. والتابعون..و تابعو التابعين ..أما هذا الأمر فمحدث..وشر الأمور محدثاتها.. حتى وريقات خطب الجمعة التي يتلقاها كل أسبوع ليست بين يديه..ربما كانت ستسعفه ..تخرجه من هذه الورطة ..

الجمع ينتظر..العيون معلقة..عليه أن يقول شيئا ..نطق:

ـ  بلاء من الله ..وما من بلاء إلا وراءه غضب منه على ما يقترفه العباد من منكرات.

ـ ماذا فعلنا يا شيخ.. لنستحق غضب الخالق ؟..أصابنا الطاعون..سحقتنا الزلازل..تسلط علينا آل فرعون..جاسوا خلال ديارنا أناء الليل وأطراف النهار..ذبّحوا أبناءنا..استحيوا نساءنا..ونهبوا أموالنا دون اقترافنا لأية جريرة.. الآلاف منا قضوا نحبهم دون أن يعرفوا بأي ذنب قتلوا..ما هذه الوجوه التعيسة من قوم لوط..ولا من آل إرم ذات العماد..ولا هم ممن نكثوا المواثيق والعهود ليحل بهم البلاء الأكبردون رحمة أو غفران.

صاح صوت جهوري..أرعد بانفعال..

لحظات من الصمت الجنائزي..يرتفع إثرها صوت آخر ليشد إليه أنظار الجميع :

ـ البنزين يا قوم.. البنزين هو السبب..رائحة النفط الخام.. تحملها الرياح من الشرق إلى الغرب..ثم من الغرب إلى الشرق..مكتسحة كل ما في طريقها كحصان آتيلا..ألا تشمّون ؟..هذه الرائحة الكريهة غيرت أديم الأرض.شوّهت مناظرها الجميلة..وهاهي تفتك  بنا ..

ـ عدنا ثانية لحديث الهواء والريح..

ـ صه أيها الزنديق..دع عنك البنزين..لولاه ل..

قالها أحد وجوه الساحة..وتحولت أنظار الكتلة البشرية إلى الوجه الوجيه..

فاستطرد هذا بنبرات واثقة:

ـ ما فتئتم تلقون باللائمة على علل وأسباب خارجة عن إرادتكم ..اختلقتموها اختلاقا..وافتعلتموها افتعالا لتمسحوا بها عيوبكم..مرة هي الحليب..ومرة الريح ..وأخرى رائحة النفط الخام..بينما العيب كل العيب فيكم في أنفسكم وأنتم لا تشعرون..

تفغر الكتلة أفواهها ثانية من فرط الدهشة..ويكمل الوجه الوجيه:

ـ الإدمان على الأحلام المثيرة..هذه التي تحدث في المخ اضطرابات غير مألوفة..تحول الجهاز الكهربي للدماغ إلى محطة ذات آلاف الفولتات.. مما يؤدي إلى احتراق الخلايا الصغيرة الضعيفة ويثيرهذا الأزيز المسترسل الذي لا ينقطع..تذكروا آباءكم وأجدادكم ..تذكروا سلامة أجسادهم وعقولهم..كانوا ينامون القليل ..ويحلمون بالقليل..

حملق الجميع فيه بعيون فارغة بلهاء..لم يعلق أحد..لم يفهم أحد ما تفضل به حكيم فيزياء المخ ..

ـ ماذا لوتركت الأجداد ينامون في قبورهم..؟

ـ الأحلام المثيرة قال..أهي وحدها التي تقذف بالعشرات من أبنائنا إلى الانتحار..؟

صاح  منفعل آخر..مصاب آخر..

أشاح الوجه الوجيه بوجهه عن الجمع في تذمر..وخيبة أمل..من جهل القوم لقيمة ما ألقى عليهم من الدرر النفيسة..

كادت الكتلة  تتشتت في غير اتجاه ..لولا أن مزق الصمت شيخ عجوز..قال في نبرة متعبة تحمل عبء السنين :

ـ حسراه يا زمان ..حينما كانت  سهولنا  ندية خضراء ..كانت تنبت بها حشيشة  سحرية نادرة..نصنع منها شرابا لآلامنا..ضمادا لكسورنا..ومرهما لجراحنا..ما من داء يصمد أمام سحرها العجيب .

ـ ومن أين لنا بهذه الحشيشة ؟

ـ انقرضت..لم تعد تنبت في روابينا وسهولنا ..منذ أن نصب الجفاف اسمنته المسلح على ضفاف الأنهار..منذ أن غدت حدائقنا إسفلتا عقيما..منذ أن صارت ألوان زهورنا الجميلة تتشكل في معامل البلاستيك..

ـ أين الطبيب..؟ ألا يأتي ..؟

ـ أولا تدري أن للأطباء متعة  خاصة في جعل المرضى ينتظرون ؟

ـ طال انتظارنا..والأمر في منتهى الخطورة ..

ـ فيم هي الخطورة يا رجل؟..أفي الألم الذي يحدثه  هذا الوباء ؟ وما الجديد في ذلك..؟ تاريخكم تاريخ الألم..ماضيكم ألم..حاضركم ألم..ومستقبلكم ألم.. لو كنتم من عبدة الأصنام..لحق لكم أن تقيموا للألم صنما ضخما لا تطاوله الجبال..

أنهى المحاضرة..وقد تطاير زبده لينال جميع الوجوه من حوله..

ـ أين رئيس البلدية..؟

ـ على مدخل القرية ..ينتظر وصول الطبيب الأخصائي..

ـ ومحافظ الشرطة..؟

ـ يقوم بالتحريات اللازمة لحفظ النظام ..

ـ  كل شيء إلا النظام ..مفخرتنا وسر وجودنا ..لا بأس إن افتقدنا كل شيء.. الضروري منه والثانوي ..نحن بألف خير ..ما دام النظام مستتبا ..

° ° ° ° ° ° °

لعل هذا الأزيز المتزايد باستمرار داخل جمجمته هو أوضح أعراض الوباء..وربما كان..أول بدايات نهاية لا يعرف أحد توقيتها..نهاية تبدأ من الرأس..لا من أخمص القدمين ..

انتابته رغبة ملحة في الهرب..وتساءل مفزوعا..مم الهرب ؟ أمن خطر يطارده؟.. أم من ظله..؟

ـ الطبيب .. لقد حضر الطبيب..

صاحت بذلك ألسنة..وردّدته أخرى كصدى تتقاذفه سفوح الجبال ..

نزل الطبيب من سيارة الإسعاف..تقدم رفقة رئيس البلدية..فزحفت الجموع صوبهما زحف الأمواج على صخور الشاطئ..اشرأبت العيون بالطبيب.. مسحت مئزره الملطخ بالدم.. طرقت محياه المغلق..تلمست عيونه الفارغة.. وهتف رئيس البلدية :

ـ الهدوء..الهدوء..لا تقلقوا..سيشرح لكم حضرة الطبيب كل صغيرة وكبيرة حول هذا الأمر..

يتنحنح الطبيب..يفتح بعناء حقيبته الضخمة..يجذب منها رزمة من الأوراق ..يقلبها الواحدة تلو الأخرى ..تفلت منه..تتناثر في كل الاتجاهات..يهرع رئيس البلدية لنجدته..يساعده في جمعها..وأخيرا..يتهلل وجهه.. وجد الورقة المطلوبة.. يتنحنح ثانية :

ـ سأوضح لكم الأمر ببساطة شديدة ..حتى يتمكن الجميع من الفهم ..

ـ حضرته..يريد إفهامنا..بينما نحن ننتظر العلاج..أما الفهم ..فلم يكن في يوم من الأيام من مطالبنا..أغلبنا يتحاشى الإغراق فيه..لكثرة ما شيعنا إلى المقابرمن ضحاياه..

لم ينتبه أحد لتعليق المشوش..

يصمت الطبيب لحظة..يمسح نظارته السميكة..ويتابع :

ـ يبدو من خلال الأشعة التي التقطناها لمجموعة من الأدمغة الفاسدة ..أن المرض يستهدف خلايا المخ ..وهذه بالغة الحساسية..أغرب ما فيها أنها إذا ما أصيبت بعطب فهي لا تتجدد..أظنكم تعرفون هذا..؟   لا..؟ لا يهم ..

يتفحص الوجوه..ما زالت العيون ترشقه ببلاهة .

ـ هل من وقاية..؟

ـ كلوا واشربوا وتناسلوا ما استطعتم..وابتعدوا عن كبار المصابين..وكفوا عن التفكير..لا ترهقوا خلايا أدمغتكم..المخ كالعين تماما..وهذه إن تعبت وجب وضع ضمادة عليها كي لا ترى..فيستفحل أمرها .

ـ ما طبيعة هذا الداء..؟

صاح شاب في مقتبل العمر..يبدو أنه مصاب من الدرجة الثانية..لم يستنفذ بعد بقايا خلاياه..أو يرفض الاقتناع بما يسمع..يشك في صدق ما يقال.. و لعله يعتقد لسوء نية مرضية..أن أمورا كثيرة لم تقل..وأخرى لن تقال أبدا..

نحنح الأخصائي هذه المرة في انزعاج وتوتر باديين ..مسح بكفه حبات العرق من على جبينه..همس في أذن رئيس البلدية ..ناوله هذا رغيفا من الجبن الرومي..التهمه بشراهة فائقة..وقال :

ـ مع الأسف..لا يعرف العلم إلا القليل عن هذا الوباء..ذلك أنه نادرا ما وقع عبر التاريخ..أو على الأقل ..لدى الشعوب التي تكتب التاريخ ..يبدو أنه حدث مرة أثناء شيخوخة الإمبراطورية الرومانية..وللعلاج كانوا يقيمون موائد طويلة وعريضة..مشحونة بكل أصناف المأكولات..يستمرون أياما وليالي في التهامها بلا انقطاع..يأكلون..ويتقيأ ون..ثم يأكلون..ويتقيأ ون..  وهكذا..

ـ وهل شفوا من المرض..؟

ـ ذلك ما لا نعلمه..كل ما بلغنا من كتب التاريخ ..أن الإمبراطورية الرومانية سقطت وتلاشت بعد ذلك بقليل..

انطفأت في ذهنه مصابيح الشعور..أطبق الظلام على أروقة تفكيره ..لم يعد قادرا على التمييز بين عواطفه..تلاشت ذكرياته كرماد في مهب الريح.. تعطلت منافذ الإحساس..ولم يبق منها سوى هذا الأزيز المقلق..سوى هذا الوخز المتزايد في الأحشاء .

خيم الصمت برهة من الزمن ..تعالت بعده أصوات..لم تقل شيئا ذا مدلول..تمايلت الكتلة البشرية في مكانها..انتحت ذات اليمين وذات الشمال كجسم الأميبا ..

دوى صوت رئيس البلدية..محاولا استقطاب الأنظار..والأسماع:

ـ هدئوا من روعكم ولا تنزعجوا..صحيح أن الوضع مقلق..لكنه ليس من الخطورة بقدر ما تتصورون..ما دام للقرية  رجالها..

ـ صحيح..القرية لها رجال..ورئيس البلدية أحد هؤلاء المرموقين..صحيح أنه ليس لا من حاملي الشهادات العلمية..ولا هو صاحب حرفة أو وظيفة.. أو موهبة خاصة..لكنه منذ أن تم تعيينه لكي يصير منتخبا كرئيس بلدية..برهن على كفاءات عالية..ولا أدل على ذلك من عظيم الرضا الذي يوليه له مسئولوه..وهذه المرة أيضا..لا شك أنه سيكون في مستوى الحدث.. يصمت لحظة..يحدج الثرثار بنظرة ثاقبة..يقيس حدود الإطراء والذم فيما يهذي به..يتأمل تضرع الأعين في استجداء..ويتفحص الرؤوس واحدا  واحدا..كمن يحصي غنمه.. ثم يتابع في لهجة الفارس المنقذ:

ـ تدبرنا الأمر من جميع جوانبه..حدّدنا كمسئولين برنامجا محكما لمواجهة الظاهرة..وتدارك الموقف.

تنتشر سحابة الأمل على الرؤوس..يمسكها بيده الممدودة..ويستطرد:

ـ الوباء ـ كما أشار حضرة الطبيب ـ يصيب المخ ..يعطل التفكير..قد يبدو لكم الأمر خطيرا..بيد أنه هيّن..ما دام له حل..لدينا مفكرون مختصون ومعقمون ضد كل الأوبئة والأمراض..كوّناهم بأكبر المعاهد وراء البحر..ادخرناهم  لمثل هذه الشدائد  منذ أمد بعيد..واليوم..آن أوان  توظيفهم في مصلحتكم..سنكلفهم بوضع برامج يومية لكل واحد منكم..تمكنكم من انجاز ما يجب عليكم فعله..تؤدون بفضلها جملة المهام التي قدّر لكم أن تؤدوها..دون الحاجة إلى عناء التفكير..

ـ عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير..ما الفائدة من التفكير..سوى وجع الرأس..؟

ـ المهم..هل سيتوقف هذا الأزيز..؟

ـ تدريجيا..سيختفي دون أن تشعروا بذلك..

انشرحت أوجه الكتلة البشرية..صفقت الأيدي بحرارة..زغردت النسوة..رقص الأطفال والشيوخ معا على دقات طبل البرّاح..ولوّح رئيس البلدية بيديه في زهو وانتشاء ..

قفز صاحبنا كقرد حديقة الحيوان ..دار حول نفسه عدة دورات ..كمن يريد الاستمتاع بمشاهدة ذيله..ثم انطلق كالسهم صوب دار البلدية ..ليستلم برنامج عمله ..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق