الموقع

هويتنا الوطنية في مفترق طرق

بقلم أحمد عرار*

شهدت الأربع أعوام الماضية من الانقسام الفلسطيني حالة من الضياع والتشرذم، ساهمت في تشويه صورة الفلسطيني في العالم العربي خاصة والدولي عامة. وقد ساهم هذا الانقسام في تغيير ملامح الهوية الوطنية، وشهد المجتمع الفلسطيني محاولات عديدة من اجل تغيير الهوية الوطنية. كما ساهمت حركة حماس بلعب دور كبير في محاولة حرف بوصلة الهوية الوطنية الفلسطينية من خلال ايدولوجيا الإسلام السياسي، والتي تعتبر حالة غير أصيلة على المجتمع الفلسطيني، فالمجتمع الفلسطيني مجتمع مدني ولا يوجد فيه هذه الحالة من التعصب الايدولوجي. وقد أمرت وزارة التعليم بغزة في وقت سابق بسحب كتاب لمختارات من الحكايات الشعبية الفلسطينية من مكتبات المدارس وإعدام النسخ المتوافرة منه، قائلة إنه يتضمن محتوى جنسيا فاضحا.إضافة إلى محاولات فرض الحجاب على المحاميات والقيام بحملات غير مباشرة ضد الفلكلور الفلسطيني ومنع الدبكة الفلسطينية.

تغريب وعدم احترام لهوية المجتمع:

من المهم جدا أن ندعم حركة التضامن مع الفلسطينيين ومن المهم جدا أن نوفر لهؤلاء الزوار كل الترحيب والاحتفاء بهم في وطننا فلسطين، لكن الغير مسموح به أن تتحول هذه الوفود الأجنبية إلى منظرين لفكر وثقافة غريبة عن المجتمع الفلسطيني وان يتحول الشذوذ الجنسي إلى ثقافة يتم التنظير لها داخل مراكزنا وتجمعاتنا الثقافية.

أن ما يربطنا نحن الفلسطينيين بالعالم هو إنسانيتنا وقضيتنا العادلة، ونحن كمجتمع مدني نحترم كل الثقافات وخصوصيات هذه الثقافات والحضارات وحتى الأديان. لكننا مقابل هذا الاحترام نأمل من الآخرين أن يحترموا أيضا خصوصية مجتمعنا الفلسطيني.

لقد كان من المؤسف أن يحدث ما حدث قبل أيام وان يتم إلصاق ذلك بالشباب الفلسطيني الذي خرج ثائرا ومناضلا من اجل إنهاء الانقسام وتوحيد الوطن وحفاظا على هويته الوطنية.

يقول د. عبد الرحمن بسيسو في ورقة بحثية له بعنوان:( الثقافة ومعركة الدفاع عن الهوية)

“أنَّ الهوية الفلسطينية ليست هويةً إشكالية تتعارض فيها مكونات الثقافة مع خصائص الهوية الوطنية –  القومية، فالهوية الفلسطينية المعاصرة المؤسَّسة على ثقافة إنسانية عريقة، والطالعة من معاناة القهر ومساعي التهميش والطمس والإلغاء، والتي أعادت إنتاج نفسها عبر مسيرة نضالٍ وطنيِّ تحرُّريٍّ شاق وعنيد، قد حصَّنت نفسها، باستنهاض ما اختزنته جذورها الثقافية العريقة، من السقوط فيما نهضت لحماية نفسها منه ومقاومته، ولذلك فهي تتأسس على عمق ثقافيِّ منفتحٍٍ على ثلاث جهات هي: التاريخ الفلسطيني الموغل في القدم؛ معطيات الحاضر الموسوم بالنضال التَّحرُّري؛ وممكنات المستقبل المفتوح على استعادة القدرة على المشاركة في صنع الحضارة الإنسانية، وذلك في تواشجٍ متصل مع نهوض هذه الهوية، أولاً وقبل كلِّ شيء، على رؤى مستنيرة، وعلى مبادئ إنسانية متفتحة، وعلى قيمٍ ومعايير تحترم الإنسان، وتحمي حقوقه وحرياته جميعاً.

تاريخ وحاضر ومستقبل:

إن تاريخ فلسطين هو العنصر الأول الذي نستقي منه هويتنا الوطنية، هذا التاريخ الممتد عبر مسيرة نضال كبيرة وطويلة عاشها الفلسطيني في الوطن والشتات، لازالت هذه المسيرة تتواصل ولا زال الطفل والشيخ الكبير يحمل مفتاح العودة ليس منتظرا لها لكنه ساعيا أليها ومدركاً بأنه لن يكون هناك عودة بلا تضحية وبلا إيمان عميق بهويتنا الفلسطينية وضرورة الحفاظ عليها وترسيخ الخارطة الفلسطينية بمدنها وقراها وعشائرها وبكل تفاصيلها.

مراجعة لابد منها:

لقد ظهر مؤخرا على السطح بعض من اللغط حول دور الأحزاب والفصائل الفلسطينية ومنافسة الشباب لهم خاصة الذين خرجوا في يوم 15 آذار والذين استطاعوا أن يقنعوا الشارع وان يكسبوا ثقة الجماهير ويخرجونهم من بيوتهم وصمتهم للمشاركة في دعوتهم لإنهاء الانقسام. بعض الشباب قال بأنه لا يحترم هذه الفصائل وبان هذه الفصائل قد شاخت وبأنه يجب أن تحل نفسها وان تسمح للشباب اليوم بقيادة الأمور.

وهنا لابد من وقفة جادة إن هذا الموقف ليس هو موقف احد من الشباب الذين دعوا إلى إنهاء الانقسام وليس هو موقف (ائتلاف شباب 15 آذار لإنهاء الانقسام) بالتأكيد، ولا يعبر عن عمق الاحترام والحب الذي يكنه أعضاء الائتلاف ومناصريه للأحزاب الفلسطينية التي ناضلت ورسخت اسم فلسطين في العالم ودفع مؤسسوها ثمن باهظ لمسيرة نضالهم فمنهم من استشهد ومنهم من يقبع في السجون منذ 50 عاما ومنهم من فقد أطرافه ومنهم من أصيب بأمراض خطيرة وعديدة. هذه الفصائل والأحزاب هي من علمتنا معنى النضال السياسي وهي أول من ناضل وطالب في إنهاء الانقسام وهي أول من وقف مع الشباب ودعم جهودهم من اجل التأكيد على دعوتهم بإنهاء الانقسام. لكن الموقف الحقيقي للشباب هو بان تقوم فصائلنا الوطنية بتجديد الدماء وإعطاء فرصة اكبر للشباب داخل المراكز القيادية ومراكز صنع القرار. وان تمارس الديمقراطية داخل هيئاتها المختلفة.

ختامـا:

دائما لابد من خاتمة – فلكل بداية نهاية ونهايتنا هنا هي التأكيد على حبنا وعشقنا لهذا الوطن واحترامنا لأحزابنا وفصائلنا وقيادتنا السياسية والوطنية، و التأكيد كما قال د. عبد الرحمن بسيسو: ” من إنَّ تخلُّق الهوية الفلسطينية المعاصرة في مرجل كابوس الاقتلاع من الأرض والنَّفي بعيداً عن الوطن أو فيه، وفي سياق المواجهة العنيدة للغزوة الصهيونية، إنما يتطلَّب بذل ما يكفي من الجهد الهادف إلى إعادة تعريف هذه الهوية عبر مراجعة مكوناتها لاستئصال ما هو غير أصيل فيها؛ فقد  كان لتعرُّض هويتنا للتهديد أنْ يستنهض، ضمن ما استنهضه من مقومات وطاقات دفاعية، موقفاً نكوصياً ارتدادياً قائماً على استجابةٍ هي أقرب ما تكون إلى ردة الفعل الهادفةِ حمايةَ الهوية من الأخطار التي تُحدق بها وتُهدِّدها”.

هذا الجهد الذي يجب ان يكون متواصلا وان تشارك فيه كل مؤسسات الدولة وكل الاحزاب والشباب بشكل خاص. يقول بسيسو بان القدرة الذّاتية التي امتلكتها الثقافة الفلسطينية على نحوٍ أهلها لبناء هويةٍ تخلُص من العنصرية وضيق الأفق والانغلاق وعدم التسامح، لم تكن لتكفل لهذه الثقافة، بعد أنْ تعرَّض أصحابها للاقتلاع من وطنهم أو العيش في محيطٍ غريب عليهم، أنْ تخلو  من عناصر ومكونات سلبية أثقلتها، أو حالت دونها والانطلاق الحرِّ في مسار صيرورة تُجدِّدها، وتجعلها قادرة على خلق هُوية فلسطينية لا تحمل آثار الحروق والجراح الناجمة عن استهداف فلسطين: وطناً وإنساناً وثقافة، بخطر الاغتصاب والإلغاء والانتهاك والطمس من قبل الغزوة الصهيونية المحكومة بثقافة عنصرية مغلقة على نفسها، ومفتوحة على إلغاء الآخر.

ويبقى دائما للحديث بقية

 


* مدون وناشط مجتمعي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق