قراءات ودراسات

الصباح والمسافة في ديوان “وأنتِ وحدَكِ أغنيَة “

للشاعر الفلسطيني فراس حج محمد

بقلم: سمر لاشين

“كلّ شيء قد يموت إلاّ القصائد, فإنها تنمو في الجحيم كما تنمو في النعيم, تضيء مصابيحها الخاصة في الليل والنهار, لا تحتاج لضوء غير ضوء شعاعها!”.
“فراس حج محمد “

“وأنتِ وحدَكِ أغنيَة”:
العنوان عتبة مهمة للولوج لأي عمل أدبي, ومن خلاله يحدث انطباع أول لدى القارئ, قد يثير دافعيته للقراءة, أو العكس. العنوان هنا تم صياغته بطريقة بارعة, جعلني أقف أمامه طويلًا, عندما يضع الشاعر عنواناً للديوان “وأنتِ وحدَكِ أغنيَة”, فنحن أمام قصائد موسيقيّة تلامس الروح, من المعروف أن الأغنية ما يُغنّى من الكلام ويُترنّم به من الشّعر ونحوه, وتكون الموسيقى مصاحبة له في أغلب الأحيان.
عند فراس حج محمد الأغنيّة “امرأة”, إلا أن كل امرأة ليست عنده أغنيّة, إنّما امرأة واحدة خصها حين قال “وأنت وحدك” … هنا الأغنية امرأة عاطفيّة, رومانسية, ملهمة, نقية, عذبة, ساحرة, امرأة مصنوعة من موسيقى, امرأة خاطبها في مواضع عديدة في الديوان قائلا “أنت الشعر, أنت البحر, أنت الفجر, أنت الحضارة, أنت الزمان, أنت الكمال, أنت الغرام, أنت الوقت , أنت النور, أنت الورد, أنت العطر, أنت الحياة, أنت الصباح , أنت تفردي”، هي سيدة الروح التي ألهمت الشاعر كل الأغاني في حضرتها فخرجت منه على شكل قصائد, هذه الحبيبة السمراء أحببتها، لأنها أخرجت هذه القصائد من قلب الشاعر وروحه بكل هذه العذوبة والصدق.
الإبهار في الديوان جاء من كون الشّاعر يتحدث عن تجربة واحدة عاشها, تناولها بكل أبعادها النفسية والجسدية, وكأنه يريد أن يؤرخ هذا الفترة من حياته لتظل خالدة, فالشعر وحده من يخلد الحب. والإبهار جاء أيضاً من سلاسة الأسلوب الذي يتمتع به فراس حج محمد وبراعته الفائقة المتقنة في تطويع الفكرة وكتابتها كما يريد, بلغة رشيقة, وبألفاظ خالية من التعقيد وإن كانت عميقة في معناه, وهذا ما يجعل القصائد تجد طريقها إلى عقل القارئ وقلبه بسهولة.
عندما تريد أن تقرأ ديوان “وأنتِ وحدَكِ أغنيَة” عليك أن تمارس طقوس معينة فهو ديوان كالقهوة مُرة ولذيذة، لا بد من احتسائها على مهل, مثلا أن تقرأه إما في الصباح مع فنجان قهوة وصوت فيروز, أو مساءً, تحديداً في العاشرة, حيث يجلس الشاعر يستمع إلى أم كلثوم, وحبيبته تستمع إلى كاظم, ما عليك إلا أن تدع نفسك للشاعر حين يمسك بيدك بهدوء ويدخلك إلى جو القصائد بكل مافيها من سحر وإحساس صادق وغير متكلف… انصت لروحك حينها, وستسمع الكثير من الأغاني, وستشعر بعذوبة الفرح.
الصباح في ديوان “وأنتِ وحدَكِ أغنيَة”:
الديوان بالمقارنة مع ما صدر للشاعر من قبل من دواويين, كبير نوعا ما, لذا, كان من الظلم تناول الديوان بشكل مجمل, مما جعلني أتناول محور أو جانب منه, وبخاصة أنني أبحث دائما عن المعني, لا يهمني إن كانت القصيدة موزونة أو نثرية, أو كتبت بأي طريقة كانت, المهم عندي قصيدة تشعرني بالمتعة حين أقرأها تتسرب إلى روحي بهدوء, تجعلني أحلق خارج عالمي, تشبعني, تروي روحي, تكون ممتعة حد الثمالة, وهذا كله وجدته في ديوان فراس حج محمد.
هل جربت عزيزي القارئ أن تكون جزءاً من حالة, من قصيدة, أن يلامس جوارحك وصف الكاتب لحبيبته, وكأنك تعيش معهما الإحساس بطريقة أو بأخرى, لحظة بلحظة شاهداً على تلك اللحظات من نقاء ودفء وحب؟ أنا جربت. تعال معي، ربما أستطيع أن أعطي للمعاني التي وصلتني من قراءة الديوان بعض البريق الذي تستحقه.
الصّباح هو أول النهار الفترة التي تسبق أو تلي مباشرة شروق الشمس, في الصباح كان الشاعر دائماً على موعد مع حبيبته, لذلك خرجت القصائد بنكهة صباحية, نقية كأول شعاع ضوء للنهار, نراه يغازلها حيناً, ينتظرها, يعاتبها حيناً, وينادي عليها بكل ما أوتي من حب حيناً أخر.
عندما تكون عدد صفحات الديوان (378) صفحة، ويذكر الصباح كلفظ صريح حوالي (135) مرة فهذا دليل على أهمية هذا الوقت بالتحديد للشاعر, وكأن هذا الوقت الذي تكون حبيبته له وحده, هو وقت يخصهما وحدهما دون العالم, كما العاشرة مساء، أما باقي الأقات فلم تحظَ بنفس القدر من الحضور والتواجد والقصائد والموسيقى, إنما كان فيها الكثير من الشغف والشوق والانتظار فقط.
ما السر في ذكر الصباح في أغلب قصائد الديوان؟ الإجابة موجودة في بدايات الشاعر في باكورة أعماله التي حملت اسم “رسائل إلى شهرزاد 2013” وكتاب “شهرزاد ما زالت تروي” وقصيدة “لنْ أندمَ ما دمتِ شهرزاد!” في هذا الديوان.
شهرزاد الملهمة التي كتب لها الشاعر كل القصائد من قبل، وكُتبت لها هذه القصائد أيضاً, إنها ابنة النور التي أتته ذات صباح وكيف أنها نامت بروحه, وتركته, ليظل يكتب عنها بكل هذا التوهج والنور الذي استمده منها, النور الذي يسكن روحه, في هذه القصيدة يتضح لنا سر ذكر الصباح في أغلب قصائد الديوان “ص 105 – 107”
لن أندم!
سأحتفظ بالنص الأخير والجملة الأخيرة لزمن أحفادي
سأُعْلِمُهم وأُعَلِّمُهم وأسرد لهم قصة شهرزاد ابنةِ النور التي أتتني ذات
صباح والهة مختارة!
فنامت وتركتني حتى هذه اللحظةِ أكتب!
يأتي أول ذكر للصباح في الديوان مع قصيدة “الظل القصير” من البداية يريدها “وحدها” كل صباح, وكل هنا تعني استمرارية الشيء, وهو لا يريدها هادئة أو عادية كالأخريات, بل شهية بنشوة الريح, وقوية غزيرة مثل رذاذ المطر. “ص 15”
سأرد القصائد كلها عن باب الشعر
واحدة واحدة
لتدخلي وحدك كل صباح بنشوة الريح
ورذاذ المطر!
من الملاحظ أن الديوان يحتوي على العديد من القصائد الغزلية, وإن لم يك أغلبها, المتعمق في المعنى لهذه القصائد يجد أن الشاعر لم يك يقصد المتعة الجسديّة بمعناها المجرد, إنما قصد إشباع روحه والتعمق في بحر الحب حد الغرق فيه, حتى ترضى روحه, أراد الحبيبة روحاً وفكراً وجسداً, الجانب الجسدي هو وجه من أوجه الحب، فهو ترجمة حرفية للمشاعر والحب بشكل ملموس, لذلك لم يهرب منه الشاعر ولم ينكره, إنما كتبه بصورة وأسلوب راقٍ لا يخدش حياء القارىء, الشاعر هنا أراد أن يصف رغبته بالتشبع من حبيبته حد ارتواء قلبه وروحه وجسده منها, في شكل أغنيات عزفها جسده قبل روحه, لتصل لنا في شكل هذه القصائد.
نجده يريد الحبيبة روحا وفكراً وجسداً في قصيدة غزلية “على أنفاسي الحرّى” حين يطلب الشاعرمن حبيبته بكل جرأة, أن تمارس معه الحب بكل الجنون الملموس, وأن تمارس كل طقوس الرقص فيه, ولا تستمع لأي موسيقى بل ترقص على أنفاسه الحرّى, الصباح حاضر أيضاً هنا, ليكتمل به كل هذا الجنون, ويكون شاهداً عليه “ص 79 – 82”

أنت لي قطعة معنى
قطعة جنة أخرى وحوريّة
وأنت فنجاني وقهوتي الصباحية
ليعبق في مداهْ
صباح الرقص يا سمراء
يسكب رشفة رشفةْ
بعمق ضياهْ!
واستعدي كل ليل كي نعاود ملتقاه!
وقد حدد لنا الشاعر أي وقت يبدأ عنده الصباح بالضبط في قصيدة “عند السابعة” “337 -338”:
هناك عند الصباح وقت السابعةْ
كنت تغتسلين في لغتي أنا
وتتحدين في ذاتي أنا
وتبتكرين سماءك العليا معي
وتكون ذاتك مثلما أنت أنا
نجد أن كل ما هو جميل يعني عنده الصباح فنجده في قصيدة “لحن الغيوم” يريد الأغنية صباحية, والقبلة “قبلة الصباح”، وكأن للقبلة الصباحية مذاقا مختلفا عن باقي الأوقات, كذلك الحال بالنسبة للأغنية الصباحية “ص 177- 189”:
يا ليتني طفل أنام على ساعديها
تدثرني بالضوء
ذلك المنساب من بين بينيها
يا ليتني طفل تغني لي أغنية الصباح
وقبلة الصباح
وحكاية في كل مساء لولوبية!
في الديوان قصائد ذكر فيها الصباح كعنوان للقصيدة مثل:
قصيدة “أهذا أنتِ في هذا الصباح؟”، هذه القصيدة يتضح بها حجم المسافة وحجم الاشياق وكيف تحتاجه هي أيضاً كما يحتاجها هو, وهنا من فرط حبه وشوقه لها يسأل أهذا أنت في هذا الصباح؟ “ص 223 – 224”:
وتمدّ لي حضناً ربيعياً وتحتضن المدى
كأن الصبح جاء لها
يناجي وحدها وحدي
على مد المسافة من هناكَ إلى هناكْ!
وقصيدة “شيء من صباح” يذكر الشاعر لفظ الصّباح خمسة مرات في هذه القصيدة, يتمرد من خلالها على كل الأشياء, ويعدد ما يريده من هذا الصباح, وماذا يعني له هذا الصباح الجاف, هذه القصيدة التي لم يذكر فيها الحبيبة “ص 143 – 144”:
هذا الصباح أعلنُ أنني لا أشبه الأشياء!
ولا الأشياء تشبهني!
وأنا لست الضميرَ المنفصل المغموس في خمر الأبجدية المبتل
بحلم قد تبقى من الليلة الماضية!
وقصيدة “أميرتي هذا الصباح”، هذه القصيدة ترقص فرحاً بخلاف القصيدة السابقة للصباح, لأن الحبيبة هنا حاضرة في هذا الصباح, وفي القصيدة أيضاً يذكر” كلّ عام وأنت أجمل ما في العمر “بجانب العنوان “ص 146 – 148”
وقصيدة “صباحُكِ الآنَ”، بكل ثقة يعلن الشاعر أمام محبوبته أن صباحها هو, في قصيدة تحمل من جنون الحب الكثير والصباح عنواناً لها وبجانب العنوان (لأجل أحمرها يحلو الصباح وتغتسل القصيدة بالندى) مما يدل على غزلية القصيدة وجرأتها, لكن أعجبتني ثقة الشاعر هنا في نفسه وحب حبيبته له, وقد أطلق عليها لقب الصباح, وجعل من نفسه صباح هذا الصباح “ص 163 – 164”:
صباحكُ الآنَ شعرٌ وسطر ومدرسة وحزبٌ ووطنْ!
صدحت على سبورة الصفّ لأكتبها مع الفتياتِ والصبيةْ
مع الشعراء والكتابِ والرؤيا!
مع الأسفار والمدن العريقةِ
والمسكونِ فيّ مذ عرفتك يا صباي!
صبابتي ورضاي!
أيتها الصباحُ, صباحكِ الآن أنا!!
وقصيدة “أنتِ والصباح وبينكما أنا!”، هي هناك, والصباح هنا تحتله تفاصليها, وبينهما هو العاشق لكل تفاصيل هذا الحب, لكنه يجعل نفسه بينها وبين الصباح ليكون هو كل تفاصيل صباحها وطقوسه. “ص 180 – 182”:
صباحك قهوتي
وقصيدة مجنونة وأنا
ورحيق زهر حطه الفجر الجميل على يديك بقبلة حرى نذوب بها هنا!
وفراشة خجلى تحدنا عند الفطور
فتضحكين من طول رائحة الجمال يعم أرجاء السنا
ويختم القصيدة بالمقطع التالي الذي يظهر كيف أنه يستمتع بهذا الحب الذي يشبه أغاني فيروز في الصباح؛ ليعكس الإحساس بالراحة والسعادة التي تصاحبها التي لا تنتهي, ولأن السعادة تقاس باللحظات فهو يشبه اللحظة التي يمران بها “هنا”
صباحك مثل فيروز الصباح لا ينهى له وِرْدٌ
وليس يعرف قلقلةْ!
صباحك مثل هذه اللحظة أحلى ما يمر بنا هنا
فلتقرئيني كلما طلع الصباح وفرّح الوقت الغِنا!
وقصيدة “أنت الصباح الغض”، قصيدة عمودية من سبعة عشر بيتاً تحدث فيها عن حبيبته بالكثير من العظمة والإجلال وختمها بهذا البيت “ص 277 – 279”:
ما زلت أذكر عهدنا يا غايتي ::: أنت الصباح الغض أنت تفردي
وقصيدة “صباح الخير يا أبهى ويا أحلى!!” في هذه القصيدة يصف حبيبته بأجمل الأوصاف ومن شدة حبه وشغفه بها, أرى الشاعر يقول صباح الخير لكل من مر في طريق حبيبته، وكل الأشياء التي من المتوقع أن تمر بها وكأن الشاعر في هذه القصيدة كان يغني فرحا لم يك يقصد أن يكتب قصيدة، وإنما أريد أن يعزف لحنا من فرح “ص 183 – 186″:
” صباح الخير يا أنثى الغواية والهداية والحروب وسر أسرار السلامْ”
…………..
صباح الخير للعطر الجميل للمفتاحِ للسيارة البيضاء تخطر في فتونْ
صباح الخير للشال المزركش, للنظارة السوداء, للقلم الحبر, للأوراق,
للدفترْ
للحاسوب, و”الشنطةْ”
وللنت الذي أوصى بها طيراً يغرد في الحنايا واستقرْ
لمكتبها وآنية الشاي, للدخان, للزيتون والزعترْ
للكمون والخبز المعد لوجبتها عند الضحى الأشقرْ
بعض الصباحات لا تأتي هادئة أو كما نشتهي:
أحيانا حين نرسل رسالة لمن نحب فنحن ننتظر منه الرد السريع على رسالتنا, وحين يتأخر الرد أو يرد باختصار على عجل, أو لا يرد نشعر أننا لا شيء, وأن هذا الحب يسحقنا وحدنا, الشاعر في صباحاته مع الحبيبة كان يرسل لها رسائل صباحية، فيأتي الرد منها متأخراً أو على عجل وأحيانا لا يأتي الرد، فيجعله يشعر بأنه لا شيء, وأنه لا يعني لها كما تعني له، وحسبه أنه محض عاشق. “ص 128 – 131”:
أشعرُ أنني “لا شيء”
“حامض ”
لم تعدْ تكتبُ لي “أحبكَ”
وأنا كما كنتُ هناك يوماً
أكتبها “اشتياقي” و”صباحي”!
أأستحقُّ “كرامتي” أم أنني “لا شيء”
“تافه “؟
لا شئتُ إذ شاءتْ
وإنّي محضُ “عاشق”
وفي صباح أخر يشعر الشاعر بالوحدة، يبدو أنها لم تكن موجودة في هذا الصباح، فيقول إنه كما كان وحده دائما سيظل هكذا, لكنه خص الصباح وحده بطقوس هذه الوحده “وأطلق للريح روحي كل صباح”. “ص 39 ”
يبدو أنني سأظل وحدي
وأطل على شرفة الروح وحدي
وأطلق للريح روحي كل صباح
وحدي!
لأكون كما كنت وحدي .
كثيراً ما كان يأتي الصباح، والشاعر يحمله شغفه وجنونه بها وبخاصة إذا أتى الصباح بعد ليلة من التفكير بها, هي الملهمة التي لا يمر وقت دون التفكير بها, من رسمت ملامح الوقت وكل شيء بملامحها “ص 73 “:
أينَ كنتِ؟
الأمسُ يبحث عنك حتى الآن لم يرجع!
واليومُ لم يأتِ بوِرْدِ اليومْ!
وتوقفُ الهمس في شفتين من لغةٍ
من الرجس المقدسْ!
وَعَدْتِ ثمّ لم تأت الغزالة
لم تقضم شفاهي مع سويعات الصباحْ
برّدت ما فيها من الأعصابِ
واستمتعتِ إذ هلّ الضبابْ
الصباح حين يعصف به الحنين والذكريات , كيف يأتي النوم للشاعر في هذا الوقت وفيه ما فيه من ذكريات, تُلقي بتحايا الحنين والشوق, لكل ما كان هنا يوما ذات صباحات الحب، ولم تعد موجودة الآن، الصباح في غياب الحبيب مرٌ بطعم الحنين. “ص 117- 120”:
أتدرين أن صباحاً قد نسيناه هناك ما زال
يُذْكَر بالتحايا!
تذكري أين كنا ذات قصة غير سويّة الأضلاع
تنهش من تصبرنا غناءً دون لحن!
أتدرين أن رسالة هنا تكتبني وأنا أصيح بداخلي
أبعدُ عنها وتلحقني
سرقتني من نومة الصباح الفتية
من الصعب أن يفكر الإنسان أن من يحب, هو الآن مع شخص آخر, يمارس معه الحب بكل ما يشتهيه هو معه, في قصيدة “لعلّها… ولعلّه” بكل ما تحمله من جرأة ووصف دقيق لشكل الممارسة المتخيلة منه, لحبيبته مع غيره, مما يعني أنها نسيته في هذا الصباح أو ربما تضحك عليه هناك في مخيلتها وعلى صباحه البارد دونها, وهنا في هذا النص الجريء تتضح العلاقة أكثر بين الشاعر وحبيبته حين يقول إنها ربما لا تقرأ الآن ولا تكتب, إنها علاقة حب عبر الورق, علاقة روحية, يتأخذ من الكتابة أحيانا لرسم علاقة كاملة روحية وجسدية، يتمنى لو عاشها يوما معها. “ص 156- 158”:
لعلها الآن نائمة هناك
في هذا الصباح المخلع بالعاصفة!
يلفها بذراعيه الأسمرين
ويمد نحو رياحها بعضاً من حناياهْ!
المسافة “الهنا والهناك” في ديوان “وأنتِ وحدَكِ أغنيَة”:
دائماً ما كانت الهنا والهناك محور معظم القصائد, فالشاعر يكتبها هنا, ويتمني أن يعيشها في الهناك, وهي تقرأه هناك, وتحتله هنا. كأن المسافة بين الشاعر ومعشوقته كانت تقاس بالأغاني. ويتجسد ذلك في أكثر من موضع، سأذكر بعض منها بشيء من الاختصار:
“بعيدة وقريبة في كل آن!
فكل مسافة بيني وبينكْ
سنقطعها سوية وعدتنا اللحن والوتر
وأغنية كاظمية!” (ص 225 )
“هناك كنتِ
فكيف أصبح الحلمُ هناكْ
وكيف يكتبني في ساعديك هنا” (ص 187)
“لأنكِ الآن هنا! أقربُ منّي إليّ” (ص 96)
“يا ليتها كانت هناك/ هنا” (ص120)
“لم أجدك “أنتِ” هناكْ” (ص 126)
“هيَ الوقتُ سيِّدةُ الوقت!” (ص 161)
“لأكتبَ من هناك!” (ص 165)
“أكاد أشعر من هناك إلى هنا … تتنفسين بداخلي” (ص 203)
“أين أنتِ؟ أين كنتِ؟ .. ليتك الآن هنا”. “وأنا هناك على هناك مع الهُنا” (ص 232)
“يا ليتك الآن هنا”( ص 238)
“ما قد يحدث هنا /ك” (ص 316) في هذه القصيدة تتجسد المسافة بينهما بكل وضوح والهنا والهناك تتضح أكثر فنجده يقول:
” ولكن لستِ وحدك ههنا…
ولستِ وحدك ههناك
وليس غيري وغيرك ههنا
في كل ظل ورؤى
نرتل ما تضافر من أملْ!
وقد ختم الشاعر ديوانه بقصيدة “اللحن يكتب قصة أخرى”:
وقد ذكر فيها الصباح كأنه يريد أن يقول لنا إن الصباح فيها بدأت الحكاية، وفيه تنتهي “ص 368 – 369 ”
اتركي هذا الصباح كما رتبته يد القدر!
فيه الرياحُ العاتية
فيه شمس صافية
فيه بوحك والشجر
فيه خدك والقمرْ
فيه غيم أبيض الكلمات
يمشي في خفرْ
اتركيني مثل كل شيء طازج
واستفتحي لغتي بهذا المفتتح:
“وأنت وحدك أغنية”.
وبهذه الجملة الخاتمة يعود بالقارئ إلى البداية مرة أخرى، فلا القصائد ستنتهي، ولا الحب سيعرف له نهاية، إنه هو القدر الذي لا فكاك منه، فكما يتجدد الصباح يتجدد الحب ويتجدد العزف والغناء لهذا الحب ولهاتيك المحبوبة الأبدية.

 

 

*بقلم: سمر لاشين/ مصر

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق