الموقع

الذكرى الثالثة والستين لنكبة فلسطين

بقلم: السيد نجم

هل نعول على البعد الديموجرافى وحده بعد 63سنة من النكبة؟ تمر الذكرى الثالثة والستين للنكبة وسط متغيرات عديدة وشديدة التأثير، سواء على المستوى العالمي أو الاقليمى أو الداخلي الفلسطيني.. وهو ما يجعل الارتكان إلى البعد الديموجرافى، مقولة سالبة فى حق العرب كلهم. هاهي ذا العولمة تكشف عن بعدها السياسي لتبقى الولايات المتحدة الامريكبة القوة الوحيدة فى العالم، وتبدو الآن أكثر تأثيرا عما قبل ومنذ ظهور أفكار (المحافظون الجدد) هناك. تمثل ذلك بالأثر التراكمي لوسائل ما يعرف ب “الهيمنة الرحيمة أو الهينة”، من خلال ثلاثة محاور: الأول هو دعم والاحتفاء بمن يسعون لإحداث التغيير من خلال وسائل سلمية، مهما كانت أجندتهم السياسية.. الثاني هو إدانة من يلجأون إلى العنف بدون استثناء، سواء كان هدفهم هو إحداث التغيير أو تفادي حدوثه.. والثالث هو نبذ أي استخدام زائد عن الحد للقوة كأداة من أدوات السياسة الخارجة الأمريكية(صحيفة لوس أنجيلوس تايمز،  فى الأول من مايو 2011)

وأرجعت الصحيفة عسكرة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، إلى عام 1980، عندما تم إعلان مبدأ كارتر، الذي أكد فيه تصميم الولايات المتحدة على مقاومة أي خطر يهدد الخليج، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية. وقامت على هذا المبدأ فكرة إنشاء قوات التدخل السريع للتدخل في المنطقة، وحثت واشنطن حلفاءها للمشاركة في هذه القوة، وقد أنشئت قيادة عسكرية مستقلة لهذه القوة عرفت باسم: (السنتكوم).

وفى الجانب العربي وعلاقته بالقضية الفلسطينية، انبثقت مؤخرا حركات شعبية، بدت نتائجها مع سقوط النظام فى مصر وتونس، وتجددت الشعارات القومية والانتماء العربي وعلى رأسها بدت القضية الفلسطينية على رأس قائمة الدعوات الشعبية للتحرر. بينما بدت الاعتبارات البرجماتية الأمريكية هي الحكم والفيصل فى كل ما يدور فى المنطقة الآن.

ثم على الجانب الفلسطيني لا نغفل ما قالت الولايات المتحدة بما يسمى بالحكم الراشد، حيث
يقترب مفهومه (بالديمقراطي) لأن يصبح طموحا للدول، وبالتالي يلزم معه توافر المؤسسات الديمقراطية والإدارية العليا للدولة الفلسطينية المنتظرة.. وقد أعلنت السلطة الفلسطينية عن إنشاء محكمة دستورية عليا، وينتظر ما بعدها، لاكتمال هيكل الدولة المنتظر.

أما وقد راج مصطلح “الحكم الراشد” مع العولمة، وقدم البعض بعض التعريفات:

تعريف ماركو رانجيو وتيبولت: الحكم الراشد هو تلك الأشكال الجديدة والفعالة بين القطاعات الحكومية والتي من خلالها يكون الأعوان والمنظمات العمومية والجماعات أو التجمعات الخاصة بالمواطنين أو أي أشكال أخرى من الأعوان يأخذون بعين الاعتبار المساهمة في تشكيل السياسة.
تعريف “فرونسوا أكسافييه موريان”: الحكم الراشد هو ذاك النمط الذي يتعلق بشكل جديد من التسيير الفعال.
أما تعريف “و. براند”: هو مجموع مختلف الطرق أو الأساليب التي يقوم بها الأفراد والمؤسسات العامة بتسيير أعمالهم، بطريقة يطبعها التعاون والتوفيق بين المصالح المختلفة.

التعريفات  يبدو معها مفهوم الحكم الراشد يتضمن قاعدة محددة هي توافق الآليات و المؤسسات والفاعلين في (الدولة وشركاء اجتماعيين).

فى المقابل راج أيضا مصطلح “فواعل” ترجمة ل “”Actor مع تصنيفه إلى “فواعل دول” و”فواعل غير الدول”.. الأخير يتمثل فى “فواعل فوق الدولة” تلك التي تعنى التجمعات الدولية (مثل جامعة الدول العربية)، و”فواعل تحت الدولة (مثل أي منظمة تعمل داخل الدول لكنها غير حكومية.. أحزاب، جمعيات، وسائل الإعلام.. الخ.

.. بالنظر إلى أهم القضايا العربية، القضية الفلسطينية، تبدو الفواعل غير الدول متمثلة فى صور جديدة ومضافة إلى ما سبق (قبل عقد تقريبا): النشطاء العالميين في الولايات المتحدة وأوروبا، مع شباب من ذوات أصول عربية وأعضاء الكنيست العرب، وكذلك بعض النشطاء العرب غير الحكوميين. كحال عناصر فاعلة في حملة مقاطعة بضائع المستوطنات في الضفة الغربية (حملة “من بيت لبيت” للدعوة للمقاطعة). النزعة الفردية ظاهرة في الحركات الجديدة، بينما النزعات الأيديولوجية والحزبية قد تراجعت ولم يعد طريق الانضمام إلى الثورة هو الانتماء لفصيلة هنا أو هناك.. خصوصا مع توافر عوامل الاتصال والإعلام برواج تواجد أجهزة الكمبيوتر والتليفون المحمول وغيرهما.

فكانت سهولة تبادل الأفكار بل والتحرك الفاعل الايجابي، بحيث تم الانتقال سريعا من العالم الافتراضي إلى العالم الواقعي. بحيث أتاحت أدوات العمل الجديدة، إنتاج أنماطَ قيادية وسلوكية جديدة، تتحدث عن دعوات مفتوحة للنضال بشتى أشكاله.

لعل أبرز سمات فواعل غير الدولة فى التجربة الفلسطينية، تتعلق بآليات العمل ومكانه، فبينما كان الانضمام للثورة من قبل، يبدأ بالانضمام إلى معسكرات التدريب على السلاح، عبر التجنيد في الجامعات والمخيمات، وكان العمل إمّا بالتصدي المسلح لإسرائيل، أو بخطف الطائرات والرهائن حول العالم وضمن عمليات تحاط بالسرية.. بات توظيف الجميع (من بالداخل أو الخارج) لوسائل غير سرية جهارا ومعروفة بكونها وسائل مدنية.

ومع كل العوامل السابقة، تلاحظ أنه أضاف واقعا إقليميا جديدا مع القضية الفلسطينية، كما فى نوعية الحكومات الجديدة  التي تؤيد القضية الفلسطينية.. فبعد أن كانت حكومات ماركسية ويسارية (الصين، فيتنام، الاتحاد السوفييتي، كوبا..) هي الداعمة، باتت الحكومات الإسلامية ضمن الداعمين (إيران وتركيا).

إلا أنه على الجانب الاسرائيلى، يبدو “نبذ السلام” ملمحا للسلوك الاسرائيلى المتغطرس، وهو ما تجلى واضحا منذ النكبة إلى اليوم في أدب الطفل العبري!

كان هدف الحركة الصهيونية مع بداية العمل على إقامة كيان يهودي على الأرض الفلسطينية, من خلال الإجراءات السياسية والعسكرية, مصحوبا بالبعد الثقافي. وقد سعت المؤسسة التعليمية إلى ترسيخ قيم ومفاهيم العنف بمناهج التعليم والتثقيف، منها:

– سلسلة كتب “الأرض الطيبة” التي صدرت عام 1986م, وتدرس بالمدارس الدينية اليهودية، تحت عنوان “لمن تنتمي أرض إسرائيل”.. ويجيب المؤلف على أن أرض إسرائيل تنتمي لليهود, لكن جاءت بعض الشعوب (كالإسماعيلية) ويعنى العرب وكانوا قليلون جدا, إلا أنهم جعلوها خرابا.

– المناهج في كتب الجغرافية, ورد بها أن “الجولان” و”الجليل بأقسامه” من الأرض الإسرائيلية..

أما في المجال الأدبي، بداية نشير إلى سلسلة المغامرات “حسمبا” صدرت في عام 1950م, وحتى وفاة كاتبها “يغتال موسينزون” عام 1994م. وصدرت باللغة العبرية وأصبحت أكثر شيوعا من تلك القصص العالمية مثل “روبنسون كروزو” و”أليس في بلاد العجائب”.

وقفة لمضمون سلسلة “حسمبا”: تجلت فيما كتبه الباحث التربوي الاسرائيلى “أوريئيل أوفك”، بعد أن أمضى سنوات في تدريس أدب الأطفال في عدة جامعات. ذلك في كتابه  بعنوان “أعطوهم كتبًا” الصادر في 1978 عن منشورات “سفريات بوعليم”. وأشار إلى الملامح العنصرية للسلسلة، مستشهدا بما ورد فيها:

“.. هذه هي لحظاتنا الأخيرة، لن نستسلم للأسر. الموت أفضل من أن تصبح عبدًا. هل صدقت؟”. في أكثر الأشكال دهشة، دون أن يتبادلوا الحديث فيما بينهم، انطلقت من أفواه الفتيان الأبطال صرخة الحرب الشهيرة بمعنويات عالية يندر أن يحظى بها إنسان في حياته: حسمبا! حسمبا! حسمبا!” (وهى صرخة الحرب فى المعارك)..  هذه السطور المقتبسة من قصة “حسمبا في أسر الجيش العربي”(ص126) وقد علق الكاتب معترضا على تلك النزعة العدائية في أدب الطفل الاسرائيلى.

إجمالا الأهداف التربوية في الأدب الموجه للطفل العبري هي:

أولا: تزكية الروح الدينية.. بالتعريف للشريعة والأحكام اليهودية, وببعض الأيام لتعظيمها, مثل عيد السبت, وفيها يتبادل اليهود التهنئة بقولهم (نلتقي في العام القادم في القدس)(أنظر “هكذا يربى اليهود أطفالهم”- سناء عبداللطيف- ص94)

ثانيا: إحياء اللغة العبرية.. ففي قصة “فتيان بر يوحاى” يقول الكاتب: “كان ربى شمعون يجمع فتيان إسرائيل في تسبورى وفى الجليل ويغرس في قلوبهم الحب لشعبهم ولغتهم” (أنظر المرجع السابق ص109)

ثالثا: تشويه صورة العرب وغرس العدائية وبذور العنف.. من خلال:

– أن اليهود هم أساس التطور في فلسطين.. فلسطين والجولان أرضا يهودية, العرب محتلين للأرض, والفتح العربي غزو تاريخي.. العرب بدو رحل.. العرب  معتدين وقطاع طرق.. الجندي الصهيوني بطل أسطوري.. الفلسطينيين هم الذين هربوا من ديارهم.. العرب هم الذين يبدأون بالعدوان.

يقول “تسيبورا شارونى” (خبير تعليم اسرائيلى) في حديثه عن التوجه القومي في المدارس العبرية: “إن جميع الجنود ممن يؤدون الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة, أولئك الشبان الذين يسكنون أوريهودا… حيث عملية إحراق العمال العرب… إن ذلك كله نتاج مدرستنا.. نتاج البرامج التعليمية…” (أنظر:مجلة البيان, العدد 173, ص58)

رابعا: غرس مفهوم القومية اليهودية.. ففي قصة “حرب ثمار الصنوبر” كتبت الكاتبة “نعما لافين”: “لما أحس الأطفال بالخطر الذي تعرض له “زئيف الصغير”, حيث كاد ينكسر به جذع الشجرة, اجتمع الأطفال, ونزل القناصة من أعالي الأشجار وانضموا إلينا.. وقفنا جميعا حول الشجرة.. لم نعد مجموعتين.. لم تعد هناك روح الحرب التي تفرق بيننا.. إن القلق على سلامة “زئيف” وحد بيننا جميعا” (أنظر: هكذا يربى اليهود أطفالهم, سناء عبداللطيف, ص134)

خامسا: تمجيد فكرة البطل اليهودي.. “البطل” في الفكر الصهيوني هو البطل اليهودي القديم (في العهد القديم), ثم البطل الحديث الذي أقام دولتهم على الأرض الفلسطينية. ففيه فكرة القدوة للصغار, وبذر بذور التمثل بالمثل الأعلى.

يقول “بنيامين جلاى”: “إن العهد القديم يحتوى على بطولات كثيرة تعلم شبابنا منها القدوات والمثل العليا” (أنظر المرجع السابق ص149)

نخلص مما سبق إلى أن أدب الطفل العبري.. يتم كتابته بناء على إستراتيجية محددة.. أنه يرتبط بالمتغيرات السياسية على الأرض وفى الواقع.. انه أدب جيد بالمقاييس الفنية والتقنية وينجح في جذب الطفل غير العبري في العالم كله.. إلا أنه أدب يتسم بقيم العنف والعدائية تجاه العرب.. وأن أدب الطفل العبري يدخل ضمن منظومة أعلى وأكبر ضمن منظومة البلاد الإستراتيجية.. وليس من أجل الترفيه أو التسلية، أو حتى الثقافة فقط!

.. من هنا كان النظر إلى ما أكدته السيدة “علا عوض” رئيس جهاز الإحصاء الفلسطيني، أن هنالك حوالي 10.9 مليون نسمة عدد الفلسطينيين في العالم، منهم 4.0 مليون نسمة في الأراضي الفلسطينية، 1.4 مليون نسمة في أراضي عام 1948، في نهاية العام 2009 كما أنه سيتساوى عدد الفلسطينيين واليهود ما بين النهر والبحر بنهاية عام 2015… ذات مغزى خاص.(تم الإعلان بمناسبة الذكرى الثانية والستين- منذ عام)

واستعرضت السيدة “عوض”، أوضاع الشعب الفلسطيني عشية الذكرى الثانية والستين لنكبة فلسطين على النحو التالي:
الواقع الديموجرافي: بعد 62 عام على النكبة تضاعف الفلسطينيون 8 مرات
تشير المعطيات الإحصائية أن عدد الفلسطينيين عام 1948 قد بلغ 1.4 مليون نسمة، في حين قدر عدد الفلسطينيين نهاية عام 2009 بحوالي 10.9 مليون نسمة، وهذا يعني أن عدد الفلسطينيين في العالم تضاعف بنحو 8 مرات منذ أحداث نكبة 1948. وفيما يتعلق بعدد بالفلسطينيين المقيمين حاليا في فلسطين التاريخية (ما بين النهر والبحر) فإن البيانات تشير إلى أن عددهم قد بلغ في نهاية عام 2009 حوالي 5.2 مليون نسمة مقابل نحو 5.6 مليون يهودي، ومن المتوقع أن يتساوى عدد السكان الفلسطينيين واليهود مع نهاية عام 2015، حيث سيبلغ ما يقارب 6.2 مليون لكل من اليهود والفلسطينيين وذلك فيما لو بقيت معدلات النمو السائدة حالياً. وستصبح نسبة السكان اليهود حوالي 48.8% فقط من السكان وذلك بحلول نهاية عام 2020 حيث سيصل العدد إلى 6.8 مليون يهودي مقابل 7.1 مليون فلسطيني.

خاتمة..

بالنظر إلى واقع المتغيرات على المستوى العالمي والاقليمى والوطني بل والفرد (الفرد الفلسطيني والعربي) فى مقابل عدو متغطرس، ينظر إلى المستقبل برؤيته وحده ولصالحه.. بينما المعطى الديموجرافى يبرز القلي من الايجابيات. لا يبقى سوى الوعي بتلك المتغيرات ولعمل على توظيفها لصالح القضية الفلسطينية (شعبا وأرضا)، خصوصا أن سلاح الهيمنة الرحيمة نملكها كما يملكها غيرنا، وهذه هي أهمية وخطورة الثورة الرقمية.. تلك التي لم تعد جهازا للإرسال والاستقبال فقط، بل هي آلية للتفاعل والتأثير، فقط نحن فى حاجة إلى الوعي بما نملك من عناصر القوة لنعضدها، وعناصر ضعفنا فنعالجها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق