ثقافة السرد

للرّجال!

رشدي بن صالح سعداوي*

شعر ببلل بين فخذيه فأفاق من سباته يتحسّسه بيده. أشعل الفانوس الذي بجانبه، نظر في يده فإذا بها مكسوّة دما يميل لونه للبنّي. حار في الأمر. التفت وناداها، فلم تجب. كانت تغطّ في نوم عميق بعد يوم من التّعب و الشّقاء كباقي أيّامها. اشتدّ خوفه و هلعه فمسكها بيده وظلّ يحرّكها حتّى استيقظت. سألته متثائبة دون أن تفتح عيناها:
-ماذا بك؟
أجاب بصوت يملؤه الهلع:
-إنّي أنزف، أدركيني قبل أن أموت!
قفزت من مكانها، نظرت في وجهه ثمّ في يده المغطّاة دما و رفعت عنه الغطاء. اقتربت وتفحّصته مليّا ثم عاودت النّظر إلى وجهه، وضعت يدها على كتفه و سألته:
-هل أحسست بصداع منذ أيّام؟
أجابها نعم.
أضافت مستفسرة:
-و هل شعرت بانتفاخ أسفل البطن و في قدميك، وآلاما في مفاصلك و عضلاتك؟
أجاب:
-هو كذلك! هل الأمر خطير؟
قالت:
-انتظر، سأخبرك.
و أردفت:
-هل شعرت باكتئاب و عصبيّة في مزاجك و أرق و صرت سريع الغضب و الانفعال؟
أجاب مستغربا:
-كيف عرفت؟ هو بالضبط ما يحدث معي من أيّام! أخبريني لا تخفي عليّ، هل قربت ساعتي؟
ابتسمت و استلقت في فراشها وأجابته دون أن تنظر في وجهه:
-لا تخف، الأمر بسيط، إنّها فقط الدّورة الشّهرية!
قفز من مكانه و صاح:
-ماذا؟ ماذا؟ أعيدي ما قلت!
قالت:
-الحيض.
ثمّ أغمضت عيناها و خلدت للنّوم و تركته يتمتم كالمعتوه:
-شهرية.. دورة.. أنا.. حيض.. دم.. أنت..
و أجهش بالبكاء ليفيق من كابوسه و العرق يتصبّب منه. نظر إليها فوجدها نائمة كقطّة وديعة، فشكر الله أنّها لم تستيقظ لتراه في حاله تلك. فحديثها لا زال يتردّد في مسامعه. لكنّه فعلا يحسّ ببلل. إذا هي حقيقة، ليس كابوسا. تحسّس جسده، نظر في يده، لا دماء فيها! شمّها و قفز من فراشه مسرعا إلى الحمّام. لقد فعلها من شدّة الخوف و تبوّل في فراشه. يا للفضيحة. استحمّ مستعملا كلّ ما لديه من صابون معطّر حتّى استنفذه جميعا. تعطّر وتوجّه إلى المطبخ. أعدّ فطور الصّباح و حمله إلى غرفة النّوم. داعب وجهها بكلّ حنوّ لتستيقظ. فتحت عيناها لتجد الفطور و باقة ورد أمامه و هو بابتسامته يكاد يزقزق ليطربها في صباحها. استغربت الأمر فهو لم يفعلها و لا مرّة في حياتهما المشتركة. و لكنّها لم تسأله. تناولت فطورها و هي تفكّر فيما ينتظرها من مشاغل البيت و الأطفال بعد عناء العمل و المواصلات. و لتطرد عنها هذه الأفكار التي غيّمت عليها، طلبت منه أن يفتح التّلفاز. فعل و سرعان ما أغلقه. إنّها حصّة المرأة، و الحديث اليوم عن الحمل و الوضع و النّفاس. نظر إليها وقال:
-اليوم سأقوم بكلّ شؤون المنزل و الأطفال، بل كلّ يوم! لا تهتمّي

*رشدي بن صالح سعداوي-تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق