ثقافة السرد

هانم..

رشدي بن صالح سعداوي

عشاقها كثر، من مختلف الأعمار، و المستويات التّعليميّة والاجتماعية بل حتّى من الجنسين. يدفعون الغالي والرّخيص من أجلها، من أوقاتهم وأموالهم. هي أيضا تعشقهم، جميعهم، بل من فرط عشقها لهم تعدّهم عدّا، في سجلّات، ضمن بيانات دقيقة لا تفلت منهم دبيب نملة ولا خفقة صرصار. هي مهيكلة في عشقها لهم. لا تفلت منهم أحدا لكنّها تجعل منهم هرما. قاعدته عريضة ممتدّة الأطراف و قمّته مدبّبة ناتئة. قاعدته مرتبطة بالأرض نتيجة ثقل مسؤولية العشق. و قمّته تكاد تلمس السّماء، حلما و خيلاء. النّطّ و القفز من قاعدة الهرم إلى قمّته مباح و لكن لا يتقنه منهم إلّا بهلوان يحذق فنّ السّرك. والتّدحرج إلى القاعدة وارد إن لم تتقن فنّ المشي على الحبال.
… ثمّ يحدث أن يشتدّ الثّقل على قاعدة الهرم، فيتململ قليلا و تهتزّ الأرض تحت أقدامه نتيجة وجع ببطنها فتسمع لها ضراطا شبيها بطلق البنادق، و تشمّ رائحته فتحسبها قنابل مسيّلة للدّموع. و على حين غرّة و تحت الأضواء الكاشفة يترنّح الهرم و ينقلب. و”هانم” تنظر لهم في حالهم تلك. يقع بعضهم على البعض وقوعا خفيفا فيصيبوهم إصابات خفيفة. فيكتبون في سجلّ الجرحى. و يقع البعض على البعض الآخر وقعة شديدة فيدفنوهم تحت التّراب. فيكتبون في سجلّ الشّهداء. ثم يتعالى الصّراخ و العويل ويكثر النّطّ و القفز و التّدافع. و ما عاد يتّضح لك من كان تحت و صار فوق ومن كان فوق و صار تحت و من ظلّ تحت و من ظلّ فوق. هرم مقلوب. فإن كان الأوّل ساكنا كميّت لا يلتفت له أحد. فهذا مترنّح لا يهدأ، يتجمّع حوله الأجانب و يرشقونه جنيهات و فتات خبز و يصفّقون له فيزداد ترنّحا. ويغنّي جميعهم :
ديكتاتورية… وثورة… و دولة هانم!
أمّا هي فتقهقه عاليا وترقص لتقع فتموت.

رشدي بن صالح سعداوي-تونس

الصورة بعدسة المبدعة التونسية شذا الأبيض

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق