قراءات ودراسات

قراءة في خمس قصص للأطفال للكاتب أحمد طوسون

بقلم: عبد الله لالي

أحمد طوسون علم بارز في أدب الطفل ، وأنا أنّقب عن عالم كتّاب أدب الطفل كان لابدّ من المرور بحديقته السّاحرة ، وقطف زهرات منها ، فطلبت منه أن ينتقي لي منها ما يؤثر عنده ، فأجابني بلطف وأرسل لي خمسا من الزنابق البريّة المدهشة ، كانت أولاها ( قرن شطّة ملكا ) وكان قرنا لاذعا بحقّ ، بنكهة بهارات الفنّ الأصيل ، والأسلوب العلمي الدَّسِم.
فلنبدأ ( بقرن شطّة ) ..وهو من التوابل المحبّبة لدى الأطفال في القصص لا في الأطعمة:
1 – قصّة ( قرن شطّة ملكا ) .. أتعرفون قرن الشّطة ..؟ المصريّون يعرفونه بلا شك ، وكذلك كلّ من أدمن المسلسلات المصريّة في العالم العربي في السبعينيات والثمانينيات ، من القرن الماضي وما أكثرهم ، لكن هو الفلفل الحار على كلّ حال ، ونسمّيه في الجزائر (الحار) وحسب ، اختصارا لفعله المدهش في الألسنة ، وفي جعل الأطعمة شهيّة حتّى ولو كانت ( البغيض النّافع ) كما سميّ في السُّنة.
هي قصّة ( لذيذة جدّا ) ، كيف لا تكون كذلك وبطلها ( قرن الشّطة ) أو الفلفل الحار ..؟ !

القصّة النّاجحة:
أقول دائما أنّ القصّة الناجحة ( الموجهة للأطفال وحتى الكبار أيضا ) ، لابدّ أن تحتوي على عناصر الجذب المهمّة ، لا يمكن أن تسرد قصّة بصوت مبحوح ، وبلا تشويق أو إثارة أو بأبطال خاملين خامدين ، أنت تقتل حاسّة السّمع عند من يسمع ، وتفرض على القارئ أن يطوي غلاف القصّة بتأفّف وضَجَر ..
القصّة الناجحة لها عناصر كثيرة وأساليب متعدّدة ، يصعب تتبّعها جميعا ، لكن يمكن الإشارة إلى أهمها: ( الموضوع المختار بعناية ، الإثارة ، المغامرة ، الأبطال المتميزون ، الحبكة الجيّدة ، الحوار المشوّق والمستفزّ أحيانا ، الأسطورة ، الخرافة ..).
ويمكن أن نضيف إلى كلّ ذلك وبكل ثقة أسلوب السّخرية و( التنكيت المرح ) الذي طبع قصّة ( قرن شطّة ) لأحمد طوسون ، وأعتبر ذلك الأسلوب هو ( شطّة القصّة ) كلّها ، وقد أراد الكاتب أن يقدّم جملةً من المعلومات العلميّة الرّائعة في أسلوب فَكِه ومسلٍّ ، ومناسبٍ للفئة العمريّة التي هدف إليها وحدّدها في بداية القصّة ، وهي بين ( 6 و12 ) سنة.

تقع القصّة في أربع وعشرين صفحة ، مزدانة برسومات فاتنة ومغرية للأطفال ، من توقيع الرّسام عبد الرّحمن بكر ، ومراعاة لهذه الفئة العمريّة وازن الكاتب بين المكتوب والمرسوم ، بحيث يكون النّص القصصي مناصفة مع اللوحات الفنيّة المعبّرة ، واستخدم الألوان بدّقة عالية وبشكل فاتن.. !
وتروي القصّة ، التي تركها قرن شطّة نفسه في مذكراته ؛ نشأة الفلفل الحار ( قرن الشّطة ) وأنه جاء من السّودان إلى مصر عبر النيل ، مع قوارب السُّفن ، ولم يكن اسمه ( قرن شطّة ) وإنما سُمي بذلك في مصر، عندما التقى أوّل مرّة بفراشة في الحديقة فأراد اللَّعبَ معها ، فشعرت بِلَذْعَتِه وحِدَّته فقالت له:
” أنت تشبه كثيرا جدَّك قرن شطّة .. “
قرن شطّة هذا كان فلفلا صغيرا عاش خارج الصّوب ( المشتلة ) ، وكان لونه وشكله مختلفا تماما عن بقية الفلافل الأخرى التي نشأت في الصّوب ، وكانت ضخمة وخضراء اللون ، بينما كان قرن شطّة نحيلا أحمرَ اللّون..
وبعد حوارات مثيرة بين ( قرن شطّة ) وعائلته عائلة فلفيليا ، تمكّن من إقناعهم من أن يخرجوا من المشتلة ويعيشوا حياتهم الطبيعيّة ، وأن يكون لكلّ واحد منهم شخصيّته التي تميزه عن غيره ، وفي ذلك يقول المؤلّف:
” واكتشفوا حينها أنّ اختلافهم أضفى السّعادةَ والبهجةَ إلى حياتهم وصاروا يَعرفون بعضهم بعضا بألوانهم المميزة وأشكالهم المختلفة بعد أن كانوا متشابهين في كلّ شيء “
وكأنّ الكاتب يجسّد معنى قول الآية الكريمة:
” وكذلك جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ..” بمعنى من المعاني ، حتّى وإن كان الأمر يمس أفراد الأسرة الواحدة ، وما أفراد البشر إلا أفراد أسرة واحدة كبيرة ( كلّكم لآدم وآدم من تراب ).

قيم وأهداف تربويّة:
هذه القصّة تضمّنت جملة من القيم والأهداف التربويّة النبيلة، فضلا عن طابع التسلية والتّرفيه الذي تميّزت به ، ومن هذه القيم نشير إلى ما يأتي:
– ضرورة التميّز وإظهار المواهب الخاصّة التي تجعل لحياة الإنسان قيمة ، ولوجوده رسالة يؤدّيها في هذه الدنيا ، دون الحاجة إلى تقليد الآخرين أو أن يكون نسخة طبق الأصل عنهم:
” وعاش في الخلاء قرب الصوب الزراعية ينتظر بعض رذاذ الماء المتناثر ليرتوي، وبعض الأسمدة المتطايرة ليتغذّى وينمو.. مؤمنا أن يكون نفسَه مهما كانت النتيجةُ ، دون أن يقلّد أحدا ” ص 7
– أهميّة الأصدقاء واللّعب معهم والاستئناس بهم.
– حبّ الأسرة والتمسّك بالانتماء إليها دون خجل أو شعور بالنّقص مهما كانت حالة هذه الأسرة ( أفراد أسرة فلافيليا كلّهم كانوا ضخام الحجم وبلون واحد ( الأخضر ) ويعيشون فيما يشبه السّجن داخل المشتلة ).
– حبّ الاستطلاع والبحث عن المجهول لتعميق الفكر وتوسعة المعارف.
– احتمال كلّ ما يصدر من العائلة ، حتى ولو كان فيه سخرية أو يبدو أنّه إساءة في ظاهره ، مثل صبر فلافيلو على عائلته عندما سخروا منه ، وقالوا:
– ” انظر إلى نفسك يا فلافيلو ، لقد أصبحت تشبه ضفدعا سمينًا غير قادر على الحركة ” ص 13 وكان ردّ فلافيلو أن ضحك واعتبر الأمر دعابة ، بل ردّ الدّعابة بمثلها بكل روح مرحة:
” لكنّني أرى أمامي قطيعا من الأفيال الخضراء التي لا تكاد تستطيع الحركة من السّمنة ” ص 15,
وذلك يدلّ عل أنّ الحفاظ على الروابط العائليّة ، أهمّ من الغضب وتضخيم الأمور وإعطائها أكثر مما تستحقّ.
– حبّ النّاس لاسيما ( أفراد الأسرة ) ، هو الـمُلك الحقيقي وهو أعظم وأهم من مُلك السيّادة والتحكّم في النّاس ، يقول الكاتب معبرا عن موقف قرن شطّة عندما اقترح فلافيلو أن يكون ملكا عليهم لذكائه ومواهبه الرّائعة:
– ” لكنّ قرنَ شطّة رفض وقال إنّ أكثرَ ما يسعدُه أن يصبحَ ملكاً لقلوب أهل مملكته بما يستشعره من حبٍّ بين أفراد العائلةِ ” ص 24.

مصطلحات ومعارف علميّة:
في هذه القصّة كذلك يجد الطّفل جملة من المعارف العلميّة المفيدة له في دراسته وحياته بصفة عامة ، كما يكتشف بعض المصطلحات الهامة التي ستصادفه مستقبلا بلا شك ، وقد يكون مرّ به بعضها في دراسته الرّسميّة ؛ فتترسّخ وتثبت وتزداد وضوحا في ذهنه.
ومن تلك المعارف يمكن أن نسوق هذه النماذج :
– الحديث عن تاريخ الفلفل ( الشّطة) في مصر ومصدره الذي جاء منه ( السودان والهند ).
– ذكر ( الصّوب ) والمشتلة وكيف يزرع فيها الفلفل ويُعْتَنى به وتُضاف إليه الأسمدة لكي يكبر ويتضخم، حتّى يكون في مثل حجم الضّفدع.
– ذكر أنواع الفلفل وأشكالها وألوانها ( أخضر ، أحمر ، أصفر ).
– عمل المهندسين الزراعيين في القيام بمعالجة الشتلات، والسّعي إلى تحسين نوعيّتها وفق العلم الحديث.
– تضمين القصّة لحقّ من حقوق الإنسان الذي جاءت بها المواثيق العالمية ، وهو حقّ الحصول على اسم ، وهو حقّ دعا إليه الإسلام قبل ذلك بقرون طويلة.

البناء الفنّي في القصّة:
– استند الكاتب في قصّته هذه على بساطة اللّغة مع سلامتها ( لغة منتقاة بعناية ) ، مع الحرص على الشكل الدّقيق للكلمات ، وهو أمر في غاية الضرورة للأطفال في مثل هذه المرحلة العمريّة ( 8 إلى 12 ) سنة.
– اتخاذ أسلوب السّخرية اللّاذعة وهو أسلوب مشوّق ومحبّب لدى أغلب النّاس ، ويعتبر جاذبا للقراءة بالنّسبة للأطفال ، لأنّ فيه شيئا مختلفا ومميّزا ، وكأنّه يتناسب مع الموضوع نفسه ، فيه ( لذعة الشّطّة ).
– كما استخدم الكاتب شخصيّات غريبة وملفتة للانتباه ، وهي شخصيّات الخضار ( الفلفل ) ، وبعض الحيوانات مثل الفراشة والضّفدع.
– وعمد أيضا المؤّلف إلى التنويع بين السّرد والوصف والحوار ، وهي طريقة مهمّة جدا في تنويع أسلوب الحكي وإثرائه وإبعاد الملل عن القارئ ، وجاء من كلّ ذلك بِقَدْرٍ محدّد وتوازن مدهش.

القصّة الثانية (حكاية ريشة):
صدرت هذه القصّة عن الهيئة المصريّة العامّة للكتاب ، ضمن سلسلة كتب الأطفال ( سنابل ) ، وطبعت في سبع وعشرين ( 27 ) صفحة عام 2016 م ، مزدانة بلوحات فنيّة من توقيع الفنّانة رشا منير. وعلى خلاف القصّة السابقة ( قرن شطّة ملكا ) ، لم تحدّد الفئة العمريّة المستهدفة في القصّة ، لكن من خلال القراءة نستنتج أنّها الفئةُ نفسُها أي بين ( 6 و12 ) سنة تقريبا.
ملخص مفيد..
في هذه الحكاية الطريفة يعرّفنا الكاتب على حياة ريشة صغيرة من ريش ( الزّغب ) ، انزلقت من جسم طائر محلّق في الجوّ وبدأت رحلةً شيّقة لاكتشاف العالم.. وقد ألقت بها الرّيح إلى نافذة أحد البيوت حيث التقطها طفل ، وراح يلعب بها مرّة ، ومرّة أخرى يستخدمها ريشة للرسم ، فأثقلتها الألوان ومنعتها من الحركة والطيران ، ولكنّه حين غسلها وجففتها صديقته الرّيح ، استعادت حرّيتها ، وذهبت في مغامرة طويلة تكتشف فيها الحياة بكلّ تفاصيلها الجميلة ، وعندما عرض عليها فنان أن تكون ريشة عزفٍ، لعوده ، وعرض عليها كاتب أن تكون أداة كتابة يؤلّف بها إبداعه ، وعرضت عليها أمّ أن تكون ريشة في وسادة ابنتها الصّغيرة ، أو أن تزدان بها قبّعتُها ؛ رفضت كلّ ذلك ، وآثرت أن تختار حريّتها.
وكانت تتجوّل مع صديقتها الرّيح في كلّ مكان وتساعد الطيور على بناء أعشاشها ، ولكنّها ما تبرح حتى تطير في الفضاء الفسيح ، باحثةً عن المعرفة ، وتغني حياتها بالتجارب المفيدة.. مع محافظتها على أغلى ما يمكن أن يملكه المخلوق هو الحريّة.
” وقرّرت أن أبحث عن عمل مفيد لي وللآخرين ، ولا يحرمني من حرّيتي التي هي أغلى ما أملك ” ص2.

حكاية طريفة ومشوّقة:
قصّة تحبب الحياة للطفل ، وتجعله يتآلف مع كلّ الموجودات ، تعلّمه أهميّة الأسرة وأهميّة الحريّة ، وأهميّة مساعدة الآخرين والسّعي إلى إسعادهم ، كما تضيف إلى نظرته للحياة نظرة التمتّع برؤية الأشياء من علوّ كبير ، والاستفادة من كلّ ذلك..
إنّها حكاية تقدّم للطفل عدّة أهداف تربويّة ومعرفية ، نختار منها:
– فلسفة النّظر إلى الأشياء من حيث القرب والبعد ، وأننا نرى الأشياء البعيدة بشكل، وحين نقترب منها نراها بشكل آخر ، وهذا يجعلنا لا نتسرّع في الحكم عليها حتى نعرفها عن قرب.
– ازدياد السُّرعة عند الاقتراب من الأرض، وذكر الكاتب في ص 15 ، عندما اقتربت الريشة من الأرض وجدت أنّ سرعتَها قد ازدادت ، وهذه معلومة علميّة ، يلتقطها الطفل بشكل غير مباشر وتترسخ في نفسه.
– أهمّية الرّيش وفوائده ، إذ أنّه يصلح للرّسم وللكتابة ، ولأن يكون حشوا لوسادة أو أداة عزف على عود أو قيثار ، وفي بناء عش وغير ذلك..
– قيمة الحريّة في الحياة وأنّ البقاء في مكان واحد دون حركة يعتبر سجنا ، وكبحا لجماح المواهب والطّاقات ، استنطق الكاتب الريشة فقالت بعد تلطّخها بالألوان وعجزها عن الطيران:
” شعرت بالحزن والأسى – رغم ألوان قوس قزح التي غطّت لوني الأبيض – بعد أن فقدت حريّتي وقدرتي على الطيران والتحليق..” ص 20.
– تقديم حكمة كبيرة من خلال تجارب الحياة:
” وعرفت حينها أنّ أجمل ما في الحياة أن تكون حرّا بإمكانك التحليق والطيران في كلّ وقت “
وقيمة الحريّة قيمة إنسانيّة تتغنّى بها كلّ الشعوب ، ويدركها الطفل بفطرته ، ويمارسها بكلّ تلقائيّة وعلى سجيّته.
– كما نجد في هذه القصّة أهميّة الصداقة والتعاون متمثلة في العلاقة بين الرّيشة والرّيح ، وكذلك في مساعدة الرّيشة للطيور على بناء أعشاشها.
– أهميّة مساعدة الكبار للصّغار وذلك في حوار أجراه الكاتب بين الريشة والرّيح، جاء فيه:
” أنت ما زلت صغيرة.. ونحن دائما ما نحتاج مساعدة الكبار حين تقع مشكلة ” ص 22.
في القصّة أيضا معلومات علميّة عن الريشة الصّغيرة ( الزغب ) ، وهي ريشة لا تكاد ترى في الطائر، وخفيفة الوزن حتى أنّه يمكن أن تطيّرها نسمة هواء ، وهي التي يقال لها أيضا الخوافي في التراث العربي، وذكرها الشاعر بشّار بن برد في بعض شعره:
إذا بَلَغَ الرأيُ المَشورَةَ فاستَعِن * * بِرأيِ نَصيحٍ أو نَصيحَةِ حازِمِ
و لا تجعَلِ الشورى عَليكَ غَضاضَةً * * فإنَّ الخَوافي قوَّةٌ للقَوادِمِ

البناء الفنّي الجميل:
قد تتشابه بعض القصص في بنائها الفنّ من حيث الأسلوب السّردي أو التصويري أو الحواري ، ولكنها تتمايز بنكهة خاصّة يُضْفِيها الكاتب على قصّة بعينها ، ويخصّ بها حكاية دون أختها ، ففي هذه القصّة – فضلا عن المغامرة – نجد حضور ضمير المتكلّم الذي يمثل بطل القصّة نفسَه ( الرّيشة ) ، وتعبيرها عن نفسها وعن مغامراتها وكلّ ما يحدث لها خلال رحلتها الطويلة في البحث عن المعرفة ، مع التمسّك بحريتها والدّفاع عنها بكلّ قوّة.
ولذلك نجد الحوار نادرا في هذه القصّة ، لأنّ بطل القصّة يروي مغامرته بنفسه ويصف الأحداث وتطوراتها دون حاجة إلى اللّجوء إلى الحوار ، إلا مرّة واحدة في ص 22 ، ( حوار بين الرّيشة والرّيح ).
هذا أمر الأمر الثاني الطرافة في أن يكون بطل القصّة جماد لا يعقل ولا يدرك ، فيجعله الكاتب كائنا حيّا يسعى ويَصْدُر عنه ما يوحي بالحركة والحياة ، وفكرة أن نجعل من الرّيشة بطلا لقصّة ؛ فكرة طريفة تستهوي عقول الأطفال ، وتحمّسهم لقراءتها ومتابعة أحداثها بِشَغَف.
كما أنّ الكاتب عمد إلى تزيين الأسلوب السّردي بصور فنيّة جذابة ، وجميلة للغاية تخلب الألباب وتسبي العقول ، نقتطف منها هذه الباقات:
يقول في صفحة 15:
” ودفعتني الرّيح التي لا تكفّ عن المزاح ناحية وجهه فارتعد خائفا ظنّا منه أنّها حشرة صغيرة تداهمه..”
المشهد الجميل فيه تعبير مجازي لافت وهو وصفه الرّيح بأنها ( تمزح ) ، وفيه أيضا مشهد الطفل المذعور من ريشة تلتصق بوجهه ظنا منه أنّها حشرة ، وهذه الطريقة في السّرد ترتقي بذائقة الطفل وتجعل منه ، يقرأ القصّة بقلبه قبل عقله ، وبحسّه قبل أن يتهجى حروفها بلسانه ، ويرى المشاهد مجسّدة أمامه كأنّها فيلم سينمائي ثلاثي الأبعاد..
وهنا نقول:
أنّ هذه القصّة يمكن أن تتحوّل إلى رسوم متحرّكة ناطقة وتحقق النجاح والفوز يقينا ، لما تتمتع به من جودة الفكرة وطرافتها ، وطريقة العرض النّابضة بالحياة.. !
وليس بعيدا عن هذا المشهد نفسه يقول الكاتب على لسان الرّيشة ، لمّا طيّرها الطفل بنفخها في الهواء:
” فرفعتني أنفاسه الدّافئة إلى أعلى ” ويردفها بقوله ص 16:
” ورأيت ابتسامة جميلة تسكن عينيه “
والسّر في العبارة الأولى في كلمة ( الدافئة ) ، فلو أنّه قال ( أنفاسه ) وحسب لكان تعبيرا عاديا ، لكن كلمة ( الدافئة ) ، مزجها الكاتب بمشاعر ( الريشة ) وإحساسها المتوهّج ، فصارت كائنا حيّا يعي ويدرك..
وفي الجملة الثانية صنعت المفارقة الجميلة كلمة ( تسكن ) ، إذ أنّ البسمة أيضا تحوّلت إلى كائن حي آخر وسكن وجه الصّبي ، طبعا هذه الدلالات لا يدركها الطفل مباشرة ، ولكنه يستشعرها ويحسّ جمالها المدهش وهو يقرأ القصّة ويكتشف أحادثها.. !
يختم الكاتب قصّته بحكمة جميلة جدا ، كأنّه يريد لها أن تبقى عالقة في أذهانهم بعدما يطوون آخر صفحة فيها، وهي قوله على لسان الريشة ( بطل القصّة ):
” أجمل ما في الدنيا أن نبني أعشاشا تحتضن الحبّ والصّغار “
وفيها قيمة العمل والحبّ بين أفراد الأسرة ، وأهميّة الاعتناء بالصّغار ، وأنّ في ذلك السعادة الكبرى والطمأنينة الدائمة في الحياة.
3 – قصّة ( عرائس ندى ):
صدرت هذه القصّة عن ( مكتب التربية العربي لدول الخليج ) ، ضمن سلسلة الكتب الثقافيّة للأطفال المرحلة السّادسة ، عام 2014 م في حوالي اثنتي عشرة ( 12 ) صفحة ، الطبعة الأولى، مزدانة برسومات جميلة وكمّلة للنّص القصصي..
وللبنات نصيب ، فيمكن أن نخصّص هذه القصّة للبنات دون البنين ، لأنّ أبطال هذه القصّة الأساسيين ؛ بنات ، وموضوعها المباشر يخص البنات بالدّرجة الأولى ، ولكن في عمومه له دلالات قد تتعدّى إلى البنين ، هي تتحدّث بشكل مباشر عن رغبة ندى في اللّعب مع ( ريم ) بلعبتها ، ولكنّ (ريم) رفضت ذلك ، عندما رأت ندى فارغة اليدين لا تملك أيّة لعبة ، وتأثرت ندى بذلك ، وعادت إلى أمّها باكيةً..
وجدت الأم مخرجا لطيفا فصنعت لابنتها لعبة جميلة من جورب والدها القديم ، وتعلّمت ندى منها كيفيّة صنع اللعبة ، وعندما التقت بريم مجددا وجدتها حزينة ، لأنّ أخاها قد مزّق لعبتها ، فلما رأت ( لعبة ( ندى ) أعجبتها وطلبت منها أن تلعب معها بها ، فرحبت ندى بذلك وشاركتها اللعب ، فردّت بذلك الإساءة إحسانا.
وتطور الأمر إلى أن صارت ( ندى ) تصنع العرائس من قماش وتهديها إلى البنات اللواتي ليس لهنّ ألعاب ولا يستطيع أهلهنّ أن يشتروا لهنّ ألعابا بسبب قلّة ذات اليد ، ثمّ لما كبرت ( ندى ) افتتحت محلا لبيع الألعاب ، وتهدي منها لكلّ الأطفال الفقراء ألعابا بغير مقابل ، يجدونها أمام بيوتهم عندما يستيقظون صباحا .

الفكرة والرّسالة:
تحمل القصّة في ثناياها عدّة أهداف ورسائل تربويّة مهمّة للغاية ، أهمّها:
– مقابلة الإساءة بالإحسان، التخلّص من الأنانيّة ( مشاركة ندى للعب معها بلعبتها ).
– مساعدة الآخرين، لاسيما الفقراء منهم.
– التصميم على تحقيق الأحلام في أرض الواقع.
– يمكن أن نصنع من أشياء بسيطة جدا، ما نحقّق به سعادتنا وفرحنا ( صناعة دمية من جورب قديم).
– أهميّة اللّعب مع الأصحاب وقيمته.
البناء الفنّي في القصّة:
العنوان موجّه بالدّرجة الأولى إلى البنات ، وهذا شيء مهم للغاية ، بحيث تشعر البنت أنّ هذه القصّة تخصّها ، وتتحدّث عن عالمها الذي تحبّه وتؤثره ، كما أنّ كلمةَ ( عرائس ) لها فعل السّحر عند البنات الصّغيرات ، بالإضافة إلى اسم البطلة الجذّاب ( ندى ) ، وهو من الأسماء الموسيقيّة الرّائجة في التسميات الحديثة ، رغم أنّه اسم قديم وله جذور عميقة في التراث العربي..

شخصيّات القصّة:
الأطفال دائما يحبّون أن يكون للقصّة بطلا ، وبطل هذه القصّة هي ( ندى ) الفتاة الفقيرة ، التي لم يمنعها فقرها أن تكون مميّزة في هذه الحياة وأن تحقق أحلامها ، وقد تميّزت ( ندى ) بالطيبة وصفاء النّفس ، وتحلّت بروح التسامح مع صديقتها ( ريم ) ؛ الفتاة الأنانّية.
البطلة الثانية هي ( ريم ) ، كانت في البداية أنانية لا تحبّ أن يشاركها أحد اللعب بلعبتها ، لكنّها تأثرت وتغيّرت بعد ذلك بسبب موقف ( ندى ) المتسامح معها.
وهناك شخصيّات أخرى ( ضروريّة ) لتكمّل المشهد القصصي ، وكان لها دور ثانوي ، وهي ( منى ) و( زينب ) والأمّ وغيرها ..

الأسلوب السّرديّ:
زَاوَجَ الكاتب في هذه القصّة بين السّرد والحوار ، واعتمد لغةً سهلة بسيطة ، يمكن لأي طفل بين السَّادسة والثانية عشرة أن يستوعبها ويهضمها بكلّ يُسر ، وابتدأ السَّرد فيه بجملة فعليّة (خرجت ندى لتلعب مع أصدقائها ) ، يعني صَنَعَ الحدثَ من أوّل وهلة ، وعادة ما يستثقل الأطفال الجمل الاسميّة ، التي تحتاج إلى ما بعدها ويستلزم فك شيفرتها غالبا ، كما أنّ هذه الجملة تضمّنت أمرا محبّبا ومشوّقا لدى الأطفال ، وهو اللّعب.
لم يهمل الكاتب الوصف أيضا ، فله أهمّيته الكبيرة في عمليّة الحكي ، على أن لا يزيد عن حجمه المطلوب، فالأطفال يؤثرون الحوار والأحداث أكثر مما يؤثرون الوصف ، لكنّ الوصف إذا جاء بمثابة اللّحمة التي تربط بين الأحداث ، وتكون واحة استراحة بعد الحوار الطويل ، يكون في محلّه ومكانه المطلوب.. !
ومن بين مشاهد الوصف الهامّة نأخذ عيّنة من بداية القصّة ، ونتعرّف على بعض عناصره الجذّابة ، يقول الكاتب:
” وجدت الأولاد يلعبون بالكرة، أمّا البنات فجلسن فوق مقاعد الحديقة، مع كلّ واحدة منهنّ لعبتها، ” منى ” معها علبة ألوان وورقة رسمت فوقها شجرة ، ثمّ سقتها بالماء حتّى تكبر وتنمو أزهارها الملوّنة.
” زينب ” أحضرت مكعّباتها الملوّنة وصنعت منها هرما صغيرا ، وقالت:
إنّها ستضع كلّ يوم مكعّبات جديدة فوق هرمها الصّغير حتّى يصبح أكبر أهرامات الدنيا “…
في هذا المشهد يصف الكاتب مسرح اللّعب ( الحديقة ) ، ويبين بماذا كان يلعب كلّ طفل ، لم يفصّل في ألعاب الذّكور لأنّهم غير مقصودين هنا ، ولذلك انتقل إلى ألعاب البنات وتحدّث عن كلّ واحدة بما تلعب به ، ليقدم لنا في نهاية المطاف مشهدا سينمائيّا ساحرا ، ولم يكتفِ بالوصف وحسب ، بل مزجه بالخيال المجنّح.. !

عجينة الخيال:
الخيال عنصر لا تستغني عنه أيّ قصّة مهما كانت واقعيّة ، أو ناقلة للأحداث بأمانة وصدق ، والخيال يؤجج العواطف ويحفّزِ الهممَ على متابعة القراءة واكتشاف بقيّة الأحداث المشوّقة ، ولذلك عندما قال الكاتب واصفا ماذا كانت تفعل منى:
” منى ” معها علبة ألوان وورقة رسمت فوقها شجرة ، ثمّ سقتها بالماء حتّى تكبر وتنمو أزهارها الملوّنة “. فالرّسم رغم أنّه مشوّق ومحبّب لدى الأطفال ، لكن عندما نجعل منه مشهدا حيّا قابلا للنمو والتغيير ، يكون الأمر مختلفا وساحرا ، فهذه الأشجار التي رسمتها منى ، جعلها تسقى بالماء وكأنّه ماء حقيقي ، كما جعل أزهارها تنمو ، لم يقل أنّ الأشجار بها أزهار نامية ، بل هي تنمو ، وكأنّها أزهار حقيقيّة في حديقة ، وذلك هو الجديد ، والمختلف في عمليّة السّرد التي عمد إليّها الكاتب.
وأكثر من ذلك جعل من الأهرامات التي ركّبتها زينب من مكعّباتها ( الجامدة )؛ جعلها تكبر هي الأخرى عندما تضيف إليها كلّ يوم مكعّبات جديدة ، ولعلّ الأمر يبقى عاديّا نوعا ما ، لكنّ الكاتب أضاف إلى ذلك في فقرة أخرى قائلا:
” وكانت زينب تبني بمكعباتها مدرسة لتتعلّم فيها وتصبح طبيبة لتداوي المرضى وتخفّف من آلامهم. “
وقبل ذلك وصف منى مرّة ثانية وقال:
” كانت منى ترسم نهرا وتمسك بصنّارتها كي تصطاد الأسماك في النّهر..”
فنلحظ أنّ الرّسم ( في خيال الطفل ) قد يتحوّل إلى مشهد حقيقي ، إلى نهر يمكن أن نصطاد منه السّمك، أو مدرسة حقيقية يمكن أن ندرس فيها.. !
هذا السّرد ( الوصفي ) المعجون بالخيال يجعل من النّص القصصي شيئا مختلفا ، جذّابا ، مشوّقا ، مبهرا يشدّ الطّفل شدّا ، فلا يبرح مكانه حتى ينهي قراءة القصّة ، ويشتاق إلى قراءتها مرارا ، وحتى الطفل الذي يسمع النصّ ( سردا ) ، يحظى بالأثر نفسه ويتلقّى دفق الجمال ذاتَه وربّما أكثر.. !
القصّة الرّابعة ( 04 ) أحلام السيّد كتاب..
طبع هذا الكتاب في طبعته الأولى عام 2009 م عن دار روائع مجدلاوي بالأردن، في حدود ثلاث وثلاثين ( 33 ) صفحة، ضمن برنامج ( اكتب ). مزدانا برسوم للرّسامة ديما شقاقحة ، وقد حاز الكتاب على جائزة الدّولة الشجيعيّة في الرواية الموجهة لليافعين ، ويبدو أنّ هذه القصّة تهدف إلى مخاطبة فئة عُمْريّة أكبر من سابقاتها ( حكاية ريشة / عرائس ندى / قرن شطّة ملكا ) ، وقد تهدف إلى مخاطبة الفئة التي بين الثانية عشرة والسّادسة عشرة، أو نحو ذلك ، لأنّ المدارك العقليّة والبيئة الثقافيّة ، ومستوى التعليم يساهم إلى حدّ كبير في تباين الفئات العمريّة.. ! ولذلك كانت أطول نسبيّا من سابقاتها ، سواء من حيث عدد الصّفحات ( 33 ) صفحة أو من حيث حجم المكتوب ، أو مستوى اللغة.

ملخّص مفيد:
القصص التي يكون محورها الكتاب تستهويني باستمرار أكثر من غيرها ، وقصتنا هذه تتحدّث عن مغامرة (البطل ) يقظان ، الذي هو بطل المغامرات القصصيّة داخل الكتاب، لكنّه فجأة شعر بالملل والضّجر، بسبب ما شعر به من ركود ورتابة صارت تطبع حياته داخل الكتاب .. ! كما شعرت حيوانات الغابة داخل الكتاب بالأمر نفسه ، وعملت على الخروج من الكتاب ، وكان الكتاب داخل مكتبة ورثها يوسف وأمّه من أبيه المتوفي ، وحاول أحد السّماسرة شراءها بأبخس الأثمان ليبيعها للمقنّع .. الذي كان يكره الكتب ، ويحاول إخلاء الأرض منها ، حتى يحرم النّاس من فوائدها..
وفي مغامرة طويلة تخرج الحيوانات والكتب من المكتبة ، وتنتشر في شوارع المدينة ، ويطاردها المقنّعون ، لكن في النهاية تنجو الحيوانات والكتب ، من شرّ المقنعّين بمساعدة يوسف وريث المكتبة وقاضي المدينة الذي يحب قراءة الكتب منذ صغره.
الفكرة غريبة وعجائبيّة كلّها تدور حول أهميّة الكتب وفوائدها ووجوب الحفاظ عليها، وتجعل الطّفل يتعلّق بها ويسعى للحفاظ عليها وحمايتها..

القيم التربويّة:
– حبّ الكتاب والتعلّق به والمحافظة عليه.
– تنميّة غريزة حبّ الاكتشاف والمغامرة.
– تغذية الخيال واستخدامه في حلّ المشكلات العويصة ، وقد أشار إلى ذلك بوّاب العمارة عندما طلب منه يقظان إخراجه من الكتاب ، فقال:
” أنت ُ تحتاج إلى شخص ذي خيال واسع “
– احترام قوانين المرور حتّى في عالم الخيال.
– العدل في القضاء وإنصاف المظلومين.
– المقارنة بين الحياة الخيالية والحياة والواقعيّة
– السعي للقيام بعمل مفيد ، يقول الكاتب على لسان الأسد ص 12:
” إنّنا لا نستشعر قيمة حياتنا إلا بما نقوم به من عمل مفيد لنا ولمجتمعنا ..”
– معلومات ثقافيّة متعدّدة ، مثل قصّة التتار مع إغراق الكتب في نهر دجلة ، وقصّة نيوتن والجاذبيّة، وذكر عدّة عبارات حول حقوق الإنسان.
إلى غير ذلك من الأفكار الكثيرة والمتنوّعة التي تعالجها القصّة وتنبّه فكر الأطفال إليها ، ويمكن أن ندرج القصّة ضمن قصص الواقعيّة السّحرية التي يمتزج فيها الواقع بالخيال ، والحقيقي بالخرافي ، وإضفاء الحياة على كائنات جامدة ، وتستنطق حيوانات غير العاقلة ، وهي تقترب في بعض مشاهدها من أفلام والت ديزني الشهيرة الموجّهة للأطفال.

البناء الفنيّ وتقنية الحكي:
هذه القصّة اعتمدت بالدّرجة الأولى على الخيال المجنّح الذي من شأنه أن يستهوي الأطفال ، ويغريهم بالقراءة واستكشاف الأحداث ، ثم عمد الكاتب بعد ذلك إلى التنويع في الأحداث ، واستخدام الحركة السّريعة ( الأكشن ) الذي يلقي بالمتلقّي في بوتقة الأحداث بأنفاس لاهثة وقلب يدقّ بعنف.. !
ونوّع كذلك في طريقة السّرد بحيث توفّر في النّص ؛ الوصف والحوار ( الثنائي والذّاتي ) ، تعدّد الشخصيّات، إذ بلغت حدّها الأقصى ، فتجاوزت عشر شخصيّات من مختلف الطبقات العمريّة والجنسيّة، أطفال ، شيوخ ، نساء رجال ..
شخصيّات القصّة: ابتدع الكاتب في هذه القصّة عددا كبيرا من الشخصيّات ، تجاوز العشرة ، منها الشخصيّات الطبيعيّة ( الواقعيّة ) مثل ( العمّ بيومي بواب العمارة / أم يوسف ( عفاف )، يوسف ابن صاحب المكتبة / زينب / الأستاذ عادل مدرّس الرّسم / القاضي / السّمسار )، وهناك شخصيّات خيالية مثل ( يقظان / الكتاب / القرد المهذار ( بهلوان الغابة ) ، الزرافة / ملك الظلام والسّمسار ، شخصيّات المقنّعين / شخصيّة الهدهد الطيار ).
وهذا التّعدد والثراء في الشخصيّات جعل منها غنيّة وثريّة بالحركة والأحداث ، كما أنّ أبطال القصّة تعدّدوا أيضا ، فلم تنحصر البطولة في شخصيّة واحدة ، ويمكن أن نحصي ثلاث شخصيّات تتقاسم البطولة على الأقل: ( الكتاب / يقظان / يوسف ).. وبذلك يمكن للطفل أن يقرأ القصّة عدّة مرّات دون أن يشعر بالملل أو السأم.. !

المعجم اللغوي:
نلحظ في هذه القصّة أيضا ( أحلام السيّد كتاب ) أنّ الكاتب أثرى نصّه بطائفة قويّة من الألفاظ التي قد تحتاج إلى الاستعانة بالقاموس لفهمها ، ولو أنّه ذيّل القصّة بشرح لبعضها لكان أحسن ، ومن تلك الألفاظ نجتزئ بما يلي:
🙁 وارفة / تتراءى / رجّ / وتيرة / هرش ص 5) ، ( الوسن ص 14 ) ، ( فغر ، ص 08 ). فأمثال هذه الألفاظ تحتاج إلى تفسير لدى أغلبية الأطفال ، لأنّها من القاموس اللفظي للكبار ، وهذا هدف تربوي وتعليمي ، لا ينبغي أن تخلو منه أية قصّة من القصص ، لأنّ إثراء لغة الطفل أمرٌ أساسيّ وضروريّ واللغة في حدّ ذاتها ، هدف من أهداف السّرد القصصي… !

طرافة الأسلوب:
وهي ميزة تكاد تطبع كلّ القصص التي كتبها أحمد طوسون ( على الأقل من العينات التي اطلعنا عليها ) ،
ومن نماذج الأسلوب الطّريف الذي طعّم به المؤلّف أحداث القصّة ؛ هذه العبارات:
في حوار يقظان مع بواب العمارة الذي يظنّه عفريتا ، إذ يغيّر له اسمه ، فيقول:
” وماذا تريد منّي يا فهمان ؟ “
– ” يقظان ..اسمي يقظان “
– فهمان ، يقظان ، لا يهمّ.. لقد أفزعتني ..” ص 8
وفي صفحة 12 عندما تخرج الحيوانات من الكتاب وتقفز إلى قاعة المكتبة المظلمة ، يقع بينها الحوار الطريف التالي ، وكأننا نشاهد رسوما متحرّكة على التلفاز:
– ” آه … حذار … فإنّ حوافرك تدهس قدمي.. “
– ” ابتعد بقرونك فقد كادت تبقر بطني ” ….
– لم تثيرون جلبة ؟ ! … لقد استطعت الوصول إلى قمّة شجرة والاحتماء بها “
– ” من قال أنّ رقبتي أصبحت شجرة ؟ ! “
– أبعد أصابعك عن عيني حتّى لا تفقأهما “
حوار يمثل الرسوم المتحرّكة الحديثة بشكل مذهل ، وفيه لمسات هزليّة محبّبة ، وصور فنيّة بديعة.
الخيال : نصف أفكار وأحداث القصّة خياليّة ، ولا نقصد هنا الخيال ، بمعنى ابتداع الشخصيّات والأفكار والأحداث ، ولكن نقصد أنّها غير ممكنة في الواقع ، يعني هي مجرّد خيال لا يمكنه أن يحدث إلا أنّها تنمّي قدرة الطّفل على التصوّر ، وتشبع نهمه لغير المعقول ، والاطلاع على عوالم غريبة.. وهناك عبارات في القصّة تدلّ على ذلك بكلّ وضوح ، ويعرف الطّفل أنّها غير حقيقيّة ، لكنه يستمتع بذلك ويحبّه ، يمكن أن نذكر منها هذه الأمثلة:
يقول الكاتب في صفحة 5:
” نهض واقفا وأخذ نفسا عميقا وقال بأسى: ” ما أصعب الحياة كشخصيّة خيالية داخل كتاب !!؟ “
يلاحظ القارئ – لاسيما الطّفل – أنّ الكاتب جعل شخصيّة خيالية في كتاب للأطفال ، تتحدّث وتعبّر عن نفسها ، وتتذمّر من بقائها شخصيّة خياليّة داخل كتاب ، وهذا شيء مستفزّ للخيال في حدّ ذاته ، صادم للعقل مغذّ للرؤى والتصوّرات والمشاعر الجيّاشة.. !
ويقول في صفحة 12:
” وفجأة هبّت دوّامات هوائيّة قويّة وسحبت الحيوانات بعيدا عن صفحات الكتاب ، وألقت بها خارجه “
وهذا منتهى الخيال إذ يصوّر المؤلّف أنّ دوّامات من الهواء تحوّل الشخوص التي في الكتاب إلى كائنات حيّة حقيقية ، وتخرجها من عالمها الورقي ، إلى فسحة الدنيا ورحابتها لتقوم بمغامرتها هناك..

الصور الفنيّة الجميلة:
تزيّنت القصّة أيضا بعدد من الصّور الفنيّة الجميلة التي ينبغي الوقوف عند بعضها ، للتعرّف على خصائص أسلوب الكاتب وطريقته الجميلة في السّرد ، ومن تلك الصور استوقفتني هذه:
يقول الكاتب في صفحة 13 عندما تحدّث عن إشعال زرّ الكهرباء في المكتبة وانتشار النور فيها:
” وفي لحظة فرش النّور المكان وعجزت الحيوانات عن التّحديق في النور لأوّل وهلة ..”
وطبعا السّر في هذه الجملة يكمن في كلمة ( فرش ..) ، إذ جعلت هذه الكلمة من العبارة شيئا مذهلا ، وكأنّها الكلمة السّحريّة التي تعبّر عن حقيقة انتشار النور فجأة داخل قاعة المكتبة.
وفي صفحة 14 يذكر الكاتب طلوع النّهار فيقول:
” تثاءبت الشمس ونفضت عن عينيها الوسن ، وبعثت بخيوطها البرّاقة تحلّق بأجنحة تسابق الفراشات ، لكنّ النّسيم البارد سبقها وداعبَ الوجوه فاستيقظ الصّباح “
هذا مشهد جمالي فتّان ، ساهمت في تشكيله التعبيرات المجازية الموفقة من طرف الكاتب ، إذ جعل الشمس تتثاءب وكأنّه إنسان عند استيقاظه ، ووصفها بأنها تنفض عن عينيها الوسن ، أيضا مثل البشر تماما ، وجعل خيوطها تحلّق ولها أجنحة مثل الفراشات تماما.. !
ويختم المؤلّف قصّته الرّائعة هذه ، بعبارة جميلة وقويّة ، تكون عبرة وخلاصة مفيدة لكلّ قارئ ، يقول فيها:
” واختارت مكتبة الحي ( يقصد أم يوسف ) الذي تسكن فيه ، ليستمتع أطفال الحيّ بما فيها من حكايات ومغامرات مدهشة ، ويستفيدوا من علومها ، لتبقى الكتب منارة علم وهدى ، ينهل منها طلاب العلم والمعرفة في كلّ مكان ” .
القصّة الخامسة ( 05 )
ختام قراءاتي في قصص كاتب الأطفال المصري الأستاذ أحمد طوسون هي قصّة ( السّلاحف يمكنها أن تطير ) ، ولم أقصد أن أتركها للنهاية ، وإنّما كان ذلك من تدابير القدر ، وقد تكون أروع قصص المجموعة – على قصرها – وأكثرها فائدة وحكمة.. وهي في حدود ثمان عشرة ( 18 ) صفحة ، من إصدار الهيئة المصريّة العامة للكتاب ، القصّة موجّهة إلى الأطفال من فئة بين 6 و12 سنة ، وأعدّ لها الرسومات نجوى شلبي ، وذكر المؤلّف أنّ العنوان ( للأمانة العلمية ) ، مقتبس من الفيلم الإيراني (turtles can fly ).

زبدة الحكاية:
بين زحاف ( المشي البطيء ) وزحاف ( الجندي الذي يزحف على العدوّ ) ؛ تطابق كبير في اللّفظ واختلاف جذري في المعنى والدّلالة ، سلحفاة قرب شاطئ البحيرة تفرح بفقص بيضتها وخروج ابنها منها ، الذي سمته ( زحاف ) وعندما سُئلت عن معنى ذلك الاسم أحالتهم إلى الدّيك الذي عنده قاموس اللغة، فأخبرهم الدّيك ، أنّ للاسم دلالتين ، الأولى بمعنى البطء والثانية ؛ الزحف على العدوّ..اختارت السلحفاة المعنى الأوّل الذي يناسب أكثر ابنها ، لأنّ السلاحف أبطأ الحيوانات.
وجاء العقاب إلى الشاطئ الذي تسكن فيه السلحفاة وأراد الحصول على كنوز ملك البحار ، ليصبح أغنى مخلوق على وجه الأرض ، لكنّه لم يستطع الغوص في أعماق البحيرة ، فخطرت في ذهنه حيلة ماكرة ، إذ قام باختطاف ( زحاف ) الصّغير ابن السّلحفاة ، وطلب منها أن تستخرج له كنوز ملك البحار لكي يرجع لها ابنها ، فوافقت السلحفاة على شرط أن يعطيها مقابل كلّ جوهرة تأتيه بها ريشة من ريشه ، ووافق العُقاب الطّماع المغرور الشّرط بغير تفكير.. !
وبمرور الوقت حصل العُقاب على جواهر كثيرة من كنز ملك البحار ، لكنّه في النهاية فقد ريشة كلّه وعجز عن الطيران ، وصار ضعيفا يتخبّط على شاطئ البحيرة ، واستطاعت السلحفاة الطيران بريش العقاب ، وأن تسترد ابنها ( زحاف ) وكنز ملك البحار في وقت واحد.

أهداف تربوية وثقافيّة:
نلاحظ في كلّ قصص أحمد طوسون ذلك التنوّع والغنى في قصصه ، إذ يمكن أن نجد الفوائد التربوية والعلميّة والثقافيّة ، واللغويّة ، فضلا عن التسلية والمرح البريء الذي يحتاج إليه كلّ طفل ، ويشوّقه لقراءة القصّة بحماس. ومن تلك الفوائد نذكر أهمّها:
– عاقبة الطمع والغرور ، ويتجلّى ذلك في مصير العُقاب المغرور والمخادع الذي أراد أن يستولي على كنوز ملك البحار ، فهزمه أضعف حيوان وهو السّلحفاة ، يقول المؤلّف في ختام القصّة:
” بعد شهور وربما سنوات شاهدت كائنات البحيرة العقاب الشرير عاريا من ريشه، يترنّح على الشاطئ ولا يستطيع الطيران “.
– الضّعيف إذا كان صاحب حقّ لن يعدم حيلة في استرجاع حقّه ، إنّما يلزمه الإرادة والتصميم. وذلك ما دلّت عليه أحداث القصّة ، عندما قال الكاتب:
– ” أما السلحفاة فرأوها تخرج من جحرها وقد اكتست بالريش وصنعت جناحين كبيرين حلقت بهما وطارت عاليا وحطت فوق شجرة العُقاب واحتضنت صغيرها ثم هزت فروع الشجرة فتساقطت الكنوز التي احتفظ بها العُقاب في عشه على الأرض “
– حبّ الوطن والحفاظ عليه أهمّ من كلّ كنوز الدنيا ، وظهر ذلك من خلال إجابة كائنات البحيرة وأسماكها ، عندما طلب منها العقاب أن تسلّمه ( كنوز ملك البحيرة ) :
” البحيرة وطننا.. ولا أحد يبيع وطنه مهما كان الثمن “
– ميلاد صغير جديد ومجيئه إلى الحياة ، أعظم هديّة في الوجود ، وأحلى مشهد يمكن أن يراه الإنسان، ومثال ذلك ( ميلاد السلحفاة زحاف بخروجه من البيضة ) ، وتعليق الكاتب بقوله:
” فلا يوجد أجمل من خروج مولود جديد إلى الحياة “
– بعض المعارف العلميّة والثقافيّة ، مثل التعرّف على أنّ السلاحف نوعان ( بحريّة وبريّة ) ، وأنّها تضع بيوضا على شاطئ البحيرة ( أو البحر ) ، فتفقس وتخرج منها صغارها.
– أهميّة القاموس اللغوي والبحث فيه عن معاني الكلمات الصّعبة ، والتعرف على أكثر من معنى لكلمة واحدة ، مثل كلمات ( زحاف ):
” إنه معجم في اللغة العربية يسمى لسان العرب ، ولا بد أن نجد فيه المعنى المطلوب.
قلب صفحات كتابه، ثم قرأ في مادة زحف:
( زحَف إليه يَزْحَف زَحْفاً وزُحُوفاً وزَحَفاناً: مَشى.. والزَّحْفُ: الجماعةُ يَزْحَفُون إلى العدُوِّ.. والزَّحْفُ: المشْيُ قليلاً قليلاً ).
– أهميّة المطالعة وفوائدها وتمثل ذلك في الإشارة إلى الدّيك الذي يحبّ القراءة كثيرا:
– ” أنا أيضا لا أعرف معناه.. سأسأل الديك الفصيح وأخبرك
فهو لا يكفّ عن القراءة ولا بد أن أجد عنده إجابة.
الديك الفصيح أخرج كتابا من مكتبته العامرة التي تستطيع أن تجيب عن أي سؤال.
أخرج نظارته وأشار إلى الكتاب وقال: إنه معجم في اللّغة العربية يسمى لسان العرب ، ولا بد أن نجد فيه المعنى المطلوب “.

شبكة البناء الفنّي:
كعادته في قصصه الأخرى يعمد أحمد طوسون إلى التنويع في حياكة نُسُج قصصه الفنيّة ، وتقديمها للطفل بأبرع أسلوب وأجمل صورة ، فيراوح بين السّرد والوصف والحوار والتصوير الفنّي ، وقد استهلّ قصّته بهذه الصورة الجميلة:
” شاهدت السلحفاة رمال الشاطئ تتحرك وفرخها الصغير يخرج من بيضته.
تأملت ابنها وشعرت بسعادة غامرة، فلا يوجد أجمل من خروج مولود جديد إلى الحياة “.
هذا المشهد كأننا نراه ، يبدأ بمنظر عام لرمال الشّاطئ وهي تتحرّك ( إثارة ) ، ويخرج منها صغير سلحفاة متطلعا إلى الحياة الجديدة ، فأضفى ذلك سعادة كبيرة على أمّه السّلحفاة الكبيرة .. وفي مشهد آخر يقول:
” على شاطئ البحيرة كانت السلحفاة تلعب مع صغيرها وتعلمه كيف يسبح في البحر وكيف يحفر حفرة في الشاطئ ويتخذها بيتا “.
مشهد ثان رائع يجسّد علاقة الأم بصغيرها وكيف تعلمه أبجديّات الحياة الأولى ، يصلح – مثله مثل المشاهد الأخرى – إلى أن يحوّل إلى رسوم متحرّكة تقدّم على شاشة التلفاز.. !
كما طعّم الكاتب قصّته بعدد من الحكم والعِبر التي تستخلص من الأحداث ومغزاها ، نذكر منها:
قوله:
” – لا يوجد أجمل من خروج مولود جديد إلى الحياة.
– اليأس هو أسوأ عدو.
– فعندما تكون صاحب حق وتسعى للحصول عليه تنبت لك أجنحة
– لا تطمع فيما ليس لك حق فيه.
هذه العِبر والحكم المستخلصة من أحداث القصّة ، ترسخ في أذهان الأطفال شيئا فشيئا وتصبح من مكوّنات شخصيّاتهم ، وتصير بمثابة الرصيد الذّهبي الذي يُعنيهم على السير في درب الحياة الطويل.
كما اعتمد أيضا على الخيال باللجوء إلى استخدام الحيوانات ، وجعلها أبطالا لأحداث القصّة ، تفكر وتتكلّم وتعبر عن مشاعرها وأحاسيسها ، التي هي في الأساس ميزة تفرّد بها البشر ، وجعل من السّلحفاة تضع على جسمها ريش العُقاب وتطير به إلى عشّه لتسترجع ابنها ( زحاف ) وكنز ملك البحار ، لتعيده إلى مكانه في أعماق البحيرة ، بمساعدة بقيّة السّلاحف الآخرين.
وفي القصّة لفتة أدبيّة رائعة تتعلّق بالجناس اللّفظي لكلمة ( زحاف ) ، الذي قنعت السلحفاة في بداية القصّة بدلالته الأولى ، أي بمعنى ( المشي ببطء ، أو شيئا فشيئا ) ، ولكن عندما امتلكت الإرادة والتصميم واستطاعت إنقاذ صغيرها في نهاية القصّة فضّلت أن يكون لاسمه المعنى الثاني وهو:
” كلما سأل أحدٌ السلحفاة عن معنى اسم صغيرها، تبتسم وتقول بثقة:
– الزَّحْفُ: الجماعةُ يَزْحَفُون إلى العدُوِّ ليدرأوا عن وطنهم الأخطار! “
وهذه خاتمة رائعة ، ذات دلالات عميقة ، يمكن أن تختم بها القصّة ببراعة فائقة وتخطيط محكم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق