حوارات المجلة

الأديبة السعودية د.زينب الخضيري للمجلة الثقافية الجزائرية: أنا ضد تأنيث الأدب وحصره في مجرد حقوق للمرأة

ضيفتنا د. زينب الخضيري مبدعة سعودية متعددة الآفاق، فهي روائية وكاتبة صحفية وأستاذة جامعية وناشطة في المجال الثقافي .. وما يميز تجربتها الإبداعية تركيزها على قضايا المجتمع برؤية فلسفية خاصة تثير الأسئلة الوجودية وتستدرج القارئ نحو اليقظة.. من مؤلفاتها: (فيروز وشوارع الرياض، رجل لا شرقي ولا غربي، توقيع سيدة محترمة، خاصرة الضوء.. وغيرها). المجلة الثقافية الجزائرية تضيء على هذه التجربة من خلال هذه الفسحة من السؤال والجواب:
حاورتها: باسمة حامد

ثنائية الفلسفة والسرد

المجلة الثقافية الجزائرية: نلاحظ أن كتاباتك تنطلق من ثنائية (الفلسفة والسرد).. فهل يصعب عليك التعامل مع الكتابة بعيداً عن التفكير الفلسفي؟
د. زينب الخضيري:
في الواقع أنه لا توجد أي نظريات أو معادلات رياضية تعلمنا كيف نكتب أو نحس ولكني متأكدة أن بداخل كل واحد منا فيلسوف يمهد له طريقة. والفيلسوف يدرس بنية الفكر كما يقول (سايمن بلاكبرن) لأن الفلسفة تكتسب مهارة التفكير فهي تعطي معرفة بالكيفية التي نكتب بها، فالكتابة تستدعي المزيد من التفكير والفلسفة تعالج الكتابة بشكل عميق. مثلاً تكتبين رسالةً في مكانٍ عام كالطائرة، ولمن سيجلس بعدك تتركين له ورقة مكتوب فيها: “عش كما لو أنك الإنسان الأول، تكتشف النار لأول مرة، تحاول أن تبتكر الكلمات من جديد، تغسل أحزانك في النهر مع قميصك الذي صنعته من أوراق السدر، تحاول أن تستدرج النهر إلى كوخك، ترسم حبيبتك بأحجار الفحم على جدران الكهف، تصنع ربابتك الأولى من زقزقة العصافير، ورقرقة الماء، وحفيف أشجار السدر، عش حياتك الأولى هذه المرة”. ستجدين أنك هنا تحاولين إثارة أسئلة وجودية لطالما تجاهلناها وهمشناها، هنا الكاتب يحرك بحيرات العقول الراكدة ويستدرج القارئ نحو اليقظة.

المجلة الثقافية الجزائرية: حسن، حدثيني عن منهجك في الكتابة.. كيف يتجسد النص من الفكرة إلى الإنجاز لديك؟ وما هي المعايير التي تأخذيها بعين الاعتبار قبل النشر؟
د. زينب الخضيري:
الفكرة هي التي تفرض عليّ منهج الكتابة، فمنذ مدة طويلة أكتب مقالات في الصحف في البداية كتبت في صحيفة الجزيرة الثقافية، ثم صحيفة اليوم , وبعدها استقريت في صحيفة الرياض ولدي عامود أسبوعي تحت سم (ضلع أعوج)، لذلك كتابة المقالة تختلف عن منهجية كتابة القصة القصيرة, أو الرواية, فلكل فن تقنياته وفنياته, وطالما وجدت الفكرة وجد النص, فالفكرة هي الجسد والنص هو مثل ثوب يجمل هذا الجسد. وبالنسبة لمعايير النشر تختلف حسب الكتاب الذي سأصدره فإذا كنت بصدد إصدار رواية فيجب أن أتوجه لدار نشر لها خبرة في نشر الرواية وتسويقها، يهمني تواجد هذه الدار في معارض الكتاب في جميع الدول العربية. كذلك أن تكون الدار انتقائية ولا تنشر إلا ما يستحق النشر، كذلك يهمني الاحتفاء بالكاتب وإعطاؤه قيمته الأدبية قبل المادية.

كتابات تبحث عن الإنسان بكل تجلياته

المجلة الثقافية الجزائرية: روايتك (هياء) تتطرق إلى عدد من الموضوعات في وقت واحد (الوحدة، مشكلة البدون، المرض النفسي، الصداقة، الزواج بلا حب، غياب مشاعر الأخوة..).. لماذا ألقيت بكل هذه الأعباء على كاهل رواية واحدة؟!
د. زينب الخضيري:
رواية هياء هي ملحمة إنسانية متشابكة ولها عدة وجوه , هنا هياء كأنها تدعو ربها أن يغفر لها سيئات الحلم, لتمسح على جبين الأيام الذي لوثت اشتهاءات الإنسان, ومن خلال سياق الرواية التي تتحدث عن جيلين مختلفين, ولكنهم عالقين بنفس المشاعر الحب والكراهية والفقد, البطلة (هياء ) وأمها (شيخة ) عاشتا في منطقة نجد تكابدان نفس المشاعر مع اختلاف الزمن, ولم يستطع الزمن أن يمحو آثار الفجيعة والحرمان من نفسيهما، فالمشاعر كثيفة ومحتدمة وتمتد حد مشاعر الصداقة ما بين (هياء) وصديقتها (منيرة) التي كانت رمزاً للطهر والفرح والكفاح ولكن الزمن لا يحابي أحد. حيث تعيش (منيرة) ويلات المرض والفقد, أيضاً تتطرق الرواية للمرض النفسي بشكل سريع ولكنه أمر واقع, ومشكلة البدون, والزواج بلا حب, والوحدة والأخوة المتمثلة في جمال التي غابت شمس الحب عنهما. كل هذه المشاعر تأتي متتالية ومتسلسلة لحياة هياء ومن حولها, قد تكون هياء جارتك, أو صديقتك, أو ابنة خالتك, هي الإنسان بكل تجلياته ومراحله.

المجلة الثقافية الجزائرية: في (حكاية بنت اسمها ثرثرة) ثمة تشابك واضح بين الخاص والعام.. ما يدفعني للسؤال التالي: ككاتبة في أي لحظة تقررين استدعاء تجربتك الشخصية؟ ومتى تستجيبين لمخاض التحولات الجارية في المجتمع؟
د. زينب الخضيري:
حتى أكون صادقة معكِ حتى الآن لم أستدعي تجربتي الشخصية كاملة في كتاباتي، و(حكاية بنت اسمها ثرثرة) كانت بمثابة رؤاي لما حولي وفيها جزء مني عندما كتبت رثاء في والدتي الجوهرة “إلى جوهرة أفرطت في صقلها الحياة” تزامن صدور هذا الكتاب بعد وفاة والدتي لذلك كل ما في هذا الكتاب هو رؤى فلسفية عن الحب والموت، والحياة. في مقالاتي الأسبوعية لدي مساحة للاستجابة لتحولات المجتمع وأتابع كل ما يجري وأكتب عمّا أرى أنه ضروري الكتابة عنه، وأعتبر نفسي محظوظة لأنني أكتب أسبوعياً في الصحيفة لأنها تجعل ذهني حاضراً ومتقداَ ومواكباً لكل ما حولي.

المجلة الثقافية الجزائرية: ثمة أشياء كثيرة في الحياة تستحق الكتابة عنها.. لكن معظم الأقلام النسائية السعودية تبدو مشغولة بالدفاع عن حقوق المرأة تحت وطأة ما تعانيه من الضغط الاجتماعي.. ألا تعتقدين أن هذا الانشغال ينمط الأدب ويؤطره بحيث يصبح محدود الأفق وبالتالي أقل جمالاً وإشراقاً؟
د. زينب الخضيري:
بالتأكيد، ولابد أن نفرق بين الناشطات الحقوقيات في مجال المرأة، والأديبة والكاتبة, فليس بالضرورة أن تكون الناشطة أديبة, أو العكس, ومن وجهة نظري أعتبر الكتابة قوة ناعمة بيد الكاتب وهي سلاح خطير, لذلك الانشغال بموضوع المرأة والكتابة عن حقوقها يبعدنا عن فكرة أن الأدب لا يعيش إلا في فضاء الحرية دون تنميط أو تأطير, وهنا يأتي دور العمق الفلسفي كما أسلفنا فهو يفتح أفق في الكتابة, وأنا ضد تأنيث الأدب وحصره في مجرد حقوق للمرأة هنا نجانب الحقيقة, ولا ننسى أن المرأة السعودية الآن تعيش عصراً مختلفاً فهي أخذت حقوق كثيرة والبقية قادمة, لذلك لا يجب أن نركز فقط على هذه المواضيع، فمواضيع الأدب والكتابة يجب أن نتناولها من زاوية الهوية والإنسان والحياة والموت والحقيقة والعقل والحرية, مواضيع كثيرة أشمل وأعمق.

المجلة الثقافية الجزائرية: هنا لا بد أن أتساءل عن دوافعك للدخول إلى عوالم الرجل في مجموعتك القصصية “رجل لا شرقي ولا غربي”.. لماذا غردت خارج السرب؟ هل كانت محاولة منك لفهم الرجل؟ أم رغبة في التميّز والخروج عن المألوف؟ أم ماذا؟
د. زينب الخضيري:
بطبيعتي يا عزيزتي عندما أبدأ الكتابة فأنا أتجرد من كل شيء وأنساق مع الكتابة وملح الشغف يأكلني, والحديث عن التميز أمر شديد الصعوبة, فعندما أكتب عن الرجل فأنا أكتب عن الضفة الأخرى من الحياة, عن طفولتي وذكرياتي مع والدي المتسامح اللطيف, عن تلك الصغيرة التي تحب أخيها الكبير وتصفه بأفضل ما يمكن, عن ابن الجيران الذي كان يلعب معي واختفى في خزان الماء كما تختفي الشمس وراء الأفق, عن ذلك الشيخ الذي يمتلك بقالة آخر الحر ويبيعني الحلوى فكنت أتساءل لو كنت ابنته هل سيتركني آكل كل هذه الحلويات دون أن ادفع ريالاً واحد؟! هؤلاء هم الرجال الذين أكتب عنهم, ففي مجتمعنا السعودي لا تستطيع المرأة أن تتعامل مع الرجل لوجود حواجز كبيرة من التنشئة والأعراف والقيم, كل تلك الأشياء زرعت ألغام من عدم الفهم، فكلما حاول أحدهما الحديث مع الآخر انفجر لغم الاختلاف, فالرجل يحكم على المرأة من خلال معاييره الذكورية لأنه طوال اليوم يختلط بالرجال, كذلك المرأة تحكم على الرجل من خلال معايير أنثوية لأنها طوال اليوم تتعامل مع نساء وهذا سبّب الكثير من عدم فهم واستيعاب الآخر, وكتابي “رجل لا شرقي ولا غربي” ما هو إلا محاولة للتعرف على الرجل وفهمه كإنسان مجرد وبكل حالاته, سواء في شيخوخته, أو شبابه, محاولة فهم شخصيته الصعبة, أو الشخصية الهشة والضعيفة, هو محاولة لسبر أغوار النفس البشرية, ومحاولة لجسر الفجوة بين المرأة والرجل .

المجلة الثقافية الجزائرية: أفهم أنك لا تطرحين نفسك كمصلحة اجتماعية .. لكن المبدع في مجتمعاتنا يخوض حرباً مع الجهل.. ومن هنا يمكنه إثارة الأسئلة .. تكريس المعرفة.. نشر القيم إلخ.. بالنسبة لك ككاتبة أي من هذه الممكنات له الأولوية؟!
د. زينب الخضيري:
نحن الآن نمر عبر نفق الاختيار بين المبادئ والأفكار، بين إثبات الذات والهوية الجمعية، بين التفرد وشجاعة أن تكون فريداً في رأيك أو موقفك، بين تغذية سوء الظن بالآخر وتنمية الحذر منه إلى خسارة فرصة التنوع وفضيلة التسامح، لا نستطيع أن ننهي فوضى المرور فيها, وكل ما يتعلق بالإنسان له أولوية عندي وكل ما يتعلق بعالمنا المادي الذي يجرنا نحو الثقب الأسود “الاستهلاك” هذا العالم الفوضوي التنظيم الذي يحاول سلخنا من إنسانيتا والتخلي عن قيمنا مقابل الماديات.

المشهد الأدبي والنقد

المجلة الثقافية الجزائرية: المشهد الأدبي في المملكة يشهد طفرة نسائية ملحوظة.. لكن نلاحظ أن الحركة النقدية لا تواكب هذا النشاط بالشكل المطلوب.. ما تفسيرك للأمر؟
د. زينب الخضيري:
إن للثقافة محتويات ووظائف تختلف باختلاف الأطر الاجتماعية والاتجاهات الثقافية والمراحل التاريخية الخاصة بكل مجتمع، هذه المحتويات والوظائف يجب أن تكون واضحة، فالتغيرات المتسارعة في المشهد السعودي سواء الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي ستحدث تغييرات مختلفة ومتنوعة في لغة الأدب والكتابة والسرد والشعر، لذلك لابد من حضور النقد, فالحركة النقدية مرهونة بالحركة الأدبية, لكن غياب المعايير النقدية، وعدم تقييم المشهد الثقافي السعودي باستمرار لن يجعلنا نستوضح المشهد الثقافي ورصد التغيرات المتسارعة. والملاحظ أن النقد في المشهد الثقافي استخدمه البعض بما يتواءم مع توجهاته الشخصية فلا يخدم الساحة الثقافية, وفكرة (الشللية) كذلك موجودة, ولا يخلو المشهد الثقافي من بعض النقاد الجادين ولكن غير كافي, فنحن نطمح إلى عمل مؤسسي يشكل مثلث الكاتب والقارئ والناقد بشكل مستمر ودوري. أنا لا أستطيع أن أفسر الأمر بشكل واضح ولكني تحدثت من خلال ملاحظات ومواقف .

المجلة الثقافية الجزائرية: يُحسَب للرواية السعودية جرأتها في اختراق التابوهات ومناهضة التقسيمات الفئوية الضيقة.. حيث نجحت بإظهار الصورة الإنسانية للمجتمع معلنةً عن حبه للحياة ورفضه للوصاية.. لكن من وجهة نظرك ما الذي ينقصها لتكون في المقدمة عربياً؟
د. زينب الخضيري:
آه يا عزيزتي… الكاتب العربي يحتاج إلى تبني واحتواء مؤسسي من خلال عمل ثقافي متكامل يبدأ بالكاتب والناقد والمترجم وغربلة الموجود وإبراز الكاتب الجيد دون محسوبيات, الكاتب العربي مظلوم يحتاج من يأخذ بيده ليرتاح قليلاً فهو الكاتب وأحياناً الكاتب والناشر والمسوق, نحن نفتقر إلى المؤسسات الثقافية التي تتبني الناتج القومي الثقافي, أتمنى أن يكون هناك عمل مؤسسي ثقافي عربي لإخراج الثقافة العربية وتصديرها للخارج.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق