ثقافة السرد

عذبة- رواية- المأساة الفلسطينية- الجزء- 33-والأخير.

صبحي فحماوي.

ما أزال أحتفظ برسالتك المعطرة يا عذبة ، التي وصلتني، عبر الصليب الأحمر، عام خمسة وستين، والتي أعادت إلي سحر أيام الطفولة، وأيام المرح التي مرّت قصيرة كلمح البصر، كنت كلما أفتحها لأقرأها من جديد، أشم رائحة عطرك الفواح، الذي نقعته أناملك الرقيقة وأنت تكتبين عليها! أإلى هذا الحد صرت فواحة الشذى يا عذبتي؟ كنت أحشر أنفي ليلتصق بثنايا ورقتك، زهرية اللون، فيشم رائحتك التي أعادت إلي روح بلادي، وجعلتني أفيق من سبات عميق، وأفرح من جديد! حفظت رسالتك عن ظهر قلب:
” أين أنت يا عماد؟ قالوا إنك تعيش في معسكر أنصار 13، ترى هل أنت معتقل في هذا المعسكر، أم إنك حر، طليق الحركة؟ الحزن يملؤني ويكاد يطفح، ويخرج من فمي وأنفي وعينيّ وأذنيّ! لقد اختفت الألوان من حياتي بعد أن غادرتنا يا عماد.
صارت غابات الكرمل بلا ألوان، بقي منها فقط الأسود والأبيض. لم تعد ملوَّنة، كما كنا نشاهدها أيام مرح الطفولة. لا أعرف ماذا حصل؟ ولماذا حصل كل هذا؟ وكأنما مسَّتنا لعنة من الشيطان الرجيم! وكأنه قد مرّ سيف سريع، فلم يقطع رقابنا، بل قطع كل معالم حياتنا، وأتلف الأشجار، وهدّم البيوت! وحتى ينابيع الماء قد جفت، وروائح أشجار البلوط والسرِّيس والبطم والتمرحنّة قد بهتت، فلم تعد تعرق رائحتها الفواحة! أصبحت أسير متثاقلة متباطئة، وهامتي حزينة متجهة نحو الأرض، أتذكر أيام زمان، فبعد أن قتل المجندون من أصرّ على البقاء داخل بيته، ونزح الباقون، أصرّ أبي على البقاء داخل الوطن، وقال لنا يومها:” والله لقبر تحت أرضك يا فلسطين، أشرف حالاً من الهجرة والشتات والضياع في الصحاري العربية. وحملنا واتجه بنا إلى مغارة العراك ، في الوادي الشمالي الشرقي للقرية، وادٍ كثيف الأشجار. سهَّلنا الأرض في تلك المغارة الواسعة، وأشعل أبي ناراً في عمقها الداخلي، كي يتأكد من عدم وجود وحوش أو أفاع سامة، تهدد حياتنا. كانت طيور الوطواط، معلقة بصخور سقف المغارة، فلما شمّت رائحة الدخان، تطايرت وغادرت المغارة. وتقدمت أمي ففرشت أرضها، فصارت المغارة داراً لنا .
بعد تدمير قريتنا أم الزينات في (15- 5(1948 – أعادتنا الكتيبة الرابعة من لواء (غولاني) إلى عصر الإنسان الأول، الذي يعيش في الكهوف والمغارات. وكان أبي عملاقاً قوي البنية، شديد البأس، ذا شخصية مقاومة! عشنا في مغارة العراك، سنة. سنتين. ثلاث. إلى أن خفّّتْ وطأة القتل، وإلى أن سكر المحتلون بدماء قتلاهم، وتعبوا من شدّة القتل، فلم يعد لديهم أعصاب لمزيد من القتل، فلم يمانعوا بقاء حوالي مئة ألف فلسطيني، في كل الأراضي المحتلة. هؤلاء المشتتون تم إبقاؤهم لأعمال الخدمة في المناطق الصعبة، والأعمال القذرة، كالتنظيف والعتالة وتسليك المجاري والحراسة، ولهذا سمحوا لنا بالبقاء. وبعدها بدأ والدي يظهر للعيان، ويذهب ويعود للمغارة، مرَّة هو، ومرَّة أخي عبد المنقذ، ومرة تخرج أمي، لتملأ جرّة ماء من بئر “الناطف”. أخذنا نخرج من المغارة، ونعود إليها، دون أن يطلق علينا أحد النار. وهكذا أخذ الفلسطينيون المختبئون في الأحراش والغابات البعيدة يظهرون للعيان، بعد أن عمل المستوطنون لهم دستوراً “ديمقراطياً” يمنع قتل الطيور والغزلان والسباع والضباع، والخنازير والأرانب البرية. وضمن هذا البند الدستوري، تم إدخال رجل الغاب الفلسطيني، الخارج من كهوف الغابات تحت الحماية، فأدخلونا تحت باب المحميات البيئية، وجمعونا في بعض القرى التي بقي منها بيت أو بيتان دون هدم، وبعضهم دخل مدينة أو قرية، والتجأ إلى بيت مهجور فيها. ومن كان بيته مهدوماً، عاد إلى غيره. ومعظمهم مُنعوا من حق العودة إلى بيوتهم، لأنهم أسكنوا مكانهم عائلات مهاجرة من الغرب الأوروبي، أو من الشرق، فاضطرت العائلات الثكلى أن تسكن أي بيت شبه مهدوم، أو غرفة مفرغة، تعشش فيها الأرواح والأشباح، ومن ثم تم تجميعنا إجباريا، في عدد محدود من القرى، لتسهل عليهم مراقبتنا، وضبط سلوكنا الاستخدامي! وداخل الزحمة، استطاع الناس أن يسعوا بعضهم البعض، ثم بدأوا يزحفون على بطونهم، ثم ركبهم، إلى أن تطوروا، كتطور الإنسان الأول من جديد، حسب نظرية داروين، فوقفوا على أرجلهم ليصبحوا أشباه مواطنين، لا مواطنين! خاضعين للتمييز العنصري عند كل معبر ومنحنى طريق، ولكن مهما كان، فعذاب الإنسان ومعاناته داخل وطنه، أخف بكثير من معاناته خارج الوطن. والآن وبعد أن كبرنا يا عماد، أخذنا نفهم الحياة بصورة أوضح، ومما اتّضَحَ لي إنني لن أستطيع العيش دونك، وإنه لا يملأ قلبي وذاكرتي سوى حبك. نعم أقولها بالقلم العريض، فأنت والوطن معي توأمان. كان أبي يظلل حياتنا ونحن أطفال، أما وقد كبرنا…!

34-

انتبه عماد إلى أنه لا يزال قابعا داخل الحافلة التي تقلهم إلى حيفا، وأخذ يتمعّن في وجوه الركاب حوله، فشعر أنه مسطول بسبب الدخول في اللامعقول. كان مخه المهلهل يشتغل بطريقة استنفار لم يسبق لها مثيل، وعند العفولة تم تجزيء الركاب، إذ طلب راكبان إيصالهما إلى قرية دالية الكرمل، فانضم عماد إليهما قائلاً:وأنا ثالثكما .
أخذتهم سيارة أجرة صغيرة من العفولة، مرورا بوادي الملح، باتجاه أم الفحم، وقبل وصولها عرجت إلى اليمين، وصعدت جبال الكرمل، وغرقت في غاباتها الداكنة الخضرة، حيث مرت على آثار قرية أم الزينات المهبطة جهة اليمين، فعبقت روائح الصنوبر والبلوط والسنديان أنفه فأنعشت رئتيه، واستمتع بمشاهدة تربة أرضها الحمراء، التي لا يختلف لونها كثيراً عن الحناء الذي يخضِّب أيدي صبايا الريف الطاهرات، فدغدغت أعصابه، فاسترخى في جلسته وانتشى برائحة الوطن. دخلت السيارة قرية دالية الكرمل، أبهى قرية مجاورة للضباب، ومطرّزة بغابات البلوط والزيتون والصنوبر. نزل الراكبان هناك، وسارا على أقدامهما بحرِّية في جنّة الخلد، وبقي هو في السيارة التي واصلت سيرها، فدخلت بين أشجار متشابكة نحو قرية عسفيا المعلقة فوق الضباب، والتي تطل من هناك، كطائرة مروحية من السماء، تكشف البحر الأبيض المتوسط، الممتد على مدى النظر، من ميناء حيفا الذي شارك في إنشائه أبوه منذر الحسن، وعمه أبو الخناجر، وحتى جبل طارق المغرب! نظر شمالاً، فشاهد منخفض ساحل ومدينة وسهل عكا، ثم قرية الزيب المنقوعة بمياه البحر، ومن بعده قمم جبال رأس الناقورة، وحتى مرتفعات جبال لبنان الخضراء. ونظر شرقاً، فشاهد جبال الجليل وتحتها سهل البطّوف، وعلى يمينها مرتفعات الناصرة المعتقة، وبعدها مرتفعات صفد، فمرتفعات الجولان السورية الأسيرة. وفي الجنوب كانت قبة الصخرة المشرفة المجاورة للمسجد الأقصى تتلألأ بذهبها البراق. بقي مذهولاً وهو يتأمل الدنيا من حوله. إنها بانوراما ساحرة! وأمام هذه الدنيا الملوّنة بالغابات الخضراء، والبحار الزرقاء، المفتوحة على تلك القمم المغرورة، والمتعالية على مرج بن عامر الأخضر، الممتد شرقاً حتى بحيرة طبريا، فأسكره الهواء العليل. كان أشبه برجل آلي، وعيناه عدستا “كاميرا تصوير فيديو!” كان يطابق الصورة التي يراها بالأصل، المختزن في ذاكرته! هذه أرضنا في قمة جبل الكرمل، قد زرعوا فوقها استحكامات عسكرية، ومناطق (ممنوع الاقتراب والتصوير)، حسب اللافتة المكتوبة. كان التصوير ضبابيا، لأن دموعه المنهمرة، قد بللت شاربيه، وانسابت على ذقنه الحليق ! الرجال في تلك المواقع تبكي كالنساء. انتبه إلى جلوسه إلى جوار السائق، فسأله:”اسم الكريم؟ فقال السائق:
“أنا اسمي أبو السعيد، من قرية صفورية، قضاء الناصرة. مُهَجَّر داخل أرضي المحتلة ، وممنوع من الاقتراب وتصويرها ، ومجبور على العيش في مدينة الناصرة، العامرة بذلك التجمع الفلسطيني المتكاتف هناك، فواصل عماد ثرثرته التي كانت مكبوتة في الحافلة، وقال هذه المرّة علناً: “تخيل يا ابو السعيد كيف يكون شعوري وأنا أعود إلى وطني بعد خمسة وأربعين سنة. كنا حراثين في أراضينا، واليوم نعود إليك يا كرمل بتأشيرة دخول! ما أحلى الحراثة في ربوعك يا بلادي، والعتابا والميجنا تلعلع وراء أعواد الحراثين!”
صارت مسَّاحات عينية السريعة، غير قادرة على إزالة دموعه المتدفقة، بهدف تحسين الصورة. صورة غابات الكرمل مكتظة الأشجار، وصورة عذبة مغبِّشة وضبابية وشفافة، تتمايل كالغمامة بين أفرعها، وترنو إليه من بعيد! ومن عسفيا نزلت السيارة تجاه حيفا، مثل زلاجة الأطفال، نزلت الزلاجة إلى الهدار، حيث كانت حيفا تركب فوق رأس البحر المتوسط، وأخذت السيارة الزلاجة، تنزل شيئا فشيئا إلى معبد عباس المتضخم بين حدائق مقتطعة من جنات الخلد، والمنحدرة من السماء العالقة بقمم الكرمل انحداراً مع هدار الكرمل، نزولاً إلى شاطىء بحر حيفا المدلل، حيث تغرق الأرواح الهائمة هناك! وعندما انطلقت السيارة إلى حارات حيفا، قال عماد لأبو السعيد: “أرجوك أن تسير في شوارع حيفا الرئيسة، يمينا وشمالا لبعض الوقت، وأنا سأدفع لك فرق الأجرة، أريد أن أشاهد بلدي، حاراتها وشوارعها، وأن أشم رائحة البحر المتدفقة من بين البيوت القديمة، ورائحة روث خيول ساحة الحناطير في قاع حيفا. فضحك أبو السعيد على روث الخيول التي لم تعد…
قال هذا وهو ينفذ طلباته، فمر بسيارته بحارة الحلِّيصة، وشارع الملوك، ووادي النسناس، ووادي الصليب، حتى وصل إلى حواسة شرقا، وكانت في المدى تقبع قرى شفا عمر وطمرة شمالاً، وجهة الشرق تجلس صفورية والرينة على واجهة جبال البطوف، وبعدهما تعتلي الناصرة عرشها، فتتوّج على المدى البعيد! عاد السائق باتجاه البحر، ومرَّ من تحت جسر الشل، فشاهد “البور” واستمرت السيارة منطلقة نحو غرب حيفا، باتجاه الطيرة. وعلى شاطىء البحر المتوسط ، حيث بيارات الموز والبرتقال المحتمية بين رطوبة البحر من الغرب، وغابات السنديان، والصنوبر من الشرق، وجبل الكرمل الباسط نفوذه من عل. وعند المنحدر، الذي يصل الغابة بالبحر، انبلجت قرية الفريديس، جالسة على عتبة الشاطىء، على الرصيف، بانتظار القادم من بعيد، بانتظار المغترب، المستشرق، المهجّر، اللاجىء، النازح، المبُعد، المنكوب ،العائد الفلسطيني، عماد المنذر!وهناك من بعيد، كانت عذبة بانتظاره تبتسم، وتلوِّح له بيديها مرحِّبة بلقائه، ليتم الفرح !

(تمت الرواية)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “عذبة- رواية- المأساة الفلسطينية- الجزء- 33-والأخير.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق