ثقافة المقال

الكوليرا … في زمن التكنولوجيا

سليمة ملّيزي

رغم ما وصل إليه العلم من تطور ، هناك في عوالم التكنولوجيا أصبح الإنسان المتطور يحلم كيف يعيش حياة افتراضية ، وهو جالس في بيته مستلقٍ على أريكة، ويتواصل عبر الكمبيوتر من خلال هذا العالم الافتراضي الذي أصبحتْ فيه الدنيا نقطة حبر يمحوها الخيال ، ويعيد تكوينها من جديد حسب تصوره لها ؛ حيث هناك أشخاص يبحثون عن حياة افتراضية بدل الواقع الذي اصبح ممل عند البعض ، حيث يعيش حياته افتراضيا يسافر في الأدغال وفي الفضاء ويعيش مع أناس لا يعرفهم في الواقع ، حيث يبحث عن ملذات اخرى للحياة ربما تنسيه واقعه الممل.

من هذه النقطة أردت النزول إلى واقعنا في الجزائر الذي أصبح يشبه لعبة الحظ في الحياة التي انعدمت فيها ملذاتها ، أو( برستيجها ) الحياة عند البعض ، وتراجعت حتى ابسط الحقوق للإنسان ، منذ العشرية السوداء ، والأشياء السلبية تطفوا على السطع كفقاقيع جرثومية ، وتُخربُ الحياة الطبيعة بكل أشكالها ، التحرش بحريات الناس ، اغتصاب الأطفال ، وجرائم القتل والمحرمات التي لم نعهدها من قبل ، التفكك الأسري ، خراب المنظومة التربوية ، مرض الصحة العمومية ، أجرام العدالة التي لم يعد لها دور في إصلاح المجتمع ، حيث يقول علماء الاجتماع أن ثلاث مؤسسات تبنى عليها الدولة القوية والسليمة ، وتقيمُ فيها المساواة والعدل والأمن في نجاح المجتمع هي : إصلاح العدالة ، والتربية، والصحة . لكننا نرى في الجزائر أنّ هذه المؤسسات الحكومية مريضة بوباء {الكوليرا..}، حيث لن تخرج من هذا الوباء ، إلا إذا حدث زلازل شعبي قوي ، يغير القاعدة التحتية لمؤسسات الدولة ، أو لابدّ لنا من زمن طويل حتى تغادر هذه الشيوخ الهرمة التي تحكم السلطة وآيتي جيلٌ من الشباب، مثقف متعلم واعٍ { شبعان } كي ينهض بمؤسسات الدولة ، وتطهيرها من هذا الوباء القتال الذي يعيش بأنانية بشعة ؛ لا يعرف الرحمة بوطنٍ ترابُه سُقيت بدماء الشهداء، وقيمة حضارته عبر التاريخ .

اليوم وأنا أشاهد عبر القنوات حجم كارثة انتشار وباء الكوليرا ، هذا المرض الذي ارتبط اسمه بالحروب العالمية في بداية القرن الماضي ، لما يحمله من تخلف وحرمان للحياة البسيطة ، وانعدام النظافة الصحية ، هذا المرض الذي قضى عليه الإنسان منذ اكثر من ثمانين سنة ، وتجاوزته الشعوب المتطورة ولم يعد له وجود حتى في التفكير ، ها هو اليوم يعود إلى الجزائر، يفتك بأرواح الناس ويزرع الهلع والخوف فيه شعب تائه بين المطرقة والسنديان ، في غياب منظومة صحية قوية ، قادرة على القضاء على هذا الوباء ، وإهمال من طرف مؤسسات تطهير المياه الصالحة للشرب ؛ هنا ندرك كم بشاعة الحياة في ظل نظام فاسد ، رغم ما تملكه الجزائر من خيرات وثروات طبيعية ، بإمكانها أن تكون في الصفوف الأولي بين دول العالم المتطورة .
15 أوت 2018

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق