ثقافة السرد

إنها القيامة يا أموات الوطن … إنها القيامة

آه… وحدي هنا ….هذا ما تبقّى من وطني… صمت فجر جمجمتي … هنا في القبر… حفرتي الكاتمة للصوت .. حيث دفنوني تحت جبل من تراب…. سنين وأنا أحاول أن أقّلّب جنبي …آآه أريد أن أنزع هذا الرباط عن فكي …لم هو مشدود بقوة ؟ يخافون أن يتكلم الميت في قبره …. لكن آآه… ومن سيسمعه ؟ أسمع أصواتاً…  هل هذه أصوات حقاً؟

ما هذا الضجيج ؟ أظن أني لم أسمع شيئاً منذ عهود !!!

 

….لعلّه يوم القيامة !!! نعم هو  يوماً يبعث فيه الموتى..

هل حان الوقت؟   …. جلبة وضجيج ..ثانيةً ؟

أصابعي متخشبة …. أقدر على ثنيها بأعجوبة  …

فقط  سأ زيح  التراب عن وجهي…

أوعما تبقى من هذه الجبهة المهشمة , يا للفوضى التراب في كل مكان,تستغربون ؟

عجباً …من حق الموتى أن  يفضفضو قليلاً , لعلها مابقي  في فراغ جماجمهم من صدى أفكار وربما أثر لروح صعدت إلى باريها …

كثيرا ما حاولت تمزيق هذه اللفافة القماشية  .. لم أقوى على ذلك … كأنها لفّة من الفولاذ …

… ما تبقى من جثّتي قد جفّ عبر السنين

…كان لابد لي من ربط هذه أعصابي المقطعة  قبل أن تجّف عروقي ..

هل أسطتيع النهوض بهذا الجسد الوهن ؟

آه لم أفكر في ذلك …أنا أذكر تماماً….أنني كنت يوماً قادراً على النهوض

كنت قادراً على رفع رأسي …

رأسي ؟… لا أظن أني رفعته يوماً … لربما من زمن بعيد …في وطني مُنعت حتى من رفـــــع رأسي .

كل الموتى قادرين على النهوض يوماً …  وكثيراً ما  ترتطم رؤوسهم  بشطائح الصخر حين يرفعونها  ….

إلا أنــا…حتى هذه مُنــعت منها

… لقد تأكد الجميع  بأن أعصابي قُطّعت قبل أن يدفنوني…

هــــم قاموا بقطع أعصابي …  هكذا  لن أنهض أو أرفع رأسي ثانية….

لكن لم َ …. لم الخوف إن عدت ونهضت؟

لماذ  يريدون مني أن أبقى مطأطأ الرأس حتى في القبر  !!  حتى في القبر ؟

لمَ يهابونني إن رفعت رأسي ؟

آآ  …صحيح كنت  قد تجرأت يوما ًعلى الكتابة, وكتبت ….

ومالهم  يرتعدون مني إن حدثتهم عن الكرامة والشرف ؟

كنت قد ذّكرّتهم في مقعدهم يوم يبعثون …حين  بدأت أبوح لهم عن سر الحرية …. عن الانعتاق من القيود الآثمة  …

أبوح لهم عن جذر الخير المدفون في قعر أبدانهم الشريرة.

كنت أريد أن ألفت أنظارهم …

إلـــــى أن رائحة الفساد العفنة  تفــوح من أصفادهم الأزلية

كنت أحاول…. أن أدفع  بدمٍ  نقي إلى عروقهم  عسى أن يعود لهم الطهر  …..يوم كنت حيا ً….

كنت حياً لكن الوطن مات

كانوا كلهم موتى  … كان على الجميع أن يكون جثةً متفسخة  …أو على الأقل أن تفوح منها رائحة نتنة …رائحة الخنوع …رائحة الفساد ..الظلم ..الرياء… الكذب والتزلّف, وإلا سيحل بهم ما حل بي … سيدفنون  وتٌقطّع أعصابهم ليعجزوا عن النهوض …لكن الطغاة وأعوانهم من المتعفنين  في العادة  يفهمون في الأصول ….  يمشون في جنازتك و يختلفون في من سيردم على رأسك التراب  …أصحاب واجب

أصوات ترتفع من جديد ؟ …لم أعتد كل هذا الضجيج والصخب…

هو ذا يوم الحساب …كفاني رقادا  … هل آن لوطني الميت أن يعود إلى الحياة  ….  إذا ً هو يوم الحق …

هم ظنوا أنهم منعوني من النهوض…قد لا أقوى على ربط أعصابي وجمع أشلائي

.. عندي كفني  سيفي بالغرض … سأجدل منه حبالاً أشد بها هامتي ….

… سأخرج من قبري, سأحفر بأصابعي المتخشبة حتى أرى السماء من جديد  … سأقوم …. سأرفع رأسي  …..

آآه  يا وطني …جفّت عروقي وجراحي لم تزل تنزف , تنزف بألوان القهر  والذل ً

هذه المرة قسماً  … إن قمت من رقادي …. فلـــــن تقوم لكم  قائمة يا لصوص الأوطان

يا أيـــها الطغاة  أيـــها الظلمة  الفاسدين . نعم.. إنها القيامة … لقد قامت قيامتكم

يا من استبدلتم وطني بقبر …  نحن الموتى …نحن من جعلتم وطننا مقبرة لأحلامنا وآمالنا .. نحن من أطفأتم نور كلمتنا ….

وسنكتب عنكم المزيد  من أخبار طغيانكم ومن أنكم قريباً  لن تتمكنون من رفع رؤوسكم  يا من ذللتم الشريف ورفعتم الوضيع… وستنشر كتبكم القذرة على الملأ  وقدة تجدون في قعر جهنم حفرة  تناسب صنيعكم  . إنها قيامتكم يا من سلبتم منا وطننا , و سنعمل على أن لا يضمّكم قبراً ولا وطن  سنحرص على أن تؤول أجسادكم المتغولة إلى هباءأ منثورا

ميت قام من رقاده

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق