حوارات المجلة

الأديب المصري عبد الواحد محمد للمجلة الثقافية الجزائرية: قلة من المثقفين من تمارس الدور التنويري

عبد الواحد محمد إعلامي وكاتب صحفي من مصر شارك بالعديد من المهرجانات الثقافية العربية في سورية والعراق والسعودية وعُمان وليبيا.. تتميز كتاباته بالانتماء إلى المحيط العربي وقضاياه الإنسانية.. في رصيده عدة مجموعات قصصية وروايات منها: (جميلة) و(حارس مرمى) و(بدون أحزان) وغيرها. المجلة الثقافية الجزائرية اقتربت منه عبر هذا الحوار:
حاورته: باسمة حامد

الرواية نص صعب جداً

المجلة الثقافية الجزائرية: الرواية مرآة الواقع وقد تكون من أصعب الحقول الإبداعية كونها تتعامل باستمرار مع التجربة الدائمة ومع الحركية اللغوية المتنوعة، كيف تتعاطى جمالياً مع الرواية؟
عبد الواحد محمد:
يقيناً تجسد الرواية كل ملامح الإنسان والوطن بكل متناقضات اللحظة التي تمنح المبدع رسالة من رسالات اجتماعية فيها البحث الدائم عن الذات والآخر! ولذا تعتبر الرواية نص صعب جداً في استدعاء كل تفاصيل اللحظة وعالمها الكبير الذي يتشكل من قلب وضمير وعقل ونبض وموت صراع طويل فيه الإنسان والآخر، أما وجهاً لوجه أو غير ذلك وفق طبيعة المحاكاة في النص الروائي، وبالطبع الرواية تجربة يعيش عالمها الروائي قبل أن يكتبها نصاً للقارئ بكل تفاصيلها الدقيقة وغير الدقيقة التي تؤكد هوية النص من عدمه، كما تؤكد قدرة الروائي علي استخدام كل أدواته وعلي رأسها أبطاله داخل النص بل استخدامه القدري لعنصري الزمان والمكان كنسيج نفسي وضمني لعالم فيه الآخر أما أن يكتب من خلف ستار أو من وراء ستار! وقد استخدمت تلك الأدوات النفسية التكنيكية الروائية في استدعاء نص روايتي (جميلة) الموجودة في مكتبات الجزائر العربية لأن من تكفل بنشرها دار (فيسيرا) الجزائرية فكل الشكر للمبدع والشاعر الكبير توفيق ومان صاحب دار نشر (فيسيرا) والتي جسدت ملامح الوطن الجزائري من خلال شخوص الرواية التي أغلب أبطالها حقيقيين التقيت بهم في زيارتي إلى الجزائر العاصمة وبعض ولاياتها مثل وهران وقسطنينة، فكان لعنصري الزمان والمكان أثره النفسي والاجتماعي والتاريخي وربطهما بالأحداث الاجتماعية بين مصر والجزائر عبر صفحات أخرى من جماليات السرد الروائي التلقائي كما كتب عنها بعض النقاد العرب، لكن تظل الرواية عذراء حتى تكتب من رحم عالم ووطن! وجماليات الرواية تكمن في أسلوب الكاتب الذي يمنح القارئ متعة البحث الدائم عن كل سطور مكتوبة بعين مفتوحة وعقل يقظ!

هكذا تعاملت مع الواقع الفلسطيني في (حارس مرمى)..

المجلة الثقافية الجزائرية: هل تشعر أنك استطعت رسم الخطوط الإبداعية لصناعة نص روائي مميز؟ هنا أود أن تحدثني كيف تعاملت ككاتب مصري مع الواقع الفلسطيني في روايتك (حارس مرمى)؟ ما هي المرجعية الأساسية التي اعتمدت عليها في السرد؟?
عبد الواحد محمد:
مؤكد كل ما أكتبه من نصوص روائية يحمل صبغة الإبداع.. هكذا يفترض الروائي، بل يكون هكذا لكون النص الروائي مرتبط بكل ما هو مختلف في الشكل والجوهر عن كثير من الأجناس الأدبية الأخرى لكون النص الروائي حالة من الحركة الدائمة والملحة، وعلى العقل أن يفتح لها كل الأبواب المغلقة لكي يدرك المعنى الحقيقي لطبيعة النص الروائي! وعندما تعاملت كروائي عربي من مصر مع نص روايتي (حارس مرمى) جسدت ملامح مسكونة في أعماقي منذ الطفولة تجاه القضية الفلسطينية وما حملته من معتقد عربي صميم داخل النص الروائي من خلال شخصيات تاريخية مثل أبطالها التاريخيين المناضلين: (أبو رامي، أبو عمار، فيصل الحسيني، أبو مازن، وشهداؤها ونساؤها وزعترها وزيتونها ومقاوميها وشعراؤها) وغيرهم من مبدعي فلسطين وقيادات حركة فتح بكل أطوار حياتهم التي لم تعرف غير النضال! كنت أتحرك من وراء تلك الشخصيات ذات الثراء السياسي والعقائدي والفكري والإبداعي والنضالي بالشخصية الفلسطينية والتراب الفلسطيني التي رواها (عمرو البسطويسي) بكل الصدق لحبيبته (فيروز مكي) على مدار ساعات وأيام وشهور وهو يطالعها برغبته الدائمة في زيارة القدس لكن كيف الطريق للقدس في ظل حصار (إسرائيلي)؟! فكان الملهم لعمرو (البسطويسي) أحد قيادات حركة فتح المشهود لهم بالوطنية والنضال منذ نعومة أظافره (أبو رامي) الذي ظل يكتب علي جدران غرفة نوم (عمر البسطويسي) كثيراً من تفاصيل النضال العربي الفلسطيني منذ النكبة عام 1948 م وحتى زمن انتهاء سطور الرواية تجاه حلم استعادة الأرض الفلسطينية غير منقوصة بعد اتفاقية (أوسلو مدريد) من المغتصب (الإسرائيلي) وفك الحصار الظالم عن فلسطين العربية مهما كان الثمن في لقاء تلفازي من وراء عالم فضائي مفتوح وبألحان (فيروز مكي) التي هي الأخرى منحت (عمرو البسطويسي) فتاها كل الحرية في السفر إلي عالم القضية الفلسطينية في كل صورها التاريخية منذ أن زار القدس الرئيس المصري أنور السادات وما ترتب علي تلك القضية العربية الأم من رفض عربي لفكرة السلام مع (إسرائيل). فكانت (فيروز مكي) نداء الساعة في كل مواقفها الداعمة للسلام لكن دون اغتصاب الأرض من أصحابها تشريد كل أهلها. وكان فتاها (عمرو البسطويسي) يكتب على جهازه الحاسوبي كل ليلة قمرية تلك الملامح التاريخية واليومية من رحم القضية الفلسطينية في رواية اختار لها عنوان (حارس مرمى) لكون القضية الفلسطينية تحتاج إلى من يدعمها ويمنحها صفة العروبة وكان (أبو رامي) لا ريب حارس مرمى فلسطين الأمين ساحراً وصادقاً ومناضلاً كعادته وهو يتحدث إلى كثير من الفضائيات العربية كل ليلة قمرية وغير قمرية عن مستقبل فلسطين ومستقبل القضية الفلسطينية، وفي المقابل كان (عمرو البسطويسي) وخطيبته (فيروز مكي) يكتبان قصة حلم جميل في رواية (حارس مرمى) برغبتهما في الزفاف تحت سماء القدس عندما تتحرر عمّا قريب من المغتصب ذلك اليوم سيكون مشهوداً! بل ويشهد احتفالية زفافهما أبو رامي حارس مرمى فلسطين وكل قيادات حركة فتح الذين يكتبون في الرواية أنهم دوماً فداء للتراب الفلسطيني!

(بدون أحزان) هي رسالة كل ذوي الإعاقة..

المجلة الثقافية الجزائرية: من المؤسف أن أغلب ذوي الاحتياجات الخاصة لا يجدون رعاية كافية من الدولة والمجتمع في بلادنا.. ما الذي دفعك للاقتراب من هذه الشريحة الاجتماعية في روايتك (بدون أحزان)؟ وما الرسائل التي أردت تمريرها للقارئ حول هذا الموضوع الإنساني؟
عبد الواحد محمد:
حقيقة أغلب ذوي الاحتياجات الخاصة في عالمنا العربي لا يجدون رعاية تتفق مع حجم إعاقتهم من دولهم العربية بل من مؤسسات الوطن محيطه وخليجه وهذا الذي جعلني كروائي عديم الخبرة بهذا العالم مشدوداً لتلك الفئات المهمّشة في عالمنا العربي، والتي لم يحظي بالشهرة منها غير عميد الأدب العربي د طه حسين وأسماء قديمة لم تعد تذكر أو تتداول بيننا اليوم في سائر وسائل الميديا والتواصل الاجتماعي. وبالأحرى ربما لم يقترب من عالمهم السري من قبل أي روائي ليكتب معاناتهم في رواية تكون يوماً ما مرجعاً لذوي الإعاقة وغيرهم. ولكل من يبحث عن حقيقة عالمهم السري الذي يجهله الروائي كاتب تلك الرواية (بدون أحزان) حتى اقترب من عالمهم المرعب بكل تفاصيله اللحظية والقدرية ذات صباح رطب في إحدى زياراته العربية إلي دولة تونس بدعوة من حد مراكز الإعاقة البصرية في العاصمة التونسية! وكانت بداية الاقتراب الطبيعي والقدري من هذا العالم السري لذوي الإعاقة وتلمس مدى معاناتهم مع الآخر ومع إعاقتهم نفسها في لحظات بكائية عندما لا يستطيعون الحصول على الطعام بمفردهم بنظام (الأوبن بوفيه) وغير هذا من ليالي طويلة يعيشون فيها وفق رؤية الآخر لهم ومدى عطفه واهتمامه بمصائرهم اليومية من عدمه.. لكن كانت المفاجأة أن عالم ذوي الإعاقة أيضاً فيه لصوص وشواذ وفساد مالي (للركب) وفيه كاذبين وعديمي الضمير! وبشكل مخيف جداً جداً جداً ومنقطع النظير وفق طبيعة وفكر وثقافة كل ذوي الإعاقة ودرجات ذكائهم بل مستويات ذكائهم وقدراتهم الجسدية والعقلية! فكانت صدمة لعقل الروائي أن يعيش تلك المتناقضات بين عالم ذوي الإعاقة بكل ما فيه من عبر وعظات من خروج مباشر وغير مباشر عن النص الإنساني لطبيعة بشر منا بكل أوضاعهم الصحية المقلوبة ونحن يقيناً غير ذوي الإعاقة نعيش بعيداً عنهم .. بعيداً عن عالمهم السري جداً جداً جداً! لذا خرجت الرواية أيضاً بكل مصداقية لكن بتكنيك روائي جمع بين التأمل والواقعية والمهنية وعدم الانسياق إلى أهواء العبث أو الغش الثقافي أي التدليس على القارئ في نقل صفحات واقعية جداً عن هذه الشريحة التي تعاني من التهميش رغم ذكاء قلة منهم بالفعل يحتاجون إلى رعاية كاملة، لكن يوجد طابور أيضاً من المعاقين يعيشون في كهوف النسيان بمشاعر مخيفة ومتأججة الصراع.. وهذا يحتاج إلى مساعدة كل مؤسسات الوطن بتوفير حد أدني لحياة كريمة لهؤلاء. ورسالة الرواية هي رسالة كل ذوي الإعاقة وهي: أن يجد من يؤمن بقدراته التي لا تمثل بالتأكيد فقط حجم الإعاقة من عدمها وأيضا التحدي غير الطبيعي لعالمهم الذي فيه الفقر والوحدة والقهر والتطرف والصبر على الابتلاء سمة من سمات أيام تمر عليهم بكل صعوبة.

المثقف صامت مؤقتاً..

المجلة الثقافية الجزائرية: في ظل المتغيرات السريعة التي لحقت ببنيّة المجتمعات العربية ثمة تساؤلات عديدة تُطرح حول المثقف الملتزم؟ برأيك أين هو؟ وكيف تفسر صمته الرهيب؟ هل نلقي اللوم دائماً على السلطة ونقول أن الممارسات البيروقراطية والتعسفية? نجحت بإخماد صوته؟
عبد الواحد محمد:
المثقف موجود وفق طبيعة الظروف الراهنة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً بما يجعله يعيش عصر المتغيرات إلكترونياً وفق معادلة ثقافية عالمية جديدة.
وصمته الرهيب ليس له علاقة بكونه مثقف من عدمه بل صمته طبيعي جداً وسط أمواج سياسية غير مسبوقة في التاريخ البشري، والأمواج صنعها عدو خارج أوطاننا العربية بامتياز لذا الصمت مرحلة أعتقد أنها مؤقتة. السلطة دائماً متهمة بتهميش المثقف والحقيقة أن المثقف هو المسؤول عن تهميش ملكاته الإبداعية لكونه يستطيع فعل الكثير والكثير وفق معادلة الإبداع التي بداخله، وهي منحة ربانية لكن مؤكد للظروف والممارسات البيروقراطية والتعسفية نصيب من رد الفعل السلبي لدى المثقف العربي من المحيط إلي الخليج، ونأمل أن نري المثقف العربي فاعلاً بكل إبداعاته الورقية والإلكترونية في القلب العربي لأنه ومضة وطن.

المجلة الثقافية الجزائرية: لا شك أن المثقف العربي يتحمل نصيباً وافراً من مسؤولية الوضع الرديء، فلماذا -ونحن نعيش في عصر التطور وثورة التكنولوجيا- لا يمارس دوره التنويري لتحريك السكون وتشجيع ثقافة البناء ضد ثقافة الإحباط؟!
عبد الواحد محمد:
المثقف يعيش حالة من انعدام الوزن مؤقتاً في عصر الوسائط الرقمية لكنه يدرك طبيعة الفجوة بين عصر ما قبل الانترنت وما بعد الانترنت، وهذا يجعله متقبلاً للوضع الثقافي العربي الرديء مؤقتاً لكنه يدرك دوره وسط طوفان عالم فيه الكثير والكثير من علامات استفهامية تعمل في الخفاء وغير الخفاء على إسكات صوته بتشجيع ثقافة (التيك آواي) المقلوبة والتي تحاصر العقل العربي اليوم في كم الأعمال الدرامية التلفزيونية الهابطة والتي تدعو للفجور والخيانة والفساد والجنس والتطرف الخ.. بشكل غير مسبوق في عالمنا الثقافي العربي محيطه وخليجه.. لكن يوجد قلة من المثقفين تمارس الدور التنويري من خلال كمّ المقالات التي تنشر في الصحف الورقية والإلكترونية.. بل ومن خلال أعمالهم الإبداعية وأحاديثهم لوسائل الإعلام العربية الفضائية بكل شفافية وسط تلك الأمواج العاتية. لكن للشمس موعد وللقمر سحر قادم مع كل مثقف عربي تنويري ينتظر مخاض اللحظة المناسبة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق