ثقافة السرد

كافكا والدودة الهائلة

عبدالنبي فرج

لأن سردي ملٌغم، فلم استطيع نشر المجموعة القصصية الأولي” جسد في ظل” من خلال مؤسسات الدولة ولم يكن لدي مال الخاص كما أن الدفع مقابل النشر، يعرضك لشبه عدم الموهبة، كنت ساقطاً في منطقة سوداوية إضافة لكون تزامن كتاباتي، مع صعود السماسرة، وفرض نموذج المثقف المسخ، الأفاق، حامل الحقائب، المخبر المتطوع. استسلمت في النهاية وطبعت المجموعة في دار نشر صغيرة، وحصلت علي نسخ الكتاب ووزعتها علي الكٌتاب والصحافيين والنقاد، علي أمل أن يقرأ ناقداً، أو كاتباً كبيراً، ويتم تدشيني كمبدع واعد، ولكن تم تجاهلها تجاهلاً تاماً، إلا نذرا ضئيلاً من اخبار، كنت غاضباً أكثر من كوني يائساً، لذلك اكتفيت بكون المجموعة تسري بطريقة ما بين يدي قاريْ ما وانخرط في العمل البدني ، من خلال العمل فواس “أٌجري” في حدائق البهوات غرب الرياح، تسلخت يدي في بداية الأمر حتي تبلطت وأصبحت لا يؤثر فيها عمل شاق، أو أطفاء سيجارة، أو مسك جمرة ملتهبة ووضعها علي حجر الجوزة، ارتحت في هذا العمل الذي يكسب الجسم صلابة وقوة، كما أنه يعطيني مساحة كبيرة للقراءة ومشاهدة السينما، واقتناص يوم كل عدة أسابيع للسقوط علي وسط البلد حيث تجمع المثقفين، عندما يسألني كاتب عن عملي أقول موظف في الحدة المحلية، أو عملية المياه، كان من المستحيل علي أن أقول عملي الحقيقي، فمجرد ذكر عملي كفواس سيتم التعامل معي يا إما باحتقار، وتعالي، أو بشفقة تعادل القتل الرحيم، لم أكن على استعداد نفسي لتحمل كلا الخيارين، لست واهما بالمرة، بل عن تجربة، حيث كنت أجلس علي زهرة البستان، حيث التجمع الكبير، تجد كم من السخرية من المهن العاملة كسائق الشاحنة، أو التمريض، أو البقال، الخ، المثقفون أشد الفئات الاجتماعية عنفاً، وكراهية، بسبب كونهم لديهم وعي بدور المثقف وبكونه أداة من أدوات التزييف لصالح الدولة البوليسية عكس طبيعة تكوينه، كدور تنوير .
ورغم ذلك كان هناك أقلية ضئيلة مهمشة، بما أكتب وكانوا فيه حقيقة الأمر طاقة روحية دفعتني للاستمرار حتى جاء اليوم الموعد حيث كنت أقرا على السطح وجدت أمي تنادي عليّ، نزلت وجدت رجلاً غريباً لا أعرفه، سلمت عليه باضطراب ، ولأن دائماً لدي ريبة من كل غريب، قلت: مباحث، رد أبداً، طالبني في الجيش، ضحك الرجل، مفيش الكلام ده، أنا من البلد من عيلة البحراوي يا أستاذ، عندما قال يا أستاذ ابتهجت، طيب حضرتك عايز أيه؟ قال: عمي الدكتور براهيم عايز يشوفك، الدكتور إبراهيم عايزني، أيوه يا ريت تمر عليه، هو صحته مش ولا بد وما بيقدرش يمشي لمسافة بعيدة، قلت: حاضر، من عيني، وتركني، وسعادة تغمرني، فالدكتور، عاش فترة طويلة تقارب أربعين عاما في ألمانيا موظفاً نابها بالشئون القانونية، مستشاراً، قاضي، لا أعرف، المهم أنه شخصية قانونية كبيرة، وله أبحاثٌ وكتبٌ بالألمانية، وسيرته في البلدة مرتبطة بالنجاح والتفوق حتي تحول لأسطورة حقيقية، وهناك شائعات كثيرة عن سبب عودته، وقد سمعت من ابنة أخته مباشرة، أنه قال: أريد أن أعود لبلدي، وعندما لم يجد استجابة من أحد من أولاده هاج، وهو الصبور، وأخذ يكسر في الاطباق والصيني، والتحف المتناثرة، وعندما تم السيطرة عليه، من قبل أولاده كان صوته قد بح، وهو يلهث وصدره يعلو ويهبط، قال: أنا اختنق في هذا المكان يا ماري، أريد أن أقضي الباقي من عمري، علي تراب بلدي، لنترك الأولاد يا ماري، الخيار لهم، لكن أريدك معي، أنتِ حبي الوحيد يا ماري، هناك كانت دموع تترقرق، ومشاعر عاطفية مسرفة لم تستطع ماري إلا ان تحزم حقائبها وتعود معه في مارس 2003 لقرية أبوغالب من ريف محافظة الجيزة، عاد وقد بني فيلا وسور حولها وزرع نباتات غريبة وزهور جميلة تفوح بعطور مختلفة، ذهبت إليه وجدته يمسك خرطوم الماء ويرش المساحة المحيطة بالبيت، وقد أرتدي جلباباً أبيض، وبدا كبيرا في العمر، قلت أستظرف، مساء الخير يا مستر، قال سلام ورحمة الله أخذني بالحضن، كأنه يعرفني معرفة حميمة،و ترك الخرطوم يتدفق بالماء داخل الأحواض واصحبني للبراندا فوجدت سجادة وعدة شلت، ومساند مقلوبة، جلست، ثم جاءت ماري، وقال بعربية مكسره تثير الضحك: تشرب عصير برتقال، أم تشرب قهوة مثل الدكتور، قلت مثل الدكتور، ابتسمت ابتسامة مرحبة وتركتنا، كانت مارية ذات تكوين بدني قوي، جلد وجهها مشدود وشعرها الأبيض قصير ولها نظرات مقتحمة، كانت تلبس بلوزة ، بيضاء وسوتيانا أسود، و يبدو ثديها ممسوحاً استغربت كيف توافق هذه الجرمة أن تتزوج هذا الضئيل الحجم؟ أنا لدي مشكلة لا اعرف حل لها، أنني أعيش في الداخل، أمسح المحيط الذي أكون فيه بعيني وأحلل أصدر أحكاما، ولذلك يفوتني كثيراً من الكلام ،نظراتي جامدة، فقط أبحلق في من يتحدث وكأنني شديد التركيز، ولكن أكون في مكان آخر، وهذا ما حدث مع الدكتور حيث كنت احلل أفكاره التي بدت لي سطحية وشعبية وكأنه لم يخرج من البلدة، ولم يسافر للعالم المتحضر، أفكار عتيقة مثيرة للسخرية، حتى التقطت أٌذني جملة” أنا هوصلك للعالمية” جملة تشبه قرصة حيه، جعلتنيً أركز في ما يقول، نظرتي الصامتة المستجدية، جعلته يعود ليقول: أيوه، أنا قريت المجموعة القصصية ” جسد في ظل ” وأنت كاتب عظيم، وتستحق أعمالك أن يقرأها العالم، قلت: هو أنت قريت المجموعة، قال: أمال أنا بتكلم علي إيه؟ وعجبتك, قال وكان المصحف قريب منه، وقد وضع يده علي الكتاب وقال وحق هذا الكتاب أنت كاتب عالمي، ثم قال، ورب الكعبة لو أنت في بلد تانية لكان حالك غير كده خالص، قلت: يا الله، وأخذ يتكلم عن قصص المجموعة، رامة والتنين وعايدة يوسف، و جسد في ظل” كاد قلبي أن يختنق بالفرحة ولم استطع أن أتمالك مشاعري فمسحت دمعا يتجمع وشوشت أفكاري، ولم اعد اسمع أو أري، فقط ضرباً من الخيالات، تركته بعد أن أخذت منه وعداً بترجمة المجموعة للألمانية ونشرها من خلال دار شهيرة، عدت للبيت وأنا أرسم سيناريوهات، وترجمات وكتابات وعوالم، مما جعلني أتقلب طوال الليل علي الفراش، وعندما ذهبت للعمل كنت منهكاً، ولم أكن قادراً علي حمل الفأس، وكان الرفاق، يدخلون علي المساحة المخصصة لي للعزيق، كي اساويهم ولا ينظر لي صاحب العمل نظرة سيئة، علي اعتبار إني متعلم ويدي ناعمة، النهار كان طويلاً وكئيباً وأنا أريد أن أختلي بنفسي وأسافر بالحلم من خلال تخيلاتي، وضاقت نفسي بالعمل وبالإرهاق البدني، الغير إنساني، وكنت أحلم بتغير الحال وأنا أعيش منعما بفضل ترجمة نصوصي، خاصة أن المارك عملة قوية، وأي مبلغ سيوفي بالغرض، وفي المساء ذهبت بعد العشاء فوجدت الفيلا مغلقة ومظلمة، عدت مكتئب، وفي اليوم التالي وجدته، أخذنا نتسامر حتي وقت متأخر ولم يذكر أي شيء يخص مشروع الترجمة، ظللت فترة أتردد عليه، وأنا أحلم باليوم الذي سيبدأ فيه ترجمة القصص، تجاهل الأمر تماماً وكأنه كان سكراناً وأن كرامتي منعتني من مفاتحته، وأصبح عملي بعد العصر الدكتور، وأخذت أرفض أي ساعات إضافية، أو مقاولة بعد العصر حتى لا يمر يوم بدون صحبة الدكتور، كان فكها وجميلا وحكاءً نادرا وأبن نكته، ويضمر احتقارا رهيبا للعوام من الناس، ويراهم مجرد دواب تسير علي الأرض، كنت اشعر بغصة انني أجاريه وأضحك على أهل بلدي، كنت الوحيد الذي يسير معه وينتقل من حكاية لحدوته عندما كنا نخرج في الحقول، كانت الناس تعامله باحترام ومهابة، وهو يقابلهم بالأحضان وكأنه يخص الذي يقابله وحده بالمحبة والاحترام، كان ذو مشاعر متوقدة، يحتضن الناس بفرح وحب، حب حقيقي، احترت فيه، وعندما كنا نصل للبحر كان يستنشق الهواء بقوة وفرح حقيقي، وينظر في لهفة للحقول الممتدة، وفي يوم ذهبت وجدت تجمعاً كبيراً من أهل الدكتور، سألت أول رجل واقف فقال لي أن الدكتور مريض, دخلت سلمت وجلست قريباً منه وأنا حزين عليه وعلى حظي التعس، ثم ظللت فترة بعد ذلك لم أذهب إليه وعندما ذهبت وجدت عددا قليلاً من الأكثر قرباً منه ، دخلت وجدته يتعافي، ولكن كان مازال غير قادر علي الجلوس، اشار لي فذهبت وجلست جواره علي السرير وقال لي بصوتٍ واهنٍ متحشرجٍ، تعرف كافكا قلت له: نعم ومن لا يعرف كافكا، كلنا خرجنا من معطفه، بشكل أو بآخر، هز رأسه وقال: لدي كنز يخصه، قلت أي كنز، قال، وأشار لماري وكلمها باللغة الألمانية، فذهبت وأحضرت ملفاً ناولني إياه فوجدته ملف مصوره مكتوب بلغة لا أعرفها، قلت : ما هذا، قال: هذا الملف هو قضية كافكا، قلت أي قضية، لم أكن متعمقاً في حياة كافكا، وكل الذي قرأته هو مجموعة اعماله القصصية الصادرة عن هيئة قصور الثقافة بترجمة الدسوقي فهمي، : هز رأسه وقال: في يوم ذهبت لبراغ ممثلاً للمؤسسة الذي أعمل بها في الجانب القانوني في تشيكوسلوفاكيا ، أنت تعلم أن المؤسسة الذي أعمل بها دولية، ولها مصالح متشابكة في العالم كله، لم أكن أعلم أي شيء عن ما يقول، أو عمله، وأحسست أن الموضوع عبث في عبث، كان ضجراً ومتعباً وكل فترة يتوقف عن الكلام أيضا وقال، دخلت الأرشيف الوطني لمدينة براغ، وأنا أبحث محموماً عن ملفات تخص القضايا التي أعمل عليها وخرج في يدي ملف صدفة مكتوب عليه ” محاكمة كافكا” كنت قد قرأت مجمل أعماله بالألمانية، بتحريض من صديق لي، ولفضولي الشديد قمت بتصوير الملف ووضعته في الحقيبة وعندما انتهيت من مهمتي، عدت إلي ألمانيا، واضعاً خطة لدراسة الملف، ثم نسيت الملف تماماً وعندما عدت للبلدة وأنا أفرغ الحقائب وجدت الملف يقفز مرة ثانية، سعدت أيما سعادة، فهذه فترة تفرغي وجدت القضية التي سأقضي وقت فراغي فيه، المهم اخرجت الملف وقرأته بسرعة وجدته في غاية الغرابة، أولاً القضية رفعت عليه بعد وفاته، عندما نشر ماكس برود قصة الدودة الهائلة، وكان يري أن كافكا استقي قصته “الدودة الهائلة” من مسار حياتهم” وليس من الخيال، وأنه يريد تعويضاً مناسباً لكونه أساء استخدام الوقائع وحرفها وحط من قيمتنا اضافة لكوننا تحملنا كثيرا من عينة البشعة وحملقته المستمرة، وكأنناً كائنات تجارب تحت مجهر، كان يضهدنا، ولأننا جيران مسالمون ولم نكن نملك قوة وعضلات وشباباً ولا نفوذ والده لذلك ذهبت سلمياً أتوسل، أقول لك هذا بالنص، توسلت له، لماذا تضطهدني يا مستر كافكا، أرجوك أن تبعد عينك المفترسة عنا، أبتسم كافكا ولم يرد، كان يحتقرنا، ولا أعرف لماذا؟ نحن لا نستحق الاحتقار يا سادة، المصيبة هو كيفية كتابة كافكا قصته الدودة الهائلة,

القصة الواقعية للدودة الهائلة
وأنا خارج للعمل كل صباح في مناخ بارد وقاس، كنت أجد مستر كاف ذلك اليهودي البشع يقف أمام الباب وهو يرتدي نظارة سوداء كروحة العفنة، وبدلة سوداء غالية الثمن، وينظر إلي نظراته الوقحة، ساعتها كنت اصاب باليأس والكأبة، قل لي بحق المسيح ماذا يفعل رجل عجوز كتب عليه بدل من أن يستريح في فترة التقاعد يعود للعمل لأن له ابن عاق تخلي عن مسئولياته تجاه اسرته ويجد أحد يحدق فيه وعلي محياه نظرة ساخرة وقحة، ما الذي يخرجه في هذا الوقت، والصقيع يجتاح المدينة؟ لماذا لا يدخل ويجلس جوار المدفأة ويضع ساقاً علي ساقٍ ويقرأ الجريدة؟ ولكنه شخص شرير، يعذب نفسه لكي يري آلام الناس البسطاء، وهم يخرجون للعمل تحت وطأة هذا المناخ الرعب لذلك عندما اعيتني الحيل قلت أحاول كسب وده واحكي له ظروفنا التعسة، ولذلك بدل من أن اسير إلي عملي مباشر، انحرفت تجاهه وقلت صباح الخير مستر كاف، رد بود ، صباح الخير سيد سامسا، جلست جواره وقلت اعرف انك فضولي سيد كاف ولذلك لماذا لا نعقد اتفاق جنتلمان، أنت ترفع عينك الإبرية عنا وأنا احكي لك كل ما يدور في منزلنا، سأعري لك حياتنا، ما رأيك، بدا علي وجهه الابتهاج، وقام وسرنا تجاه محطة الباص، كنت مغبوناً لكوني عقدت اتفاق اذعان معه، ولكن ما باليد حيله.
لقد كان ابني جريجور ولداً نابها منذ صغرة، في الدراسة وقد حصل علي أعلي الدرجات في كل السنوات ودخل كلية القانون وتخرج بامتياز وعمل بعد ذلك في مكتب محاماه كبير في المدينة وقد خصص له المكتب سيارة تقله من البيت للمكتب، ورغم كفاحنا الطويل مع الدودة الحقيرة، حيث كنت أعمل في ورديتين، وأمه تعمل غسالة حتي تكالبت عليها الأمراض واصيبت بالربو من الوقوف في أماكن باردة، و تعاني أشد المعاناة جراء غياب التدفئة، ورغم تضحياتها الكبيرة ، لم يلب طلباً بسيطاً وهو تمويل رحلتها لتعيش باقي أيامها في “الجبل السحري”(1) حيث المناخ المناسب و الرعاية الطبية رائعة، لتعيش باقي أيامها بدون معاناة زوجتي لديها كرامة ولا يمكن أبداً، ان تهدر كرامتها أما ابن أحشائها، أنت تعرف ذلك، الأم تري نفسها في وضع خاص، وهي تطوق لهزه الرحلة وتراها جائزة بسيطة لتضحياتها، أنت لم ترها وهي تشحر وهي تبحث عن هواء لتتنفس، يا سيد كاف لو لم أعرف أمه جيدا لقلت أن هذا الولد أبن حرام، هذا الولد يتمركز حول ذاته ، بشكل لا انساني ونحن الذي أهدرنا عمرنا لصالح الدفع به للأمام والأن ينكرنا، هل تتصور أن أبنتنا مارجريتا، توقفت عن الدراسة وعملت في مكتب للآلة الكاتب كي توفر مصاريف الدراسة وبمرتبها تساعد في دعمنا، وفي الأخر بدل من أن يقف بجوارها ويساهم بقوة في جهازها يرفض العريس التي تحبه، ويقول أنهم ليس بمستوانا لكي يتهرب من تكاليف جهازها، هل رأيته خسه ووضاعة، يا سيد كاف، أنا لا أريد منه شيء، فحياتي ضاعت هباء، هل تتصور أنه اشتري شقة في حي راق وفرشها بأحدث المفروشات الحديثة، وللأسف لديه عشيقة يصرف عليه ببزخ، ثم يقطر علينا ويدعي أن مرتبه ضعيفاً ولا يكاد يكفي مصاريفه الشخصية.
كنا قد وصلنا محطة، الباص الغريب أنني قد انتابني شعور بالراحة بعد أن حكيت له، ما أمر به من ظروف سيئة واستطيع أن أقول لك أن السيد ك بدا يروق لي وقد اصبح لقاءنا دوري، أمر عليه، وأروي تفاصيل بؤسنا الأبدي إلا في اليوم الذي أكون فيه متأخرا عن العمل أو راحتي الأسبوعية، أو اكون بجوار زوجتي المريضة.
حتي حدث ما لم يكن بالحسبان، لقد وقعنا في مصيبة كارثية جعلتني أفقد عقلي،، لذلك قررت هذا الصباح الغياب عن العمل، كنت في حاجة لدعم لسند لذلك لم أجد سوي السيد ك لذلك ذهبت لرؤيته مستر كاف، وفعلاً وجدته كالعادة يقف شابكاً يديه في بعضهما ناظراً في اتجاه واحد وكأنه يلعب اليوجا، قلت صباح الخير مستر ك ، لماذا لا تدعوني لشرب فنجانا من الشاي بجوار المدفأة، والعمل، ليذهب العمل للجحيم، لقد وقعت في مأزق شيطاني، لم يحدث لأحد ولكن القدر اللعين يترك كل الناس ويتحفني بهداياه الرديئة، لن تصدق ولو حلفت لك بالمسيح، ولكن وحق الشيطان يا سيد كافكا هذا ما كان ينتظرني عندما فتحت الباب أقول لك، وكان هذه الحادثة من صنع مبدعاً عبقرياً يتميز بخيالٍ باذخٍ، نعم مستر كاف، يجب أن يكون كاتباً أصيلا ..حقيقياً، رحب بي ودخلنا للصالون، ثم عرفت أنه يعيش وحده لذلك ذهب ليصنع لي كوباً من القهوة، ثم عاد وجلس منتبه يقظ، ينصت باهتمام، شربت القهوة وبدأت احكي له
التقت الصحف من أمام الباب ودخلت وجدت زوجتي تسعل بشدة بسبب برودة الجو، كانت بدينة وتسير ببطء شديد، قلت لها وأنا حانق ما الذي يخرجك في هذا الوقت؟ قالت أن جريجور، لم يستيقظ حتي الآن وانت تعرف إنه يريد أن يصبح في أجمل حله، قبل أن يمر عليه السائق، قلت لها لا عليكِ، أتركي الأمر لي دفعتها مرة ثانية لغرفة النوم، ولم اخرج إلا بعد أن أحكمت عليها الغطاء، ثم عدت ثانيا لإيقاظه، دفعت الباب من الخارج لأن المسك كان مكسوراً من الداخل وقد قلت له مراراً وتكراراً، علينا أن نحضر صانع الكوالين، دون فائدة، فإي شيء له علاقة بالمال يضع أٌذن من طين، وأٌذن من عجين، ناديت عليه فرفع الغطاء فأصبت بالرعب جراء ما رأيت فقد تحول جريجور إلي دودة، هل تتصور هذا، دودة هائلة مستر كاف، ماذا تفعل وأنت تري أبنك وقد تحول إلي دودة، كفاحي، وضياع مالي وجهدي، أنتهي لدودة، ولكن ما الفائدة الآن ؟ وأنا في هذه الحالة السيئة وجدت السائق يقف علي الباب ويريد ازاحتني ليدخل الغرفة، دون أدني احترام، وكأنني لست رأس البيت، هل لكونه هو الذي يدفع الإيجار يكون هو السيد، الأب في النهاية سيد يا سيد كاف الست معي، كنت حانقاً جدا لذلك قلت تريد أن تدخل، أدخل ودفعته داخل الغرفة فاصبح وجهاً لوجه مع الدودة الهائلة، فسقط علي الأرض وهو يحاول أن يدور علي عقبيه، اندهش جريجور الذي لم يكن يعرف ما آل إليه حاله، فنظر مستغرباً وأخذ يبذل جهدا لكي يلحق السائق ليعرف سبب رعبه فالتقي بأخته جريتا فأخذت تصرخ، فصرخ هو أيضا ودار حول المائدة الكبيرة ولحق السائق علي السلم، وقد اتفق أن السائق يلتفت فوقعت عينيه علي جريجور بكامل هيئته فسقط من علي السلالم يتدحرج وهو يعوي ،فعاد مسرعا للغرفة وهو لا يعرف ما الذي يجري؟
وجدت أمه تجري نحوي لتتأكد مما سمعته، فوصفت لها حاله فأخذت تبكي ضياع مستقبل أبنها أغلقت عليه الباب من الخارج فاخذ يصيح علي بصوت رفيع وحاد يشبه الأزيز ،ثم وجدته يحطم في الأساس قلت لقد جن فسحبت عصاي وجلبت مرآه كبيرة من غرفة نوم جريتا ودخلت عليه واجهته بها، عندما رأي نفسه وقد تحول لدودة عظيمة بشعة انهار وتكوم علي الأرض، وأخذ يزحف تحت الكنبة، وهو يشعر بالعار، اغلقت عليه الباب، وطلبت من جريتا أن تدخل عليه، كل يوم بالأكل المناسب، هو في النهاية ولدي، بالعكس رغم ما نلنا منه من نكران للجميل إلا إنني أعامله بلطف ورقة، مثلاً كل يوم في الصباح أدخل عليه وأقول له، صباح الخير يا خنفستي الجميلة، صباح الخير يا أكل الروث العفن، اين عشيقتك ومالك ايها الجرذ النت؟ في أي مكان وضعت رزم المال، ثم كان علينا أن نضع له فخاً لكي نعثر علي المال، لذلك طلبت من جريتا أن لا تضع له طعاماً ثم تركت الباب مواربا، لكي يخرج من الخن، وانتظرنا ساعات لابدين كلاً في حجرته إلي أن خرج وأخذ يزحف ببط داخل المطبخ ، دخلنا الغرفة، وأخذنا نفتش في الصندوق تحت الكنبة، في الدولاب لم نجد شيء، أين خبأ المال اللعين؟ كنت حانقاً وفي أشد الحالات غضباً ثم سمعنا صراخاً جرينا ، فوجدناه يزحف علي حائط المطبخ والشغالة التي كانت في الخارج تشتري الخضار قد دخلت في غفلة منا ورأته كالعنكبوت يلهو علي الحائط، لذلك أغمي عليها، ضقت اشد الضيق، وقررت أن أتخلص منه، إلي الأبد نظرت فوجدت طبق به تفاحه، سحبت واحدة، ورميتها فتدحرجت وتبعتها أخري علي الفور(2)توقف جريجور في ذعر! لم يكن ثمة سبيل الآن لمواصلة الجري إلي الأمام لأن والده كان قد صمم علي إطلاق تلك القذائف نحوهّ. كان قد ملأ جيوبه بتلك الثمار من أحد الأطباق الممتلئة فوق البوفيه، وراح يسدد التفاحة بعد الأخرى دون أدني اهتمام بإحكام التسديد في حينه، وتدحرجت التفاحات الصغيرة الحمراء كما لو كانت كل منها مشدودة بمغناطيس ومسددة نحو الأخرى وتدحرجت تفاحة لم تكن قد سددت بقوة كافية، فوق ظهر جريجور، فاستقرت في ظهرة وغاصت فيه، وأراد جريجور أن يجر نفسه إلي الأمام، كما لو كان في الإمكان ترك ذلك الألم المفزع، الذي لا يحتمل خلفه، لكنه أحس به في البقعة نفسها، كما لو كان ثبت فيها مسامير.. ومدد جسمه، وتعطلت حواسه كلها. وبأخر نظرة أمكنه أن يعيها، رأي باب حجرته وقد انفتح واندفعت أمه خارجة منها وخلفها شقيقته تطلق صرخاتها- في قميصها الداخلي – لأن ابنتها كانت قد خلعت عنها ملابسها حتي يسهل عليها التنفس بسهولة أكثر، ويمكنها أن تفيق من إغمائها! رأي أمه تندفع متجهة نحو والده، واحتضنته، متحدة به في وحدة كاملة إلا أن عيني جريجور أطرقتا عند هذا الحد نحو الأرض ويداها تلتفان حول عنق والده، كما لو كانت تستعطفه، أن يبقي علي حياة ابنها!.
هل تتصور هذا يا سيد كاف أن أبننا تحول لدودة هائلة وضاعت أمالنا في الترقي السلم الاجتماعي إلي الأبد.
ثم سافر بعد ذلك مستر كاف لألمانيا، ثم عرفت انه عاد وهو مريض جدا، ولأنني رجل عجوزا وحساس تجاه الأمراض فقد خفت أن اصاب بعدوة، فلم ازوره في مرضة وعندما مات اخيراً ذهب للجنازة ونسيت أمره مع مرور الأيام حتي فاجئني يا سادة أبني جريجوري ينادي علي ويقول: هل تتصور يا ابي أن جارنا السيد كاف أصبح كاتباً مشهورا ؟ هل تتصور أن هذا الشخص كاتباً شهيرا؟، لقد اقتنيت الأعمال الكاملة له! ومد يده لي بها، قلت له هذه مزحة يا عزيزي لا يمكن أن يكون هذا كاتباً، هذا شخص شاحب العاطفة، صموت لا يستطيع التعبير عن أي شيء، ولا وصف شيء؟ أخذت منه الأثار الكاملة وقلبتها بين يدي، كانت طبعة فخيمة، وعندما قرات الدودة الهائلة قلت: يا أبن الحرام، أيها الأفاق, كيف تكون بهذا المكر وكأنك صحفي؟ كيف تسطو علي أعمال الغير وتنسبها لنفسك؟.
– سيدي القاضي : قصة الدودة الهائلة وليدة مخيلتي أنا, وليست لهذا الأحمق الغر ، ولذلك التمس من عدالتكم، ازاحة أسم السيد كاف ووضع أسمي عليها، وهذا يعود بالعدل إلي نصابه، حتي لا يكررها أي نصاب، المشكلة يا سادة وهذا أيضاً مهم، من وراء القصص الباقية الذي الفها السيد كاف، لا أحد يعلم ولا أنا لكن من سرق مرة لا يتورع عن تكرار فعلته وأنا اعلن أمام هيئتكم الموقرة أنني وهبت حياتي للبحث عن الكاتب الحقيقي وراء كل أعماله بداية من المحاكمة، ومذكرات كلب ومستعمرة العقاب وغيرها. يجب أن نفضح هذا اليهودي التعس.
ثم توقف عن الكلام، قلت كمل، وأنا مسحورا بالحكي الشفاهي، قال : عندما قرأت الملف اتصلت بابني جيمس، قلت له لحظة من فضلك أبنك أسمه جيمس، ويبدوا أنه فوجئ فقال لا تدخلني بمواضيع فرعيه فيضيع الكلام، ثم أكمل : اتصلت بابني وطلبت منه أن يسافر براغ ويذهب لهذا العنوان، وحكيت له القصة، جيمس يحب المغامرات، وله مغامرات هائلة، في تسلق الجبال، ورحلات السفاري عبر العالم ، لذلك كانت سعادته كبيرة بالقصة، وفي البداية مسح جوجل بحث عن جريجور حتي توصل إلي وقائع محددة منها أن جريجور أصبح صاحب أكبر مكتب للاستشارات القانونية والمالية في المدينة، وأنه مات عن عمر يناهز التسعون عام، وقد ترك ثلاث أبناء، اثنان هم من يديرون المكتب والثالث فوضوي راديكالي، انضم لخلية سرية، قامت بعدة تفجيرات في المدينة ادت لقتل عدد لا بأس به من رجال البوليس، وفي عملية أخطأ فيها فتم نسف قدمه اليمني، وتم القاء القبض عليه و علاجه حتي شفي ونقل للسجن حيث حوكم، بتهمة الانضمام لجماعة ارهابية اضافة للتسبب في وفاة عدد من رجال الشرطة، وقد تم دفع رشاوي مالية هائلة حتي لا يتم اعدامه، وحكم عليه بالسجن مدي الحياة، ثم ذهب إلي براغ وطلب مقابلة بيتر وهذا اسم الابن الثالث لجريجور وقد قابله بالفعل وعرف منه أن مستر سامسون قد تم اتهامه بالخرف والهذيان، وتم وضعه في مصحة للأمراض العقلية ، وقد تأسف بيتر علي جده وأخذ يكرر، الموضع مريب ودادي كلب السلطة القذر يفعل أي شيء حتي لا يعطل أحد مسيرته القذرة، فسادة المنحط يفوق الوصف .
ثم مد لي الملف وقال، اكتب قصتك، سحبت منه الملف وقلت ولكنني لا أعرف هذه اللغة، قال : لا يهم، القصة أنا قلتها لك، لكن لو اردت الدقة ادفع لمكتب ترجمة، وأكتب قصتك، هذه قصة عالمية، هتنتشلك من هذا الخراء، سحبت الملف وعدت للبيت وأنا يأس فرغم أن القصة بديعة، لكن لا خيال لي ولا دافع للكتابة، ورغم ذلك حاولت ومسكت القلم وأخذت أفكر من أين أبدا؟ ظللت فترة طويلة حتي اٌصبت بالإرهاق الذهني الشديد فنمت بجوار الطبلة، وفي صبالح اليوم التالي ذهبت للعمل وأخذت أفكر في مدخل، أو طريقة، لكتابة القصة، حتي أنني كنت غائباً تماما عن الفواسة، بمحاولة ترتيب الأحداث، وعندما عدت ظللت نائم لفترة طويلة وعندما قمت من النوم كان ذهني صافياً، مسكت الملف وأخذت أنظر إليه وإلي خطوطه الخرقاء، دون أن يلهمني بشيء، صعدت فوق السح لعل الهواء يلهمني أو أتلقي هبه إلاهية، ولكن لا شيء، ذهني فارغاً حد العدم، فمسكت الملف وأخذت انزع وريقاته واحدة وراء الأخرى وأطيرها في الهواء وانتابتني ضحكه ممرورة حد العدم

1- الجبل السحري عنوان رواية للكاتب الألماني توماس مان
2مقطع من قصة الدودة الهائلة للكاتب التشكيكي فرانز كافك

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق