ثقافة السرد

وإذا الموءودة سئلت..

رشدي بن صالح سعداوي*

من عقود مضت، وإلى يومنا هذا، الثّالث عشر من أوت، وإلى الغد وبعده، وهي تسير خلف جنازة وهي لا تعلم أنها هي، من سيوارونها الثّرى حيّة في آخر مسيرهم، إن لم تتحرّر من قيودهم و وعودهم و جحودهم.
من بدايات القرن الماضي والجنازة تسير وهي وسطهم. ظلّت الجنازة في مسيرها إلى بدايات هذا القرن، وكانت طيلة ذلك بلون واحد: حداثيون، يساريون ويمينيون. ومن جانبي الطّريق عمائم وقمصان طويلة وقصيرة ولحيّ وحجب ونقب. هم لا يريدون إخراجها من الجنازة بل يريدون تحويل وجهتها إلى مقبرة أخرى. عوض مقبرة غربيّة يودّون أن تكون شرقيّة. وظلّ المسير والحرب تستعر، من جهة شعارات وقوانين وقرارات ومؤتمرات و ندوات وصالونات وووزارات ولجنات وبرلمانات… طالت حتّى الملابس الدّاخليّة. ومن الجهة المقابلة مقذوفات بدأت “شتائميّة” لتتحوّل إلى تكفيريّة ثمّ ناريّة.
وبدأت الأيادي والأرجل تتشابك وهي بينهم يتقاذفونها. فتوقّفت الجنازة مكانها واحتدم الصّراع حتّى سقطت ضحايا من الجانبين. صفّر شيخا القبيلة فبقي الجميع جامدا مكانه. صار المشهد كأنّه صورة فوتوغرافيّة بالأسود والأبيض وهي وسطهم ترقص حينا وتولول حينا آخر. تركهم الشيخان في مكانهم جامدين وتوجّها نحو صالون فاخر في الجوار يشربان كأس شاي و يتناقشان. وأذّنا من على برج “إيفل” أن “حيّ على التّوافق-حيّ على التّوافق”. سمع الجميع نداء شيخا القبيلة فنفّذوا المطلوب. وتواصل السّير بتوافق خطوات إلى الغرب تليها خطوات إلى الشرق. فكان المشهد كرقصة العنكبوت. أمّا هي فلم تطق تذبذب المسير فأصابها دوار المصير. لكنّها ظلّت تترنّح بينهم.
ثلّة أخرى انتحت جانبا تصيح: إنّه تنافق و ليس توافق.
لسبع سنوات عجاف ظلّ الحال هو الحال ثمّ انتهى التّوافق و عاد التّراشق.
إنّها بلد سادتي فكّ اللّه أصرها، و ما المرأة إلّا شعارها الأبديّ.

رشدي بن صالح سعداوي-تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق