ثقافة المقال

الإعلامي كـ”مثقف جديد” مضاد للثورة والحريّة

أحمد عبد اللطيف

في زمن آخر، كان يمكن الحديث عن المثقف ودوره الاجتماعي، الدور الذي يبدأ من التوعية ولا ينتهي عند نقد معايير اجتماعية تكوّنت في زمن آخر وباتت غير صالحة لزمنه، ونقد السلطة السياسية حين تحيد عن واجبها كسلطة لتطبيق العدل وحفظ حقوق المواطنين. هذا المثقف، في زمن آخر ومكان آخر، كان يمكن أن يكون غيفارا، المثقف الكبير والقارئ الشره، الأرجنتيني الذي كان يجول، كطبيب أيضًا، دول أميركا اللاتينية بحثًا عن أمراضها، ثم وجد ضالته حين التقى بفيديل كاسترو، لينضم إلى ما سيكون بعد ذلك “الثورة الكوبية”. المثقف الأرجنتيني ينضم لفرقة حرب عصابات في كوبا لإسقاط ديكتاتورية باتيستا معرضًا حياته نفسها للخطر. حياة انتهت بالفعل في معركة قتالية بعد أن شارك مع كوبا والكونغو وبوليفيا في حروب تحرير ما كان ليخوضها لولا إيمانه بدوره كمثقف وسياسي ومحارب وبأن الحياة يجب أن تستقيم. غيفارا بذلك يشبه دون كيخوته، كما يقول الروائي والمنظّر الأرجنتيني ريكاردو بيجليا، إذ إنه يخرج ليغير العالم، ليحارب طواحين الهواء. ما الذي جعل غيفارا لا يقبل منصب الوزارة في حكومة كاسترو عقب انتصار الثورة؟ لأنه يعلم أنه، كمثقف، لا يصلح ليكون في السلطة، فسلطته الأساسية هي الشارع، الناس، وواجبه الحقيقي أن يكون بينهم لا متسلطًا عليهم. وجهة نظر سيتمسك بها حتى يودّع الحياة، بملابس محارب، بقناعات يسارية، بشباب لم ينطفئ بعد.

لكن بعيدًا عن صورة المثقف المحارب، هناك غرامشي الذي صك مصطلح “المثقف العضوي” القادر على التأثير في المجتمع وتحريكه، حتى لو كانت مجمل نظرياته نتيجة لسنوات الزنزانة. يشترك غرامشي مع غيفارا في الهم الاجتماعي والحلم بالتغيير، لكن طريقة كل منهما اختلفت عن الآخر. ما يجمعهما في النهاية أنهما مثقفان، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يتساويان في ذلك مع مثقفين آخرين من زمنهم، سارتر وكامو كمثال.

نحن هنا أمام مثقفين، قراء وكُتّابا، استطاعوا أن يصيغوا نظرية وأن يكونوا نموذجًا لما يمكن أن يكون عليه المثقف في تبني قضاياه. وعلى هذا النهج سار إدوارد سعيد في حياته وكتبه، وانشغل بقضية المثقف والسلطة حد أنه وضع فيها كتابًا لمناقشتها نقاشًا جادًا. وسعيد إذ يفعل، فذلك يرتبط بالسياق الثقافي العربي الذي كان متأججًا بأسئلة كبرى، حين كان لليسار في العالم العربي دور يلعبه وصوت يصل للمواطنين في شتى الأقطار. كانت السجون حينها مفتوحة للمثقف القادر على التأثير بقضيته العادلة في مواجهة سلطة جائرة. وحين كان غيفارا في أميركا اللاتينية يثور، وغرامشي يكوّن نظريته في السجون الإيطالية، وغويتيسولو ينتقد فرانكو من منفاه في فرنسا، كان المثقف العربي على قدر المسؤولية، ينتقد السلطة ويدافع عن العالم اليوتوبي الخالي من القمع والسجون، العالم الذي يسع اختلاف وجهات النظر من دون اغتيالات ولا مقصلات.

لكن ثمة تحولات حدثت في العالم، وخاصةً في عالمنا العربي. استطاعت السلطة السياسية على مدى عقود تقليم أظافر المثقفين، ثم جردتهم من أي تأثير ممكن، فيما كانت تفتح لهم الحظائر بدلًا من السجون، وتقدم لهم الهبات بدلًا من العقوبات، أو كانت تلعب معهم لعبة العصا والجزرة، فكانت النظرية الأميركية هي الأكثر تأثيرًا في السلطة العربية، فتبنتها ليتحول المثقف إلى مجرد مواطن لا يسعى إلا إلى لقمة العيش. لكن السلطة لم تفعل ذلك فحسب، بل كان لسيطرتها على الصحافة (قلم الكاتب) والإعلام (صوت المثقف) أثر بالغ في كتم الأصوات في الحنجرة، وكتم الأحبار في الأقلام.

لقد أدركت السلطة العربية، ومصر في المركز منها، أن التأثير الإعلامي (الشاشة) أكبر بكثير من الكلمة المكتوبة (كتاب، صحيفة) فتخلت رويدًا رويدًا عن التوجيه من خلال الكلمة المكتوبة (أبقت على بعضها حياءً وطوعت بعضها على سبيل الاحتياط، وسمحت بدور النشر الخاصة ودور السينما مع وجود الرقابة على المصنفات الفنية، وخلقت صحافة إلكترونية لتواكب العصر التكنولوجي). ولكي تتم عملية التحول والتأثير خلقت البرامج الحوارية التي يعتلي فيها الإعلامي المنبر لمدة نصف ساعة، يرسل خطاب الدولة ويؤكد كلام الرئيس ويبيّض وجه السلطة، قبل أن يستضيف ضيوفًا يتحدثون أيضًا عن المشروعات القومية والقفزات الاقتصادية ومركز الدولة بحسب إحصائيات لم تتم أصلًا. وبعيدًا عن استغلال الإعلام لترويج أكاذيب السلطة وأوهامها، وتسليط كاميراته على مؤتمرات لا جدوى من ورائها، استطاعت السلطة، وهنا أتحدث عن مصر، أن تضع الإعلامي على كرسي المثقف، فمثّل الإعلامي دور المثقف، ارتدى البيريه وتحدث عن الماضي والمستقبل، عن التاريخ والحاضر، عاد لسينما الزمن الجميل وشوارع وعمارة الزمن الجميل، ليدعونا للمساهمة (بالصمت) في استعادة الدولة لماضيها. ولأن المواطن في حاجة إلى من يوجهه، من يدله، من يوضّح له الأمور، بات ملتصقًا بالتلفزيون، ينتظر إعلاميين من طراز أحمد موسى ووائل الإبراشي وخالد صلاح ومصطفى بكري ليقوموا بالدور الذي لعبه من قبل غيفارا وغرامشي وعبد الرحمن منيف، وصنع الله إبراهيم وصلاح عيسى (قبل أن يؤثِرا السلامة)، لكنهم يقومون بهذا الدور من الخندق المضاد: المضاد للثورة، المضاد للحرية. إنهم المثقفون الجدد ذوو التأثير السلبي على تطور المجتمعات والرجوع بها إلى الوراء، هم أصوات السلطة وأبواقها، مدّعو الثقافة. بذلك يشغل الإعلامي مكان المثقف لكنه المثقف المضاد، المثقف الذي يعمل ضد فكرة الثقافة، وبالتالي ضد المواطنين في مصلحة صاحب السلطة.

في زمن آخر ليس ببعيد، كان يمكن للمواطن متوسط الثقافة أن يقرأ جرائد أو كتبًا فيدرك بعض الأشياء الخاصة ببنية الدولة وحقوق مواطنيها، كان يمكن لهذا المواطن أن يطلع على حاله وحال الدولة، وأن يشارك في تظاهرة أو يبدي غضبه من سياسة الدولة في مقهى أو بين أسرته. ما استطاعت السلطة ترسيخه عبر هذا الإعلام (الثقافة الجديدة أو المثقف الجديد) أن أعداء السلطة هم أعداء البلد، وأن المتمردين على النظام هم من يسعون لإسقاط الدولة. هذا الإلحاح على هذا الخطاب يبدو الآن يقينًا عند المواطن العادي، الذي لا يتألم (وهو محق) إلا لتراجع الحالة الاقتصادية وارتفاع الأسعار، ولم يعد مشغولًا بأي قضية خارج ذاته، وذاته هنا تعني احتياجاته الأولية. لذلك، لم يكن للمثقف العربي أي دور في ثورات الربيع العربي، ببساطة لأن المثقف لم يكن له أي تأثير قبل سنوات من الثورة، لقد حولته السلطة إلى مواطن ووضعته كترس في عجلة تدور في قصور الرئاسة. من هنا، تصدق رواية أن وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر بالتحديد) كانت الأرض التي نبتت فيها أولى بذور التمرد، ومن خلالها حدثت الثورات، ومن دونها ما كان للعالم العربي أن يرى على الأقل ثورة قريبة. مع الثورة اهتزت صورة المثقف/ الإعلامي، خرجت الجماهير عن سيطرته، خرجت، كما ستدرك السلطة بعد ذلك، لأن هامشًا من الحرية كان متاحًا على هامش المتن القمعي، ما سيجعل السلطة العسكرية الجديدة أكثر إحكامًا لغلق كل منافذ الهواء، ليكون المنفذ الوحيد قنوات تلفزيونية متعددة، تبدو خاصة رغم أنها مملوكة للدولة أو لأحد أجهزتها، تبث خطابًا واحدًا وحيدًا عبر مثقفيها الجدد.

لقد مات سؤال إدوارد سعيد حول المثقف والسلطة، لتكون الإجابة القاطعة أن المثقف هو السلطة وأن السلطة هي المثقف، المثقف ذيلها، ذراعها، فمها الذي به تنطق.

ليسترح غيفارا في مرقده الأخير وبجانبه غرامشي، وليسترح تاريخ اليسار العربي في مرقده كذلك، بعد أن اعتلى الإعلامي، المثقف الجديد، المنبر.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق