ثقافة المقال

هاري بوتر الشرق

زهير عبد الرحمن

استرعتْ انتباهي لعدة سنوات خلت، ظاهرة الشهرة الكبيرة، والضجة التي احتلّتها سلسة روايات هاري بوتر الخيالية. كثيراً ما فكرّتُ بالموضوع، وناقشتُ نفسي عن السر الكامن وراء اهتمام الناس في اوروبا برواية خيالية، لا تتجاوزُ بمفهومنا الشرقي قصصَ علاء الدين والفانوس السحري، وبدرجة أقرب، ربّما قصص علي بابا والاربعين حرامي. لماذا تفتقرُ المكتبة العربية المعاصرة، والإرادة الابداعية الفاعلة لدى الأدباء العرب المعاصرين لكتابة أدب من وحي الخيال أو الخرافة ؟ لم تطلْ حيرتي كثيراً، كنتُ أستشعرُ قربَ الجواب من مخيلتي، و كعادتي أتركُ للزمن فرصته للمساعدة في استكشاف الاجابة.
في طريق عودتنا من العمل، بعد عصر أحدِ الأيام سألتني جهان هل قرأتَ رواية قواعد العشق الأربعون؟ أجبتها: لا، وما هي؟ أجابتني: إنها قصة، ليست عن الحب الانساني العادي، هي قصةُ عشق إلهي لأحد المتصوفة المشهورين. أتمنى أن تقرأها وتبدي لي رأيكَ فيها؟ لقد اختلفتُ مع بعض الزملاء بصددها. أحضَرَتها معها صبيحة اليوم التالي، على أن تسترجعها خلال اسبوع.
حقيقةً، كنت قد فقدتُ نصفَ حماستي لقراءتها عندما أخبرتني عمّا تدور الرواية، ذلك أنني لستُ شديدَ الحماس لقراءة قصص الخيال التي لا تجادلُ الواقع، وبالرغم من ذلك ضغطتُ على نفسي بعد يومين وباشرت بقراءتها، وبغضون يومين أنهيتُ الرواية بالرغم من ضخامتها. ولأكونَ صادقاً فقد قرأتُ النصف الثاني منها تصفُّحاً بعد أن أرهقني الملل.
نعم، لقد فعلَ الزمن فعلهُ، وشاءتْ الأقدارُ أن تضعَ في طريقي هذه الرواية، ليس فقط لأفهمَ سببَ اهتمام الغرب بقصص الخرافة، بل وسببَ نفوري منها، وفقاً لتصوراتي وهواجسي في الحياة. خلال قراءتي للرواية، عشتُ ثانيةً معظمَ قصص الألم والمعاناة التي مرّتْ بي ذاتَ يوم. عِشتُها كما يعيشها أبطالُ الروايات وممثلي الأفلام.
أدركتُ تماماً أننا لانرغب بقصص الخرافة والخيال، لسبب بسيط وبسيط جداً، هو أننا نعيشُ زمنَ الخرافة بحذافيره كواقع مرّ. واقعٍ مجبول بالمعاناة اليومية والقهر، نجترعُ الوجعَ صباح مساء. أيُّ خرافةٍ أكثرَ من هذه يمكن أن يتصورَ الانسان، أنْ يموتَ الحلمُ في داخله، وأن يصبحَ الموتُ بسلام أكبرَ أمنياته، في زمنٍ بدأت تعصفُ فيه رياحُ التغيير والفوضى غير الخلاّقة.
رحتُ أتذكّرُ فترة الشباب الأولى، كيف كانت مفعمة بالقيم الانسانية وبأحلام المدينة الفاضلة. كانت مشبعة بالمشاعرَ الوطنية الجيّاشة التي كانت تنبض في عروقنا في فترة الصبا، كثيراً ماشاركنا بمسيرات وطنية شبه عفوية ضد قوى الظلام. لكن الظلام والظلم، رفيقا النفس البشرية مافتأا يستغلان غياب النور فيملأان الفراغ. كانت الخديعة والنفاق وتشويه الحقائق تتسلل بين سطور المعرفة. إنها سمةُ النفس البشرية، لمْ ولا أستطيعُ انْ أفهمَ اجتزاء الحقائق، لتبرر سلوكاً بشرياً وإن كان جمعياً ليعاكس روح الطبيعة. فمثلاً: كيف يمكن تبنّي الحرية كمطلب انساني وجودي، خارج السياق التاريخي، هل نطلب الحرية لنا ونرفضها لغيرنا، هل نتبناها مطلباً في الزمن المعاصر ونرفضها كاستحقاق مسلوب من أهلها في الماضي؟ لماذا لاننظر إلا إلى الصور الجميلة من الماضي ونتغاضى عن الصور البشعة التي تبين قُبح الماضي؟ عندما يهاجمنا شعب غريب لينشر قيمه وافكاره، نحاربه ونسميه عدواناً واستعماراً؟ وعندما نفعلُ الشيء ذاتُه نسمي أنفسنا فاتحين! هل هاذا يستقيم مع قيم الحرية والعدالة والنزاهة؟ أليس هذا مكْمنُ ثقافة السبي في القرن الواحد والعشرين؟ إن النور واحد، و الشر واحد، و كلاهما مستوطنان في الانسان، والفيصل هو العقل؟
كلّ هذه الاسئلة وغيرها كانت تدورُ في خلدي، عندما مرّ شريط الذكريات بذهني بعد قراءة القصة، كما تذكرتُ عذاباتي مع والدي بسبب الأحذية التي أبليتها بسبب كثرة المسيرات. من الاشياء التي تعلمناها في المدرسة: أن الآخرة لاتقوم حتى تُوفّى كل نفسٍ حقها. أذكر هذا لأني كنت قد قرأت مؤخراً في الصحف أن أحد أقطاب الدّجل ضدّ قوى الظلام، الذي كان يعطينا دروساً بالوطنية، والمقيم في احدى العواصم الاوروبية، إثر خروجه من عباءة السلطان، قد أقام حفلاً لحفيدته في إحدى دور الآوبرا الفاخرة بتكلفة أيضاً خرافية. سأطالبُ بثمن أحذيتي من هذا المخادع اذا ماسُئلتُ في الاخرة عن حقوقي المسلوبة، اذ كنتُ حينها ابن ست عشر عاماً، وهذا يُعتبرُ إساءة لبراءة الطفولة وفق كل دساتير حقوق الانسان وشرائعه.
هاري بوتر الشرق، نعم هكذا أجبتها عندما سألتني جهان عن رأيي بالقصة بعد إعادتها.
لم تستسغ رأيي في الرواية، لقد صَعُبَ علّي أن أشرحَ لها، أنّ الشرقَ كلّه يعيشُ واقعاً خرافياً لزمن يصعبُ توقّعه إلا من قِبل ذوي الاشراقات الذين يستلهمون المعرفة كإيحاء من المعشوق للعاشق.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق