ثقافة السرد

جثة كلب مهم

فاضل العباس*

في الخربة التي جنب داري وضعت الكلبة الملساء جراءها الخمسة تحممت مزهوةً بمياه المستنقع، الذي تكون من فيض مياه الصرف الصحي في حَيّنا الشعبي ،وملأت ازقته الترابية التي حُفرت هي الاخرى بحفارات عمال شركة ادعت صيانتها لشبكة الصرف الصحي. كانت رند، ابنتي الصغرى اكثر اطفال الحي عرضةً لملاحقة ذباب المستنقع كلما خرجت في نزهة استطلاعية لاستكشافه. تسمرتْ في مكانها وهي تصغ لأنين الجراء تحت بطن امها وهي تلثمُ حُلَمَات اثدائها.! طلبت واحداً منها لنصحَبه إلى دارنا. إنها قذرة ومريضة ،،،، إني سأعتني بها …… لا يُمكن أن تنظف،،،،،، إنها كلاب،،،، ألم تريْ انها تسبح في مياه المستنقع القذرة،،،، عادي ،سأُحممها وألبسها واحداً من ثيابي…..
لم يكن كلامي مقنعا لها، بدأت بالبكاء وتحول بكاؤها إلى صراخٍ . تجمع الأطفال حولها محاولين إقناعها دون جدوى. من نهاية الشارع العام الذي يربط أزقة الحي صدرت صرخاتٍ مدوية ٍمَلَأته ضجيجاً كلب! ….كلب!… كلب!…
ارتد الكلبُ مذعورا على أعقابهِ أراد حرسهُ أن ينالوا من المنادين لولا تدارك المارة للموقف. ركب سيارته الحديثة الأنيقة محاطا ببطانته . عبر زجاجها كان يرى هتافات للجماهير، التي تابعت موكِبه الفخمِ. خفضَ قليلا من زجاج النافذة، ليسمع هتافاتها تمجد حياته. ومن خلالها. يسمع أصواتا قوية حادة تزداد كلما أمتد الموكب في شوارع المدينة. كلب!،،،كلب!،،،كلب!،،،
أغلق الزجاج بعصبيةٍ وأشار للسائق أن يغير وجهة موكبهِ. مازالت الأصوات تصل إلى مسامعه
كلب!،،،،،كلب!،،،،،كلب!،،،،
بدأ الذعرُ يسري في أوصاله ِ التي كانت منتفخة، أحس أن حجمَه يصغرُ . الأصوات تتضخم تزداد حدةً في مسامعه وفي كل زاويةٍ من قصره.. أغلق أُذنَيه بقطعٍ من القطن دون فائدة. أحسَ أن ربطة العنقِ حبلَ مِشنقةٍ يلتف حول رقبتهِ، رمى بها أرضاً. رمى ببذلته (السموكن) لتلحق بالربطة. صمَ أذنيه بِكلتا يديه، لم تنجحْ محاولاته . ليل حالك يطبق عليه ..
تصور أن زحفاً من الجماهير التي هتفت لحياته زمنا، اليوم تطارده تنزع هيبته وفخامته والهالة الكبرى التي أحاط بها نفسه تتجهُ نحو القصر لتنقلب عليه. أمر حَرَسه بغلق الابواب ،النوافذ وإطفاء الأنوار والانتشار بكل الشوارع التي تؤدي للقصر. وأن تطلق النار على كل جسمٍ متحركٍ بأتجاهه دون رحمةٍ. أحس ان حدثا مهما سيحصل ، قبل طلوع الفجر ، لابد ان يتخذ قرارا لإنقاذ روحه. فكر كيف ينجو؟ أيعود للحي القديم المتهالك المتعفن من القمامة ومياه الصرف الصحي الذي ولد فيه؟ الى بيوت الصفيح والطين وموطن الذباب والديدان ليحتمي بمن كان يوماً واحداً منهم؟ من البعيد كان نباح الكلاب يتهادى لمسامعه يقطع سكون الليل، استفز حيوانيته وشهوته حسدها على حريتها وانطلاقها.

تمنى أن يكون بينها واحداً منها ،قلد أصواتها ،عوى بصوتٍ مسموع سمعه كل حرس باب جناحه والذين في الخارج ..مع دوي إطلاق نار من مسدسٍ ..عندما كسر الحراس باب الغرفة عثروا على جثة كلبٍ مهم

*فاضل العباس. العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق