قراءات ودراسات

المعرفة الكولونيالية من الرفض إلى الاستعادة

فريد الزاهي

مرت أكثر من ستة عقود على “خروج” الاستعمار من البلدان العربية ونحن لا نزال نحاول استلال الأرجل من شرَك الوطنية الضيقة التي حجَّمت من قدرات ثقافتنا المحلية على بلورة فكر قادر على استيعاب كل مكوناتها التاريخية. ففي الوقت الذي صار فيه المقدس يتحول إلى ظاهرة سياسية قاهرة أصبح الاشتغال على التاريخ الذاتي أحد المداخل الممكنة لفهم السيرورة التي تثوي وراء العديد من الأمور والقضايا التي نتخبَّط فيها اليوم.

وإذا كنا نتفهَّم بشكل ما أن دواعي التحرر الفكري والثقافي من الاستعمار قد أدت بأكثر مفكرينا ذهنا ثاقبا إلى السعي إلى تفكيك الثقافة الاستعمارية والكشف عن مضامينها الإيديولوجية ومساعيها إلى إنتاج معرفة نفعية مغرضة بالبلدان العربية، فإن الوقت قد حان لمراجعة هذه الأطروحات وتحريرها هي نفسها من ردة الفعل التي ظلت تواجه بها تلك الثقافة، في زمن لم يعد مفعولها قائما. إن تعطيل الوظيفة الإيديولوجية لهذا الإنتاج الثقافي الكولونيالي يحوّل بعضه إلى أطلال، والبعض الآخر إلى وثيقة والبعض الثالث إلى سمة تاريخية حية.

من ثم نزعم هنا أن هذا الإرث غير المادي يشكل بصورة ما وفي جوانب عديدة منه (يلزم البرهنة عليها) جزءا مكونا من ثقافتنا التاريخية، حتى وهو ينتج معرفة هجينة يصوغها الآخر. هذه المعرفة الهجينة تحمل طبعا منظور المنتِج ومسبقاته الذاتية والتاريخية، كما تحمل أيضا العديد من العناصر التي تشكل، في خضم ذلك، شهادة على ماضينا ونظرة مواكبة له، في وقت كان فيه العرب غير متمكنين بعدُ من علوم التحليل عدا التاريخ.

المعرفة الاجتماعية من منظور الآخر

في سنة 1967، أصدر عبد الكبير الخطيبي دراسة هامة تعتبر الأولى الرصينة والمؤسسة عن حصيلة الإنتاج السوسيولوجي في المغرب منذ بدايات القرن العشرين. وبما أن هم الخطيبي آنذاك كان يتمثل في حصر بحثه في السوسيولوجيا، فقد أقصى عن وعي، من حصيلته تلك، أعمال من اعتبرهم إثنولوجيين أو أنثربولوجيين كإدمون دوطي ووسترمارك وغيرهما. والحقيقة أن هذه الدراسة الهامة قد وضعت أمام الباحثين القلة آنذاك أسس تناول هذا الإرث الذي خلفه باحثون أجانب عن المغرب. ومن ثم، وبالرغم من النقد القاسي الذي وجهه الخطيبي في ما بعد لأعمال عالم الاجتماع والمفكر جاك بيرك، فإن المعرفة الاجتماعية التي أنتجها الأجانب عن بلادنا قد كانت منطلقا لتأسيس معرفة سوسيولوجية بالمغرب تقوم على هذا الإرث وعلى نقده ومحاولة مجاوزته في الآن نفسه.

إن ما يهمنا هنا هو هذا التمفصل الذي يمكّن من استعادة المعطيات وفي الآن نفسه من تجذير الاختلاف النظري. وبالرغم من أن التحليل في العلوم الاجتماعية يكون محكوما بالتحديد النظري إلا أن النتائج التحليلية تكون أقرب إلى التشارك المعرفي. من ثم يمكن القول بأن هذه السوسيولوجيا، ولو أنها كانت كولونيالية المنحى أو المقاصد، قد وفرت للباحثين بالبلدان العربية أرضية مكنتهم ولا تزال تمكنهم من شحذ اختلافهم النظري والتحليلي.

من ناحية أخرى فإن ما تركه الأنثربولوجيون والإثنولوجيون وغيرهم من الباحثين لا يزال جديرا بالاهتمام، خاصة في تركيزه على ظواهر كالسحر والتصوف وغيرها من المعتقدات التي لا تزال أعمال إدمون دوطي ووستيرمارك ذات طابع مرجعي في مضمارها. أما الدراسات المتعلقة بالحضارة، والدراسات المعمارية والفنية التي تركها لنا هؤلاء عن الفنون الإسلامية فإنها معين لا ينضب من المعطيات الدقيقة التي لا غنى عنها لأي باحث أو مهتم.

إن هذه المرجعيات التي أنتجت عن البلاد اليوم تطرح علينا سؤالا هاما: ما الذي أضفناه نحن كعرب منذ ذلك الحين إلى هذا الإرث؟ بل إن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه: أي معرفة أنتجناها اليوم عن تلك المرحلة، خاصة وأن بعض الجوانب السياسية والاجتماعية لا تزال لحد اليوم تخضع لنظرة ذات منزع وطني ضيق يكبح أي سؤال عن الحداثة في ظل الاستعمار وما ندين لها اليوم من تحولات.

إن الموقف الذي عبر عنه إدوارد سعيد عن الاستشراق، والذي يمكن أن نعتبره علامة بارزة في بناء تصور عربي لنقد الاستشراق في شموليته قد فُهم فهما مغاليا وإطلاقيا يكاد يحوله إلى رفض شمولي ونقد عدمي. والحال أن إدوارد سعيد نفسه في الطبعات اللاحقة لكتابه قد ركز على التعامل الاستعمالي الذي قوبل به كتابه وكأنه حركة فكرية تحريرية. أما دراسة مالك علولة عن الفوتوغرافيا الكولونيالية أو الاستشراقية الخاصة بالمرأة وبالعري وبمشهدة الجسد الجزائري، فبالرغم من الذكاء التحليلي الذي تفصح عنه فإنها تنطلق أيضا من موقف استنكاري يجعل التصوير الاستشراقي كله في سلة واحدة. ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى الدراسة الشهيرة لعبد الكبير الخطيبي عن جاك بيرك والتي ينعته فيها بالمستشرق التائه. ويبدو لي أن مراجعة هذا المقال السجالي ستمكننا من الوقوف على المبالغة المفرطة التي تعامل بها الخطيبي آنذاك مع مفكر وعالم باللغة العربية والمجتمع المغربي قديما وحديثا، ترك لنا مرجعيات صلبة لا يعلوها الغبار عن المجتمع القروي وعن المجتمع المغربي الوسيط… إنه عالم علامة قد نختلف معه في بعض الجوانب، غير أن تحاليله لا تزال صامدة أكثر من بعض تحاليل منتقديه. أما أن نرفضه لكونه كان في بداية ارتياده للبلاد موظفا في الإدارة الاستعمارية فذلك ما لا يمكن أن يقبله عقل يفكر نقديا بشكل مزدوج كما أوصى بذلك الخطيبي نفسه.

من ثم يبدو لي أن الوقت قد حان لنقد “نقد الاستشراق” (إذا صح القول)، لا لمحاولة تفكيكه فقط، وإنما لمحاولة مساءلته بنظرة جديدة تقول إن الوقت قد حان لتملّك الاستشراق، واعتباره جزءا من ذاكرتنا الفكرية والبصرية والثقافية، ليس فقط لأن الفضاء العربي والجسد العربي هما موضوعان له، ولكن لأن هذا الاستشراق ليس كيانا واحدا موحدا وإنما هو نظرات لا تقبل لا من الناحية التاريخية ولا من الناحية الجمالية ولا من الناحية الموضوعاتية أن يتم تناولها بالتعميم والتوحيد والإسقاط الجامع.

المعرفة الأدبية في اختلافها

ربما كان الأدب الكولونيالي هو الأكثر مجهولية في هذا الإرث، بحيث لم يحظ بالدراسة الكافية الممحّصة. والجانب المعروف منه أو الظاهر فيه هو الرحلات التي قام بها الأجانب إلى بلاد العرب منذ القرن السابع عشر. وإذا كانت رحلة مولييراس الأب دو فوكو وبيير لوتي ورحلة شوفريون (التي أصدرنا ترجمتها منذ مدة)… هي الأكثر شهرة فلأنها أنتجت في ذلك ما يمكن نعته يعرف بالتعرُّف reconnaissance أي إنتاج معرفة جغرافية واجتماعية واقتصادية وإثنوغرافية عن البلدان العربية. لا تهمنا الآن المقاصد الاستعمارية والمؤسسات التي كانت تموّل تلك الدراسات، فالمهمة الاستعمارية انتهت، بيد أن تلك الرحلات وتلك المصنفات وفي جوانب معرفية كثيرة منها تجاوزت الظرفية والسياق اللذين أفرزاها وغدت منتجا معرفيا يمتلك من العمق والراهنية ما لا تمتلكه الكثير من الكتابات لباحثين معاصرين من أهل البلد.

تشكل هذه الرحلات سواء منها ذات الطابع الإثنوغرافي أو ذات الطابع “السياحي” وثائق هامة ونادرة لا عن الوضع السياسي والاجتماعي ولكن أيضا عن السياقات غير المعروفة في الكتابات المغربية آنذاك. فالمعروف أن كتاباتنا التاريخية قليلة عن تلك المرحلة. فعدا بعض المصادر القليلة، لا يمكن أن نجد في أغلب ما وصلنا من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ما يمكن أن يشكل مصدرا تاريخيا، يمكن اعتماده… وبالرغم من أن تلك الرحلات ليست دوما ذات طابع أدبي إلا أن جانبها الأدبي العام أمر لا يلزم إغفاله.

ولعل الكتابات القليلة التي كُتبت عن الأدب الكولونيالي (كأطروحة عبد الجليل الحجمري باللغة الفرنسية) قد كان لها أثر كبير في التركيز على الجوانب الغرابية والاستعمارية في هذا الأدب. والحال أن هذا الأدب إن كان يبين عن عقلية الآخر في النظر إلينا فإن بعض الكتابات فيه تنم عن انزياح واضح عن هذه العقلية. ولا أدل على ذلك من نموذج أسوقه هنا يبين عن نظرة إنسانية تحمل الكثير من العمق وحبا كبيرا للبلاد وتصورا قلَّ ما نجده لدى العديد من الكتاب. يتعلق الأمر بكتابات ألين دولينس، وهي فنانة تشكيلية فرنسية عاشت بالمغرب في بدايات القرن الماضي.

كانت هذه المرأة من أوائل النساء اللواتي ارتدْن مدرسة الفنون الجميلة بباريس في بدايات القرن الماضي. ثم إنها بعد زواجها من السيد “ريفيّو”، صاحبته إلى تونس لمدة سنتين لتعود معه إلى المغرب حيث تم تعيينه حاكما على مدينة مكناس. وبالرغم من أنها فنانة تشكيلية فلم يصلنا من أعمالها إلا بعض البورتريهات لنساء مغربيات. كانت ألين دولينس قصاصة بارعة فقد أصدرت مجموعة من القصص بعنوان “الحريم المنفرج” تظهر فيها معرفتها بدواخل البيوت المغربية والتونسية. كما أصدرت بعدها رواية بعنوان “خلف الأسوار العتيقة المتلاشية”، وهي رواية تعايش فيها النساء المكناسيات وتتكلم لغتهن وتحكي عن مآسيهن وأفراحهن، مفككة النظرة الغرابية الاستشراقية التي كانت سائدة آنذاك. كما تركت لنا كتابا عن مواد التجميل التقليدية واهتمت بأمور اجتماعية تربوية مع فتيات المدينة وكانت وراء تشييد حديقة الحبول المعرفة بمكناس. إنها نموذج من بين نماذج أدبية أخرى يلزم استكشافها والتعامل معها بمنظور جديد يتجاوز الإنكار لهذا الأدب جملة وتفصيلا.

ليس من شك إذن في أن الأمر لم يعد يتعلق اليوم بتصفية الاستعمار، ولا بمرحلة ما بعد كولونيالية، كما يتم تداولها في العقود الأخيرة، وإنما بتصفية الاستعمار الرازح على تصوراتنا. إننا نعني بذلك أن المشكل اليوم هو مشكل تصوراتنا لهويتنا الوليدة والجريحة وفي الآن نفسه، أعني مشكل تصورنا لآخر ترك علينا بصماته الحداثية ووسمنا بلغته وتقنياته، وراح يستكمل مشواره في التقدم… لذا فإن ما استنبته الآخر في وعينا ولاوعينا صار جزءا من كياننا ومتخيلنا.

إن ما نواجهه حاليا تجاه هذه المرحلة لم يعد سياسيا وإنما صار ذا بعد تاريخي ومستقبلي. والحس الوطني لم يعد سمة المرحلة، بحيث إن ما حجبه عنا لعقود طويلة صار يطل علينا من شقوق هذا التوجه نفسه. لهذا فإن استعادة هذا الماضي بشروخه ومعطياته أمر يمكّننا فكريا من تفادي الإنكار، باعتباره تجريما لمرحلة بكاملها. فكما أن علاقتنا باللغة الفرنسية والإنكليزية والإسبانية صارت علاقة امتلاك وتأويل، كذلك نحن مطالبون بممارسة التأويل على معطيات تلك المرحلة. إنه تأويل مزدوج تجاه حاجياتنا الراهنة كما تجاه رغبتنا في امتلاك ناصية ماضينا كاملا. وهو تأويل يمكّننا أيضا من تجاوز بتْر إرث كامل والرمي به في الخارج، ليحثنا على إنتاج معرفة جديدة بماضينا القريب، بعيدا عن المقاصد الكولونيالية وعن المقاصد الوطنية الضيقة التي تحكمت في الأذهان لعقود. إنه رهان حاضر يبتغي تملك الماضي وعدم الاكتفاء بكونه كان ساحة حرب فقط…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق