ثقافة المقال

بني ورثيلان خلال القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجريين

زوهري وليد*

بقد تميّزت منطقة القبائل منذ القديم بالتّواجد المكثّف للمرابطين الأشراف ذوي الثقافة الدينية و الصوفية  الذين نشروا تعاليم القرآن في الكتاتيب و الزوايا التي نشأ وتعلّم فيها العديد من العلماء ، سيما بعد احتلال الإسبان لمدينة بجاية خلال القرن السادس عشر{1} ويمكن اعتبار عام 915هـ  حيث سقطت بجاية بأيدي المستعمر الإسباني ، بداية التاريخ الجهادي للزوايا ذلك أن العلماء وأهل الفكر والثقافة حين حاصرهم الأسبان ، ودمروا مدينتهم ومعاهدهم أخذوا يبحثون عن مواقع جديدة يواصلون منها رسالتهم التي نذروا أنفسهم لها, فلم يجدوا ـ كما قال شارل فيرادو ـ أحسن من الواد الكبير” الصومام”  وقمم جباله التي بقيت منيعة من الاستعمار الإسباني {2}..

فقاموا بتأسيس الزوايا في عديد المناطق مثل زاوية شلاطة على مشارف أقبو ببجاية3}وتنسب لسيدي بن علي الشريف{4} وذريته وزاوية تامقرة وسيدي التواتي، وغيرها وقد بلغ عدد الزوايا بمنطقة  القبائل وحدها حوالي ستين زاوية{5} ، ،والتراث المادي والمخطوط لمنطقة القبائل يدل وبكل وضوح على مدي تجاوب منطقة القبائل مع الظاهرة الصوفية والتي أخذت أبعادا محلية مع الطريقة الرحمانية  وهي من أكثر الطرق الصوفية انتشارا خاصة خلال القرن التاسع عشر، وقد نشأت هذه الطريقة في الجزائر في أواخر القرن الثاني عشر الهجري{6} ، على يد مؤسسها الشيخ محمد بن عبد الرحمن الجشتولي الجرجري الأزهري مستندا بزعيم الطريقة الحفناوية في علوم الحقيقة و هي سلسلة الطريقة الخلوتية {7}إذ أخذها عن محمد بن سالم الحفناوي{8}، في سنة 1183هـ أسس الشيخ زاويته بقرية آيت إسماعيل، كما ظهرت بعض بذور الطريقة الحنصالية في منطقة بني ورثيلان{9} والعديد من الطرق الأخرى والتي  نجحت في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن العشرين في التأطير الكلي لمنطقة القبائل بفضل شبكة الزوايا التي أقامتها في الجهة وهم الذين حافظوا على الإسلام والهوية العربية الأمازيغية {10}فكانت قبلة المتعلِّمين والمتفقِّهين في الدين ، كما استطاعت هذه الزوايا أن تصد محاولات المستعمرين لاختراق الشخصية الإسلامية وتشويهها , وكما أسلفنا فقد انطلقت من هذه الزوايا كتائب الجهاد , وتفجرت ثورات كثيرة ومعارك عديدة لمقاومة المستعمر , ولذلك بقيت الزوايا ذات قيمة تاريخية جهادية لدى المواطنين لما أدته من دور وطني مثل مقاومة زوج لالة فاطمة بن سيدي بن عيسى زعيم الزاوية الرحمانية بعد لالة خديجة الحاج عمار حيث جمع أعدادا كبيرة من مريدي الطريقة لمقامة المستعمر الفرنسي سنة 1857م{11} ،ومقامة الخليفة شيخ الرحمانية محمد امزيان بن حداد سنة 1871م بقرية صدوق{12} .

ومن أهم شيوخها  العلماء محمد بن علي الشريف الزواوي الشلاطي وقد ظهر تأثير اللغة والشعر العربيين في ثقافته من خلال مؤلَفه الفلكي الشهير المسمى معالم الاستبصار ألفه سنة 1192ه{13} وقد تعرض فيها إلى العديد من القضايا الفلكية ذات التوجه الديني مثل تحديد أوقات الصلوات الخمس والمناسبات الدينية مثل يوم عاشوراه والمولد النبوي ..تحديد مكان مكة من أي وجهة في العالم وغيرها من الآراء المهمة، وله أيضا منظومة {14}طويلة فقد بلغ عدد أبياتها 644 بيتا تسمى وصلة وسيلة في مدح الرسول وقد ألفها في سنة 1765م الموافق 1179ه وقد استعمل فيها نظام حساب الجمل وهي طريقة لتسجيل  الأرقام والتواريخ باستخدام الحروف الأبجدية وهو مايسمى بالوفق أي التوفيق بين الأرقام والحروف، كما اشتهر والده بالعلم الغزير وقد ذكره ابنه في كتاب معالم الاستبصار بأن له تقيدات فلكية ودراسات علمية من بينها ملاحظاته على زلزال بلاد القبائل 1752م كما ذكر الشيخ الحفناوي في تعريف الخلف اثنين من أحفاده محمد والسعيد وقد كانا شاعران بليغان.

الشيخ الموهوب بن البشير بن الطيب بن أحمد زروق بن محمد لحبيب المتصل نسبه إلى إدريس الأكبر وهو من مواليد سنة 1822م من العلماء الصالحين ببلاد زواوة الحاملين لواء الطريقة الحنصالية {15} له شرح للمستطرف{16} وكتب في المواعظ والحكم.

الحسين الورثلاني {17}صاحب الرحلة المشهورة نزهة الأنظار وهو وصف لرحلته إلى البقاع المقدسة 1179ه وله أيضا شرح على الوظيفة العيدلية  ولكنه مازال مخطوطا وعدة مؤلفات أخرى.

وعلي بن محمد المغازي الزواوي كان حيا عام 1301ه{18}

ومحمد بن عامر المغازي الزواوي (1806) له الوظيفة  المحمدية لأهل الطريقة المغازية ومحمد بن أحمد بن عمر المنجلاتي (ت1831) أديب ولغوي وفقيه من أهل بجاية له التصانيف عديدة.

وسيدي محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن يوسف بن أبي القاسم الحسني الزواوي شيخ الطريقة الرحمانية{19}يعود نسبه إلى الحسين بن فاطمة الزهراء بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ظهرت له كرامات فكثر اتباعه وانتفع من علمه كثيرون منهم  عبد الرحمن باش تارزي{20} ومصطفى بن محمد بن عزوز الحسني الإدريسي، {21} ، له تآليف وأوراد ت 1208ه، وقبل انتقال الشيخ بن عزوز إلى تونس كان قد بعث الطريقة الرحمانية في أرجاء الصحراء اذ تتلمد على يده كبار الشيوخ الصوفية منهم سيدي علي بن  عمر مؤسس زاوية طولقة والشيخ المختار بن خليفة باولاد جلال وسيدي مبارك بن قويدر وسيدي صدوق بلحاج مؤسس زاوية سيدي المصمودي وسيدي عبد الحفيظ الخنقة سيدي ناجي

الحواشي:

1-تاريخ الجزائر مبارك الميلي:31

-2REVUE AFRICINE-12/P:53

3-les manuscrits berbères au Maghreb et dans les collection européennes:66-70,études  de document berberes:djamel aissani:83

4-les manuscrits berbères au Maghreb et dans les collection européennes:69

5-مشايخ خالدون محمد بن اسماعيلي:66

6-MARABOUTS ET KHOUANS,luis rinn:452

7-REVUE AFRICAINE-18/P:420, MARABOUTS ET KHOUANS:453

8-عجائب الآثار في التراجم والأخبار:291

9-طريقة صوفية مؤسسها المغربي أبو ايمن سعيد ين يوسف الحنصالي  ت1702م- 1114ه انتشرت طريقته بين سكان جبال الأطلس و انتقلت الطريقة إلى الجزائر على يد سيدي سعدون الفرجيوي وهذا الأخير نقلها إلى الشيخ احمد الزاوي  الذي ينتسب إلى عائلة متدينة  شريفة بنواحي قسنطينة وبالضبط  منطقة تلاغمة  التابعة إداريا اليوم إلى ولاية ميلةMARABOUTS ET KHOUANS:385-393،  وقد ذكر صاحب فهرس مخطوطات مكتبة الشيخ الموهوب أن  الطيب الزيتوني شيخ الطريقة الحنصالية في منطقة بني ورثيلان، له مراسلات عديدة مع الشيخ الموهوب اولحبيب  مؤسس المكتبة  الموهوبية ببجاية ،كما تحوي هذه المكتبة  نسخة من القصيدة الدمياطية ، فمن قواعد الطريقة الحنصالية  قراءة  عدد من أبياتها بعد الانتهاء من صلاة العشاء .

10- ظلت اللغة الأمازيغية لقرون طويلة وسيلة للتعبير الروحي و الفني لشعب البربر  والمتمثلة أساسا في الأشعار المغنات التي ترافق في الغالب الرقص الشعبي بمختلف أنواعه ،ولعلماء منطقة القبائل العديد من القصائد  الشعرية الصوفية بالقبائلية القديمة أي مكتوية بالحرف العربي،وهي في رفوف مكتبات زاوية احداد   وزاوية الشيخ الموهوب وغيرها من الزوايا في منطقة القبائل ، وهو دليل على تقدير السكان للغة العربية  و تمسكهم بالدين الإسلامي .

11-MARABOUTS ET KHOUANS:457

12-ibid,p:459

13-في المكتبة الوطنية الجزائرية نسختين من المخطوط تحمل أرقام :2694-2678

14-في مكتبة الشيخ الموهوب بيجاية:تحمل رقم:  lit 53

15- أنظر ضريح الشيخ الموهوب اولحبيب بتالة اوزرار ،وثيقة رقم: 1 ضمن مجموع يشير فيها الشيخ الموهوب إلى نسيه ويحيلنا إلى كتاب” الرحلة الورثلانية للحسين الورثلاني” والذي ذكر فيه هذا الأخير  عائلة الشيخ وأحالنا  أيضا إلى “ابن فرحون” ولكنه لم يشر إلى الكتاب المقصود ولعله  أحد المخطوطات المفقودة  له، طبقات الأشراف أو التحقيق في الخبر الصديق

16-مخطوط بمكتبة الشيخ الموهوب يحمل رقم : lit 05

17-شجرة النور الزكية1: 357،تعريف الخلف برجال السلف1 :133،معجم الأعلام:340

18-معجم الأعلام:163

19-شجرة النور الزكية:372،معجم الأعلام:164،أنظر لوح ضريح الشيخ عبد الرحمن  بالحامة الجزائر العاصمة.

20-تعريف الخلف1: 197،معجم الأعلام: 31

21-شجرة النور الزكية1 :329،معجم الأعلام:232

 

 

 

 

*باحث جزائري/ جامعة تلمسان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق