ثقافة السرد

حاجة الخبز إلى النار

جهاد هديب*

رحل باكراً الشاعر الفلسطيني جهاد هديب (47 سنة)، فارقنا الخميس الماضي بعد صراع مرير مع السرطان، رحل جهاد هديب وأبقى الحب والشعر وقصائده ماثلة بيننا، يقهر به هذا الموت اللعين الذي خطفه باكراً. من مجموعاته: “تعاشيق” 1996، و”ما أمكن خيانته ويسمى الألم” 1999، و”قبل أن يبرد الياسمين”2002، و”غروب كثير يمر في التخوم” 2006، و”تمثال مخمور” 2015: هاكم نبضات وجيزة من قلبه الوسيع العامر بالشعر:

(1)

كحاجة الخبز إلى النار كانت حاجتي الى الحرب فأولد غير أنّا بقينا كل بمفرده. من دون عائلة، غريبان نجول في الأرض.

والفرق: أني خرجت مراراً من الذين نجوا من المجزرة، عندما تركوا منازلهم للخلاء وهاجوا في الوعر كالجراد تتصادفه الريح.

وعلٌ ظلّ يركض فيّ: أحتاج اليك الآن يا حبيبتي كي أصف. هكذا قضى الحنين الوادي حتى أهتاج ثم، كمن يدري، سدد قرنيه القويتين الى صخرة.

(2)

لا تحتاج إلينا الحرب. لقد عادت تقود أدلاءها مثل كلاب الحراسة.

كنت كلما تعثرت بي غيرت لون الستائر ثم جدّفت وتركت الرغبة على قلقها وأصابعي تحدس.

عادت الحرب، هل ندخل في ثيابنا ـ ثانية ـ ونترك الخطيئة في عريها

الأزرق أزرق كي يحدث الليل.

(1)

بدءاً من هذا الصمت الذي يجري بيننا كنهر يبتعد، سوف ترسم نسيانات تصير ذكرى؛ ترميها فتنبح وراءك وتتبعك.

أمهلها هذي الدمعة، أمهلها قدر كأس أو عبور طيف؛ قدر ذكرى تلح. أعلم أنك لم تقتف أثراً لها غير أنها قد تسقط إلى الرمل وليس على أي منا أن يلمها.

أتذكر تلك اليد التي اشتدت قبضتها على قلبك. ليست يد ملاك. إنها يد ذكرى مع ذلك لن تبلغ الشاطئ حيث وصل آخر الملائكة وقد ضللها شعراء وسكيرون. لسوف تهبط أبعد. وكي لا أتبعك، أعطني شيئاً من أزرقك ولا تخلطه بأول البكاء أو بتنهيدة تلك كأس وعبرناها وكان أكليل شوك.

(2)

الظلال لا تمتد خلف الأزرق الذي ترى بل أسفل جفنيك. فقد قال لي شيئاً عن المرأة التي عبرت حافية اليك. ألم جمالها النساء فتناهشنه، تناهشنه كجوعى ثم تفرقن، تفرقن فعرفن المرايا.

أو قل لي شيئاً عما يجدر بالأربعين: كيف جمعت طيشاً إلى الحكمة؟ أو أخبرني عن هذا البرد الذي عاد الينا قديماً ويلهث ثم ها يجلس معنا ثالثة اثاف.

(3)

كما الجنين. لا اصبع لك فيها تلك الحرب. غير أن أصابعك كلها تلتهب. الأسود تكثف حتى انفجر قانياً لا ظل له إلا برتقالي سكن الى الرماد أو ذكرى رماد أخذتك الى جوار الغني حيث الأزرق دمعة عالقة ترى في بحة تخدش الصوت وأول الضحك. اندلقت من تلقائها في إناء الفجر لما الأزرق رقى وصفى وآن أن تنام.

(4)

ثم إن الأزرق ليل كي تحدث امرأة من مزاج خمر ونار. تنحت من الكلام طيفاً لها خيفة أن تندلع الصور فلا تدركها الريشة ولا الأصابع.

تصحو من الحلم، نادماً، لا شيء سوى صخب الصغيرة وأنت تجر ظلك الخائف بعيداً عنها. تظل تشعل ناراً كي يهدأ الظل فتطل على الهاوية وترى الى الفكرة وقد تصدعت ولم يخرج منها فراش من نور وترى الى الضوء الذي انفلق الى عتمة في ما أنت تحاول اجتياز المسافة بين أخضر في حوض النعناع وآخر في اشتعال الصنوبر مثلما تعبر فراشة المفازة من الشرنقة الى اللهب.

(5)

كشاعر اغريقي أنت. تحدق الى الصفر في يدك وتسأل: ماذا لو لم تأتِ به العرب؟

(6)

تحفر بيتاً في فراغ يلي الفراغ لتبقى وحدك. هنا الشجرة مقلوبة والكرسي طائش وتخرج نساء من آلة التصوير كما سرب طير يتهادى كامرأة غاوية. لكن، نسيت المشجب. أين أعلق روحي؟ سألت. وقامتي أين تستريح؟ ولما وقعت ورقة من الشجرة بكيت قلت: سيتبعني البيت لما أموت؛ لما أعود أميراً من قدامى المصريين بسكن الأعالي قرب الشمس.

عصام طنطاوي، هذا الذي يخرج في الفجر ويرشق عمان بضوء ثم يأوي كمن سري، لا محيد.. لسوف يعبرها تلك الدمعة

حافياً

حافياً

حافياً

الأبله

(1)

ما كنا مشاة أو في سفر، لقد بلغ تلك الشجرة ثم تفرق إلينا، عرفناه وفي يده الكتاب. أعطيناه ملحاً وخبزاً ولما طردناه، قال شيئاً عن النبع وآخر عن المغارة، فعلق بنا ندبة في شفة.

انسلّوا كلهم: صائد الأفاعي وناخلة التراب؛ الأسير وأميرته؛ وتبعتهم العاهرة فقوادها والقاتل المأجور وفي إثره ضحيته؛ ومضى السارق والواشم.

أنترك في الظل بقعة زيت في الثوب؛ كما يوسف في الجب

الأبله في وحدته الكثيرة، يصغي الى خطوته تنأى في الوحشة أو يرى اليها تلمع في الصهد؛ بينما يردد شيئاً عن خيط ماء ينسرب؛ عن ظل وحيد في مغارة.

أيضاً

(1)

حمقى وزعران وسكارى ومشردون وقارئو كف، كلهم طيبون أتوك يتامى التموا اليك لما كنت في المرأة، تواروا خلفة ثم لم يبينوا ثانية، ما عادوا في الصور الملونة ولا في التذكار الذي بالأبيض والاسود وليسوا في الكلام عليك. وفي ما مسيحك في مكانه العالي، دائماً، كضوء، انبثق في العتمة فجأة، ينقب في معجم الطير أو يقلب كتاباً في البيزرة كنت في الحانة تقلب طاولة أو يرتطم وجهك بجدار كنت في الحديثة تقول لامرأة:

قمري في السرير، نصفه من خبز؛ نصفه تفاحة.

ثم تصادف الغريبة، وتقرأ في كفها صوراً أعددتها الشرك. وفي الشارع تفاوض الأبله أن يأخذ رغيفك كي يعبر عنك خوفاً أو صلاة.. وفي آخر الليل تعود الى امرأة الحانة وتطلب يدها من جديد كي ترجئ قصيدة تلح ولا تجيء. ثم تجاور يأسك في غفوة على العتبة كأنه امرأة حملتها الى منامك الطيور. وتفيق وقد دفنت سراً بين اخنين.

حمقى وزعران وسكارى ومشردون وقارئو كف طيبون مروا حفاة بقلبك وكان مخلوعاً بابه.

تركوا لأجلك شقيقاً وسموه الندم تركوا المرأة الأجمل من رغبتك في الصراخ لأجلك سموها الكآبة.

قالوا إنهما خادماك، كلما أخذ بك النعاس، لم يبينوا ثانية ومسبحك في مكانه العالي.

يااااااه

ك…مْ تُبودلت.

حتى أنّك لم تعدّ وحدك

حتى أنّك لم تكن وحدك.

*شاعر وكاتب من الأردن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق