حوارات المجلة

الكاتب والمبدع المصري عاطف سليمان للمجلة الثقافية الجزائرية: أجد من المضجر تماماً أن أكتبَ ما أعرفه، بل أنا أكتبُ لأعرف

عاطف سليمان مبدع مصري مثقف، تتميز كتاباته بعمقها المعرفي وطابعها الإنساني المختلف.. شغله عالم الأدب عن الطب فكتب القصص في (صحراءُ على حِدة) و(على هيأةِ اللوتس) وقدم رواية (استعراضُ البابلية) بالإضافة لمقالات فكرية وثقافية في (حجرُ طاحون أخضر) و(شجرةُ نَبق تحت البروج).. وهو في كل الحالات كاتب حيوي، كاشف شفاف، يمنح القارئ الدؤوب أدباً راقياً على مستوى اللغة والأسلوب والفكرة المطروحة. المجلة الثقافية الجزائرية تتشرف باستضافة هذا المبدع الجميل للاقتراب أكثر من تجربته الإبداعية، مع الإشارة بأن ضيفنا خصّ المجلة –مشكوراً- بهذا الحوار الشيق وهو اللقاء الوحيد والأول له مع وسائل الإعلام:
حاورته: باسمة حامد

وإنَّ الكلمةَ لَترقأ الدَّمَ..

المجلة الثقافية الجزائرية: قبل سنوات، قيل أن الكلمة كفيلة بالتغيير. هل ما زالت سلطة الكلمة قوية؟
عاطف سليمان: 
أعتقدُ أن «الكلمة» تحظى بمستويات متعددة لمعانيها ومدى قوتها، فإذا كانت «الكلمة» المقصودة في السؤال هي الكلمة العلنية في عالم السياسة والتجارة والصراعات الدولية فأقول إن الكلمة في هذا السوق هي رخيصة، بل مجانية، وبلا أية قيمة إيجابية، بل هي واقعياً أداةُ تزييف واحتيالٍ وخداع، ومع ذلك يبقى لها نفوذٌ واسعٌ للغاية في هذا السياق.
لدينا «الكلمة» التي ينطقها اللسانُ إلا أنها تكون مشحونةً من الفؤاد، ومُنبعثةً من صميم الوجدان، وتلتقطها الأذن لتسكن وتستقر في الفؤاد المراد والوجدان المقصود، وهذه الكلمة بمقدورها أن تجرح وتُؤلِم، وأن تُشفي وتُعافي، بل بمقدورها أن تُميت وأن تقي من الهلاك.
وهناك أيضاً «الكلمة» التي لها مفعول السحر، و«الكلمة» التي لها مفعول أرقى وأنجع من مفعول السحر، وهناك «الكلمة» الخالِقة. وفي تراث الإنسانية كانت «الكلمة» (أو «الصوت») حاضرة في تصوُّرات الكثير من الحضارات القديمة الراقية العظيمة عن نشأة أو نشوء الكون وعن انبثاق الحياة.
صفوفُ الكُتَّاب وطبقاتهم الإبداعية تتراتبُ أيضاً في مراتب مختلفة، عُلُوّاً وانخفاضاً، بحسب نوعية «الكلمة» التي يحرزونها في صفحاتهم، وقد وُجِد من الكُتَّاب مَن كانت لكلماتهم سُلطة وقدرة على التغيير، فالأمرُ يتوقَّف على نوعية «الكلمة». ولكي أضرب مثالاً سأختلسُ بعضَ الكلمات والأفكار من مقالة كتبتُها عن الكاتب والمفكر الألماني «إراسموس فون روتردام»، هذا الذي نُسِي الآن، وقد كان، في عصره (خواتيم القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر‏)، إحدى الشخصيات ‏المرموقة العائشة على ظهر هذه الأرض‏. وكان العالَـمُ الأوربي آنذاك قد انقسم في الحرب الكَنسيَّة، وصار من الإجباري على كل شخص أن يكون إمَّا كاثوليكياً أو بروتستانتياً، إما ‏مع البابا أو مع «مارتن لوثر». وكان إراسموس يناوئ الشططَ والمبالغة في الجانبيْن، ولم يقبل الانحياز إلى أي جانب، فغدا ‏‏«مُنشقاً» في نظر الجميع؛ «أنا في نظر الكاثوليك بروتستانتي، وفي نظر البروتستانت كاثوليكي».‏ في اللحظة الحاسمة، كان من المهم للغاية أن يعلن إراسموس «كلمتَه»، وقد خاطبَه وطَالَبَه بذلك بابا الكنيسة نفسُه والأساقفةُ وملكُ إنجلترا وملكُ فرنسا وإمبراطور النمسا وإمبراطور ألمانيا وقادةُ ‏الإصلاح الديني! وقف زعماءُ الدنيا والدين على بابه‏ من أجل أن يقول إراسموس كلمةً، كان هو وحده يملكها ويملك قوتَها، ولا يطاوله فيها كلُّ أولئك الملوك والأباطرة والأساقفة. كلمة إراسموس كانت ستُوقِف الفتنةَ وتمنع الحربَ، لكنه امتنع في الواقع عن قولها فنشبت الحربُ المعروفة في أوربا بحرب «المئة عام»، وللحقِ فإن امتناعه عن قوْل كلمته كان بسبب نزاهته المتشدِّدة التي أفضت به إلى التردد، بل أودت به إلى نوعٍ من “الشلل” أو العجز عن قدرته على تحمُّل النتائج المترتبة على جهره بكلمته.‏
وبالطبع، ليست «الكلمة» دائماً على هذا المستوى من الدرامية، لكن الكثيرين منا قرأوا كتاباً أو آخر وصادفوا في كلماته مخرجاً أو حلاً أو إيماناً كانوا يحتاجون إليه. وبالنسبة إليَّ فسأشير في البداية إلى الكاتب الفرنسي «أنطوان ده سانت إكسوبيري» الذي كان لكتابيْه «الأمير الصغير» و«أرض البشر» أثراً مُنعِشاً، دوماً، في حياتي.
من كتاب «الذخيرة» لصاحبه «علي بن بسَّام، الأندلسي» يمكن أن نقرأ هذه العبارة التي قالها أحدُ الشعراء الأندلسيين: «وإنَّ الكلمةَ لَترقأ الدَّمَ»، وقد اخترتُ هذه العبارة لتكون توطئةً لكتابي القصصي الجديد «أعرافُ البهجة».

ليس لديَّ خطة معيَّنة للتعامل مع الاستبدادات..

المجلة الثقافية الجزائرية: الحكاية فن ديمقراطي بامتياز.. لكن كمبدع عربي كيف تكتب نصاً موازياً لفعل الحياة في ظل مناخ غير ديمقراطي قد لا يسمح لك بكتابة ما لا يتوافق مع الواقع واشتراطاته؟!
عاطف سليمان:
من المدهش أو المفارِق أن تكون بعض الكتب المهمة قد كتبها أصحابُها وهم تحت هيمنة الاستبداد، إلا أن هذا بالطبع يظل حالةً استثنائية، فنحن أيضاً– بالمقابل – لا نعلم شيئاً عن الكتب والإبداعات التي أجهضها أصحابُها خوفاً من إرهاب وبطش الاستبداد، ولا ندري الكثيرَ كذلك عن الإبداعات التي أهلكها المستبدون بعد أن أبدعها أصحابُها.
في الواقع فأنا مثل غيري ممن يشعرون بأن الأفق الضيق قد ضاقَ ويضيق عليهم أكثر ويكتم أنفاسَهم، فالأمر لا يتوقف فقط لدينا عند الاستبداد السياسي المناوئ للتنوير والقائم على محاكمة الكتب والأفلام السينمائية في البرلمانات ومصادرة ومنع الإبداعات وتحريض الرأي العام ضد هذا المبدع أو هذه المبدعة، إنما نحن لدينا تشكيلة عويصة أخرى إضافية من الاستبدادات، منها الاستبداد المجتمعي وسُلطة الآحاد من الناس في رفع قضايا حِسبة ضد الكاتب وتشريده أمام المحاكم بطول البلاد وعرضها، وتسليط المنتفعين من مشايخ الدين عليه. ولدينا استبداد السوق العالمي للنشر الذي يقرر للجميع ما هو الجنس الأدبي المفضَّل لديه آنياً لحصْد أكبر الأرباح، والذي يقرر أيضاً أنه يريد “حكايات” لا “روايات أدبية” فيتسبب في قتْل الأدبَ فعلياً. ولدينا استبداد سوق النشر المحلي الذي يقرر مثلاً أنه لن ينشر المسرحيات الأدبية أو لن ينشر دواوين القصائد أو أنه متوقِّف عن نشر كتب القصص القصيرة، سعياً وراء نشْر كتب “الحكايات” الرائجة المسماة زوراً بـ”الروايات”. ولدينا سلطة أهل الكاتب وورثته الذين قد يحكمون – بعد وفاة الكاتب، أو حتى أثناء حياته–على أعماله بكونها ما كان يجب أن تُوجَد، بحسب ما يرون، فيتعقّبون ويتلفون النسخَ القديمة، ويمنعون إعادة نشرها. ولدينا– قبل وبعد كل شيء – استبداد النقّاد ممن يتحيَّزون لتعويم كتب ميتة ولإقصاء كتب أخرى أكثر جدارة، وِفقاً لحساباتٍ شخصية أو شِللية.
أنا أكتبُ وبي رغبة مُتمِلِكة هي العثور على أشباهي وشبيهاتي في هذا العالم، الكائنين العائشين في هذا العصر أو الذين ماتوا أو الذين سيولدون، أكتبُ بُغية الاتصال بهؤلاء القليلين، المنثورين، وما أكتبه هو مجرد رسائل إليهم، لنلتقي على أي نحوٍ، وفي أي زمنٍ. ولستُ أزعمُ أن لديَّ خطة معيَّنة للتعامل مع الاستبدادات؛ وعلى ذلك فأنا أكتبُ أحياناً بحِميةٍ مُتجاهِلاً هذه الاستبدادات، وأحياناً يطلُّ رقيبٌ من داخل نفسي على الصفحة التي أكتبها فأحاول الحذرَ والمداورة، وأحياناً تقمعني هذه الاستبداداتُ فأسكتُ تماماً.

ربما أبحث عن هوية إنسانية صحيحة..

المجلة الثقافية الجزائرية: أنت من المبدعين المصريين الأوفياء جداً للثقافة الفرعونية.. هل هو تمسك بالجذور؟ حنين إلى الهوية؟ أم ماذا؟
عاطف سليمان
: أود أن أستخدم عبارة “الثقافة المصرية القديمة” الأكثر رصانة وموضوعية بدلاً من “الثقافة الفرعونية” الأقرب إلى الأجواء السياحية. فلو أننا ركبنا عربةَ الزمن ورجعنا إلى أي عصر من عصور الحضارة المصرية القديمة وسألنا هناك عن “الفرعون” و”الفرعوني” فلن نجد مَن يفهم مقصدَنا.
في البداية كان اهتمامي بالثقافات والحضارات القديمة نوعاً من الفضول، وقد طالت تلك البداية إلى أن تبيَّنتُ أن مفاهيم الإنسان، ابن الحضارات القديمة، تجاه نفسه وتجاه غيره وتجاه الكائنات والكون والحياة والموت هي مفاهيم ذات بناءٍ مختلف عمَّا صارت إليه مفاهيم البشرية بعد اندثار تلك الحضارات، وكانت طرائق التفكير والأحاسيس مختلفة بنيوياً كذلك. ولو جازَ لي إعطاء تشبيه لذلك فسأكتفي بالقول إن ابن الحضارات القديمة كان يسير ببساطة على قدميه وكانت قدماه صديقتيْن للأرض يرى الدنيا وهو معتدل القامة بينما بات الآن، ومنذ أكثر من ألفيْ سنة، منكفئاً؛ يتحرك على يديه ورأسه مُدلاة إلى الأسفل، تارِكاً الثمارَ متلهِّفاً على القشور متخاصماً مع الأشجار. نحن، المعاصرين، نتصوَّر – مخطئين – أن القدامى كانوا قد صعدوا على سُّلم تطورنا نفسه. لا، لقد صعدوا سُّلماً آخر، وذاك السُّلم الآخر هو الجدير بالفحص والتحرِّي.
صار فضولي الابتدائي ذاك شغفاً كشغف الأطفال، ولم يعد همّي هو حيازة معلومات عن تلك الحضارات أو عن التاريخ القديم، بل وددتُّ التلصُّص على نفوسهم ومعرفة كيف كانوا يشعرون وكيف كانوا يعملون وكيف كانوا يتحصَّلون على معارفهم الراقية. وبالطبع كانت الحضارة المصرية القديمة هي الأقرب إليَّ، وهي كذلك الأغنى من حيث المتروكات التي تساعد في الكشف عمَّا أريد. وهكذا فإن هذا الأمر هو بالنسبة إليَّ أبعد من أن يكون تعلُّقاً بالحنين إلى هوية قومية بل لعله أملٌ في هوية إنسانية صحيحة مثلما كان الحال قديماً، كما أنه ليس نوعاً من الاستمساك بالجذور إلا باعتبار تلك الجذور حلاً شاملاً لمأزق العائلة الإنسانية في وضْعها الحالي.

الأسئلة الوجودية يجب ألّا تكون ثقيلة أو مستهجنة..

المجلة الثقافية الجزائرية: كتاباتك تتجه للتكثيف الرمزي.. لكن كمبدع تتعمد إثارة الأسئلة الوجودية داخل مخيلة القارئ ألا تعتقد أن الرمزية أحياناً تجعل النص مغرقاً في التعقيد في ظل قارئ تعود على النصوص السهلة؟
عاطف سليمان:
لو كان لي حق الاعتراض على فحوى بعض الأسئلة فسأعترض على الخلاصة الـمُصاغة في عبارة “كتاباتك تتجه إلى التكثيف الرمزي”؛ فالرمزيات هي ما أتجنبها في ما أكتبه وهي ما أفرُّ منها فيما أقرأه، ولعل المقصود من السؤال– بحسب فهمي – هو “كتاباتك تتجه إلى صعوبة الأسلوب”. ومثل كل شيءٍ آخر فـ”صعوبة الأسلوب” هي أمرٌ نسبي، بل إن الإقرار بوجود مثل هذه الصعوبة هو نفسه محل شك وتساؤل، والأدب أصنافٌ كثيرة، وقُـرَّاء الأدب أيضاً صنوفٌ كثيرة، والمثل الشعبي لدينا يقول: “كل فُولة ولها كَيَّال”. قد يقرأ المرءُ في كتاب علمي أن ظاهرة مناخية معينة «is not unkown» أي “ليست غير معروفة”؛ فهل يكون ذلك تعبيراً صعباً؟ أم يكون تعبيراً دقيقاً وضرورياً وبلا بديل عنه؟ هل يمكن تعويضه بتعبيرات مثل “معروفة قليلاً”؟ أو “معروفة نوعاً ما”؟ أو “معروفة لكنها غير شائعة”؟ لعل الإجابات ستكون كثيرة ومتباينة على هذا الاستفهام بمثل كثرة أصناف الأدب وبمثل كثرة صنوف قُرّاء الأدب.
وقارئُ الأدب، الفردُ الدؤوب، لا يبقى – غالباً – في موضعه نفسه طوال حياته، فهو قد يعيدُ قراءةَ عمل أدبي بعد سنواتٍ من القراءة الأولى فيتعجَّب لأنه كان قد سبق له الإعجاب بهذا العمل الذي سقط، للتو، من نظره نوعاً ما، وقد يعيدُ قراءةَ عملٍ أدبي آخر فيزدادُ إعجابُه به ويجد فيه ما لم يلحظه في المرة الأولى. ولعل غواية الانتشار وصُنْع المنتشرين والاحتفاء بهم هي تخريب أكيد يحيق بالأدب.
الهموم والأسئلة الوجودية أرى أنها لا تكون ناتئة أو ثقيلة أو مُستهجَنة في أية نصوص أدبية إذا ما جاءت منسابةً ضمن السرد وِفق ضرورات ومبررات مُتطلَّبة وليست مُتكلَّفة؛ فتلك الوجوديات ليست مجوهرات يستخرجها الكاتبُ من الخزانة لكي يُزيِّن بها شخوصَ أعماله، وبالإجمال فإنَّ ما لا وجود لمبرر فني حقيقي يشفع له هو حجرٌ برقبة الغريق.

للمرأة حضور مميز في حياتي الإنسانية والأدبية

المجلة الثقافية الجزائرية: في روايتك (استعراض البابلية) ثمة حضور لافت ومتنوع للشخصيات النسائية .. بيد أن هذا يعطيني انطباعاً رمزياً بحيث تصبح المرأة أكثر من كونها مجرد أنثى؟!
عاطف سليمان
: في البداية أودُّ الإشارة إلى أن الكاتب حين يقدِّم في قصةٍ أدبية – مثلاً – رجلاً ذا سماتٍ خاصة أو تصرفاتٍ معينة فإنه لا يقصد أبداً تعميمَ هذه التصرفات أو تلك السمات على “النوع” كله، أي على الرجال عموماً، فما يكتبه الكاتبُ في قصته يخصُّ الشخصيةَ وحدها، وكذلك فإن الآراء الواردة في القصص الأدبية تخص أصحابها من الشخصيات الأدبية ولا يلزم أن تكون من آراء الكاتب. ومع ذلك فإني أُقِرُّ بأن للمرأة في حياتي وفي كتاباتي ذلك الحضور المميَّز المعبِّر، في تنوعاتٍ مختلفة، عن جوهر المرأة وكينونتها البنَّاءة وعن أنها أصل كل معرفة، مثلما أُقِرُّ بأني كتبتُ، دائماً، بشكلٍ طبيعي ودونما تَعمُّد ولا مغالاة عن الشخصيات النسائية فلم أجامل ولم أقصد الترميزَ أو التزيُّدَ أو المحاباة.
الرجل والمرأة هما كائنان بشريان أرضيان، لكنما تتبدَّى لي المرأةُ كائناً أكثر عُلوية. في الحضارة المصرية القديمة كانت الأرضُ رجلاً اسمه (جِب) بينما كانت السماءُ امرأةً اسمها (نوت). وفي الأحدوثة المصرية القديمة (إيزيس و أوزوريس)، التي حُكِيَت في مصر لآلاف السنين وتداولتها شعوبُ العالم لأزمانٍ وأزمان؛ ماذا نجد؟ نجد رجلاً احتالَ حتى حَبَسَ أخاه في صندوقٍ خشبيٍّ مُحكم ثم ألقاه في نهر النيل، ومضى للاستيلاء على عرش أخيه، وعندئذٍ ظهرت زوجة الأخ المغدور، الزوجة الباكية، فبحثت عن الصندوق الذي به جثمان زوجها حتى استعادته بعدما وصل مع التيار إلى بلدة (جبيل) أو (بيبلوس) (في لبنان)، وعادت بالجثمان سراً إلى مصر بعد الكثير من المشقة والإنهاك، وأخفت الجثمان، لكن الأخ استطاع الوصول إليه، ومزَّقه، ونثر أجزاءَه في طول البلدات المصرية وعرضها، فلم تيأس الزوجةُ، وعاونتها أختُها، وجمعت أجزاءَ جثمان الزوج، ثم ضمَّتها إلى بعضها حتى التأمَ الجسدُ، ونفثت هي فيه نسيمَ الحياة حتى أفاقَ. وإذْ ذاك ضاجعت الزوجةُ زوجَها وحملت من صُلبه بابنها الوحيد، ومضت سراً إلى الأحراش حتى ولدت الولدَ، وريثَ أبيه، وبقيت معه ترعاه في الأحراش بعيداً عن عيون عمِّه، قاتل أبيه ومغتصِب عرشه، غير أن ذلك العم علِم بولادة الطفل فغضب وثارَ، واتهم الأمَّ في عفافها، وطاردها هي ووليدها، إلا أنها تمكنت من النجاة مع ابنها. وحين كبُرَ الولدُ أظهرته الأمُّ المتفانية، ورفعت دعواها القضائية أمام المحكمة لاسترداد العرش، بحسب القانون، وصبرت حتى حصلت على الحُكم لصالح ابنها، وفي خلال كل هذا الصراع كانت شديدة الحزم ضد خصمها، إلا أنها لم تشتط في خصومتها، وما تخلَّت عن مروءتها.
لقد استطردتُّ طويلاً وبعيداً، وكان ذلك فقط من أجل أن أقول إن المرأة هي حقاً أكثر من مجرد أنثى وإن هذه الحقيقة تُثبتها الحياةُ في كل لحظة، مثلما تحفظها – كوقائعٍ في نصوصها – أقدمُ قصص البشر والحضارات على وجه الأرض. لكن بالعودة إلى رواية (استعراض البابلية) فإن ما كان يهمُّني ككاتبٍ، أثناء كتابتها، هو ضبط الشخصيات والمواقف والأحداث لأجل أن تكون جيدة أدبياً بقدر الإمكان، ولأجل تحقيق انسيابية وانسجام في النص بقدر الإمكان، مع الحرص على عدم الانشغال– حقيقةً – بما يتعدَّى ذلك مهما بدا جذَّاباً وذا إغراء.
والسؤال الذي أطرحه، بدوري، في هذا السياق، للمناقشة هو: ماذا لو عرض الكاتبُ (ممن يعتزون بالمرأة ويحبونها ويحترمونها) في عمله الأدبي شخصيةً (أو شخصياتٍ) نسائية رديئة أو غير سوية، بحسب ما تتطلبه وقائع وأحداث العمل الأدبي؟ أو بصياغة أكثر شمولية: هل يحق للقارئ إثابة أو معاقبة الكاتب بناءً على تصرفات شخصياته الأدبية وسلوكياتها ومفاهيمها ومعتقداتها؟

تربكني البداية.. وهذه طقوسي في الكتابة

المجلة الثقافية الجزائرية: في كتابك (حجر طاحون أخضر) استوقفتني هذه المقولة لجورج ديهاميل: “رعشة القداسة التي كنا نحسُّها أمام الصفحة البيضاء، والشعور بأننا نمسك في إجلالٍ أداةً مجيدة، وأننا نكتبُ تحت رقابة مائة من الأساتذة الـمُبجَلين ينظرون إلينا بأعين يقظة، كل هذا لا يمكن أن يتفق مع هيأة اجتماعية مشدوهة بعجيج الأصوات وصيحات المزايدات وصخب التجارة”. هل تربكك الكتابة أم البداية؟
عاطف سليمان
: تُربكني البدايةُ. وأشعرُ مع كل بداية بأنها الكتابة الأولى لي، وأشعرُ بالمغامرة وبالقلق وبالتجرؤ. بداية كتابة كل نص بالنسبة إليَّ تُشعرني بأني أمام فرسٍ واقفة لا أعرفها، وأني لم أعتد أبداً ركوب أي فرس؛ فكيف سيكون الحال؟ وكيف سيكون الحالُ أيضاً إذا ما كانت الفرسُ تعدو خبباً ويتطلبُ الوثوبُ إلى صهوتها شُغْلَ حمزة البهلوان؟ يظل الأمرُ حَرِجاً وصعباً، إنْ لم يكن في خانة المستحيلات، وأنا أنتظرُ وأتحيَّنُ وأحتالُ حتى يُـتاحُ لي الوثوبُ – أو يُؤْذَنَ به – إلى صهوة الفرس ثم ضبْط جلستي عليها، وحينئذٍ تبدأ الحركة وتبدأ المتعة، وقليلاً قليلاً أدنو من مُصادقة الفرس التي قد تطيعني وتعاونني وتمنحني أحياناً أفضل وأرقى مما كنتُ أظن وأتوقع. على أن الحال لا تستمرُ هانئةً على بلهنية الحركة والمتعة هذه، فهناك التوقُّفات والحيرة أمام انعطافات النص وخياراته المتتالية، والكاتب، كل كاتب، يظل عليه أن ينشغل بالمصائر التي على صفحة كتابته بمثل ما ينشغل بمشكلات حياته الخاصة، إنْ لم يكن أكثر. ثم تُستأنف الحركةُ وتتجدد معها متعةُ الكتابة الماضية إلى وِجهةٍ غير محددةٍ تماماً؛ ذلك أنَّ تلك الوِجهة لا تكون مُصمَّمة مُسبَّقاً في ذهني، وإنما هي تتكون خطوة بخطوة وتتكون، مُشاركةً، من خلال إضمامة نظرتي مع نظرة الفرس. على أن أبهى اللحظات تكون بعد الانتهاء من المشوار والنزول من فوق صهوة الفرس، وتسريحها، والبقاء على الأرض مع النص وحيداً لتنقيحه.
الأمرُ إذاً هو أنني قلَّما أكتبُ عمَّا أعرف، فالكتابة عمَّا أعرف تضجرني ولا تبهجني روحياً. إنَّما أكتبُ لأعرف. لديَّ نهمٌ لنوعٍ من المعرفة، ‏وأشعرُ أن الكتابة (كتأمُّل) هي إحدى وسائل الوصول إليه. أكتبُ، ربما سعياً وراء معرفةٍ لا تُدرَك إلا بالحدْس أو بالاستبطان الذي يتأتَّى ‏لي أثناء الكتابة، أو بالأحرى أثناء الاستغراق في الكتابة، ويستوي أكثر بالاستقصاء الذي يواكب أوقات تنقيحي لِما ‏أكتب.‏
الذين يدَّعون بأنه لا وجود للإلهام في الكتابة؛ هم مُحِقّون في حدود مداركهم، وأكادُ أقول إنهم معذورون؛ ذلك أن لا عِلم ‏لديهم بمستويات معينة من الإيغال في الكتابة حيث يمكن للكاتب الوصول إلى تخومٍ معرفية وحلولٍ فنية لم يكن له قِبلٌ بها ‏سابقاً، ولم يكن يعي أنه يتزحزحُ ويقترب منها ويلبث فيها، ولو لبعضِ الوقت، ولو لبعض الكتابة.‏

المجلة الثقافية الجزائرية: هذا يقودني إلى سؤالك عن طقوس عاطف سليمان قبل وأثناء وبعد الكتابة؟
عاطف سليمان
: تغيَّرت طقوسي البسيطة بعد أن انتقلتُ من الكتابة بالقلم على الورقة إلى الكتابة مباشرةً على شاشة (اللاب توب). في أيام الورقة والقلم كنتُ أميلُ برأسي، أثناء الكتابة، على نصف الصفحة التي أكتبُ عليها فأبدو كما لو أني ماضٍ إلى دَفْن نفسي فيها. لم أتخيَّل أنه سيكون بإمكاني هجْر الورقة والقلم إلى (اللاب توب)، لكني بعد تعرُّفي على أسرار برنامج “وُورد” اندمجتُ تدريجياً في المزايا الـمُعطاة من هذا البرنامج، وتخلَّيتُ عن جلستي الشبيهة بوضعية الجنين المنحني بقلمه على الورقة، ولم أعد ألجأ إلى الورقة والقلم إلا لتدوين ما يخطر لي من ملاحظات تحتاج إلى التسجيل على نحوٍ عاجل.
بعد الانتقال من (الورقة والقلم) إلى (الشاشة ولوحة الحروف) أشعرُ أني قد صرتُ كاتباً آخر، ليس على مقياس الجودة والرداءة إنَّما على المستوى الوجودي، إذا جازَ التعبير. فتنضيد الحروف والكلمات والفقرات قد بات مُتاحاً بخياراتٍ أسهل وأفضل، لكني أشعرُ أن الكلمة التي اعتاد المرءُ أن يكتبها بإصبعه أو بقلمه على الورقة كانت أثمن وأكثر طبيعية وكانت تختمر في القلب وتُجاز منه بصورةٍ أعمق وأشمل مما صار عليه الحال عند دق الكلمة على شاشة الكومبيوتر.
كل ما يهمني لأجل الكتابة هو الهدوء، وأن أكون وحدي، وألا يقاطعني أحدٌ أو شيء. لا أستمع إلى الموسيقى أو الغناء أثناء الكتابة. لا أواصلُ الكتابة لفترةٍ طويلةٍ متصلة، ولكني أكتبُ بشكل متقطِّع؛ أعني أنني مثلاً إذا جلستُ للكتابة مدةَ ساعتين فإنني أقومُ أثناء الساعتين خمس مرات أو أكثر أو أقل؛ لأتمشَّى قليلاً أو لأتمطَّى وأتقافز (إنْ وجدتُّ إلى ذلك سبيلاً) أو لأدخن أو لأغسل كوب الشاي أو لأنظر إلى الطائرة المارّة في السماء، لكني أظل موصولاً بما أكتبه، فلا أتحادث مع أحد، بل أتابعُ الكتابةَ أثناء ذلك سراً مع نفسي.
يُوجد لديَّ دائماً مكانٌ صغيرٌ أصطفيه بالقُرب من طاولة الكتابة وأعتادُ اللجوء إليه والوقوف فيه للتفكير فيما يقابلني من مشكلات، ويكون هذا المكان بالنسبة إليَّ بمثابة المعبر الموثوق فيه إلى حيث المأوى الخيالي الذي يجاوبني عمَّا أحتارُ فيه أو عمَّا يسُدُّ طريقي. وإذا ما ظل طريقي في الكتابة مسدوداً فإنني أتوقف ولا أضغط لكي أفتح مساري، بل أنتظر، وقد يطولُ انتظاري إلى سنوات.

الكاتب لا يستطيع أن يكون ذاتياً بشكل مُطلق

المجلة الثقافية الجزائرية: لو تحدثنا عن الفكر الذي يحمله نسيج النص الروائي تبدو المسافة الفاصلة بين عوالمك الإبداعية والذاتية شبه معدومة.. فهل يمكن الحديث عن مشروع إبداعي فرض التقارب بين الحقيقة والخيال وأشعل فتيل السرد ضمن هذا التلازم؟
عاطف سليمان
: تنتهي قصصُ الحب في الحياة تارِكةً في النفوس هذا اللغز أو ذاك؛ ما هي اللحظة التي بدأ فيها العَدُّ العكسي باتجاه الانفصال؟ ما هو الحجر الذي تقلقلَ فاستتبعهُ الانهيارُ؟ وإننا نعتقد أن التأمل لأجل إحراز معرفة حلول مثل هذه الألغاز قد يجلب لنا الراحة ويفُكُّنا من أسر علاقةٍ آفِلة أو منقضية، خاصةً إذا كنا نحن الطرف الذي كان يُلْقِم الأتونَ لتظل نيرانُه متقدة، إذا كنا نحن الطرف الذي حرص على استمرار قصة الحب. الكاتب يحاول، بكتابته وفي كتابته، استكناه مثل هذه الألغاز واستقصاء مثل هذه اللحظة التي انفلت فيها الكأسُ من اليد أو تلك التي نَقَرَ فيها الفرخُ قشرة بيضته ليفقسَ. في (استعراض البابلية) مثلاً لم أكتبُ قصةً ذاتية وإنْ بدت كذلك. وفي الوقت نفسه فإنني ككاتب ليس بمقدوري تغييب “ذاتي” عمَّا أكتبه أو تغييب تجاربي أو تفضيلاتي الخ.
كاتبُ الأدب لا يكتبُ نصاً موضوعياً. إنه، وإنْ كتبَ عن مذبحة المماليك في القلعة أو كتبَ عن أوزوريس في التابوت، سيقولُ لقارئه: “هلُم بنا نرى كيف كنتُ أنا هناك”. لا يمكن ولا يجوز لكاتب الأدب أن يتخلّى عن شغفِهِ الخاص ولا عن ولعِهِ، بل إن “نجاح فنونه” يكمن في أن يتوهَّم القارئُ أو يعتقد أن الكاتب يروي عن نفسه وعن عوالمه وتجاربه الذاتية. وفي الوقت نفسه ليس بمقدور الكاتب أن يكون ذاتياً بشكل مُطلق وإنْ قصدَ ذلك وإنْ أراد، حتى لو جلس ليكتبَ سيرةَ حياته تحت عنوان “سيرة حياتي بقلمي”.
الأمر الغريب هو أنني لاحظتُ منذ سنة 1989 أن بعضاً من وقائع قصصي تستبقُ أحداثَ حياتي! وأن بعض القصص تشتملُ على نِتفٍ مما هو آتٍ في الحياة الواقعية التي تخصني. ولقد مضى الأمرُ دائماً على هذا النحو الذي هو مُسلٍ وممتع، بل هو جليل ولا يخلو من قداسة. هذا بالإضافة إلى أنني أجد من المضجر تماماً أن أكتبَ ما أعرفه، بل أنا أكتبُ لأعرف. الكتابةُ لديَّ هي أني أستعينُ بالمعرفة المكتسبة لاستكناه طرفٍ من المعرفة الأصلية وللاقتراب، قدْراً ما، نوعاً ما، من عالَـم الروح.

مالك حدَّاد يمتلك أسلوباً مميَّزاً

المجلة الثقافية الجزائرية: وأنا أقرأ لك استوقفتني مجموعة من المقالات التي تناولت فيها شاعر الرواية الجزائرية مالك حداد. لماذا مالك حداد تحديداً؟ لعل سؤالي ينطلق من كون مالك حداد غير معروف كثيراً في المشرق العربي رغم ترجمة رواياته ودواوينه الشعرية إلى العربية. وكيف ترى الترجمات التي أُنجِزت لِكُتبه إلى اللغة العربية؟
عاطف سليمان
: في أوائل ثمانينات القرن الماضي عرَّفني على أدب (مالك حدَّاد) صديقي الشاعر المصري (محمد هشام) صاحب ديوان (لحظتان)، وشاركه أيضاً في ذلك صديقي الطبيب (منصور عبد الفتاح). أهداني محمد هشام رواية (ليس في رصيف الأزهار مَن يجيب)، ومن مكتبته استعرتُ وقرأتُ ديوان مالك حدَّاد (الشقاءُ في خطر)، ثم توالت السنوات فقرأتُ بعد ذلك، مراتٍ كثيرة، كلَّ أعمال مالك حدَّاد المترجمة إلى اللغة العربية.
لو توقَّف الأمرُ على “رغبتي” لكتبتُ كثيراً عن أدب مالك حدَّاد، لكني لم أحقق في الواقع سوى القليل مما أود، فما كتبتُ إلا مقالتين قصيرتين تلامسان ثلاثَ روايات: (ليس في رصيف الأزهار مَن يجيب)، (سأهديكِ غزالة)، و(التلميذ و الدرس).
الحب هو الحب. والغرام هو الغرام. يقع المرءُ في غرام كتابٍ أو قصيدةٍ أو أغنيةٍ أو لحنٍ أو كاتبٍ أو رسّام مثلما يقع المحبُّ في غرام المحبوبة، والتفتيش الموضوعي عن “أسباب الغرام” لا يروقني، ولا يروقني أكثر أن يقوم به الشخصُ نفسُه الـمُتوَلِّه في الغرام، بل قد يقوم به آخرون، لديهم برود الموضوعية، وذلك إذا كان يوجد لذلك التفتيش ضرورة أو جدوى أصلاً. وعلى أية حال فما أراه هو أن مالك حدَّاد، في كتاباته كلها، يمتلك أسلوباً أدبياً رفيعاً مميَّزاً. والأسلوب، من وجهة نظري، هو الفن وهو روح الكتابة الأدبية وهو أثمن ما يمكن أن يمتلكه الكاتب؛ إذْ أنه هو الذي يتبقى في حيازة القارئ بعد أن يَنسى ما قرأه. الأسلوبُ هو جوهر الأدب، ومالك حدَّاد كان ذا ثراءٍ فذٍ في أدبيته. (جان آرتور رامبو) و(قسطنطين كافافيس) و(ﭬـرجينيا وولف) صعدوا إلى “الفرادة” وإلى “الوحدانية” في عالَـم الأدب بما امتلكوا من أساليب أدبية عزيزة الوجود.
وبمناسبة مالك حدَّاد والأدب الذي كتبه كُتَّابٌ عرب بلغاتٍ أخرى أود إثارة هذه المسألة. فمثلاً؛ رواية (الأطلنطيدية) أو (غانية أطلنطا) (L’ATLANTIDE)للكاتب الفرنسي (بيير بنْوَا) (PIERRE BENOÍT) هي رواية عن الجزائر وعن الصحراء الجزائرية والطوارق، ويذكرُ فيها المؤلفُ عشراتِ الأسماء لأماكن في الجزائر قد لا يعرفها كثيرون من الجزائريين أنفسهم، لكنها– في رأيي -رواية فرنسية، حتى لو كانت لم تُمالئ الاستعمارَ الفرنسي للجزائر، إلا أنها ذات روحٍ فرنسية، وتظل جزءاً من الأدب الفرنسي والثقافة الفرنسية، وأسألُ: هل كان بمقدور (بيير بنوا) أن يكتب رواية (التلميذ و الدرس)؟ وإجابتي هي: لا. مستحيل. بينما أرى، مثلاً، أن روايةَ (نجل الفقير) للكاتب الجزائري (مولود فرعون)، وهي مكتوبة بالفرنسية أيضاً، ليست رواية فرنسية، على الإطلاق، بل رواية جزائرية، ورواية عربية، استُخدمت اللغةُ الفرنسية (مؤقتاً) و(مرحلياً) لإنجاز كتابتها، والأمر نفسه ينطبق على رواية (ليلة القدر) للكاتب المغربي (الطاهر بن جلون)، فهي رواية مغربية، ورواية عربية، وينطبق بالطبع على كل حرفٍ كتبه مالك حدَّاد وزملاؤه (مولود معمري) و(مولود فرعون) ثم (محمد ديب) و(آسيا جبّار)الخ الخ. هذه فقط أمثلة للتوضيح لا للحصْر والإحصاء، ذلك أنها روايات معروفة وقُرئت على نطاقٍ واسع. وكذلك الحال، أيضاً كأمثلة، مع قصائد (جويس منصور) المصرية، وروايات (ألبير قُصيري) المصري، وغيرهما، فكل هذا هو جزء من الأدب المصري العربي الذي تنتمي إليه أيضاً رواية (بيرة في نادي البلياردو) التي كتبها بالإنجليزية (وجيه غالي). ومثلما تأخذ روايةُ (الحياة هي في مكان آخر) التي كتبها (ميلان كونديرا) مكانَها في الأدب التشيكي، تنضم روايةُ (بدايات) التي كتبها (أمين معلوف) إلى الأدب اللبناني العربي، وهكذا.
بخصوص ترجمة أعمال مالك حدَّاد فأرجو أن يُقبَل رأيي باعتباره غيرةً على هذا التراث الأدبي النفيس الذي تركه الكاتب في حوزة اللغة الفرنسية ويتوجَّب نقلُه إلى اللغة العربية في ترجمات ممتازة. الترجمات الموجودة حتى الآن لأعمال مالك حدَّاد هي ترجماتٌ مشكورة للغاية، لكن فيها من القصور والأخطاء ما فيها، وفي رأيي المتواضع أرى أن يتولَّى إعادةَ الترجمة بعضُ المترجمين الجزائريين القادرين على التقاط وفهْم كل خفايا النصوص ومُسمياتها المحلية وكذلك الإشارات إلى دقائق الكفاح ضد الاحتلال الفرنسي. المترجم المصري أو السوري أو العراقي أو العُماني قد يُسمِّي ذلك الغطاء على رأس “يامينة” “شالاً” أو “بُرْقُعاً”أو “تربيعةً” أو “لحافاً” أو غير ذلك، لكنه المترجم الجزائري، وحده، هو الذي يدري أنه “بُـخْـنُـقْ”.

المجلة الثقافية الجزائرية: هذا يقودني إلى سؤالك عن مدى اقترابك من الأدب الجزائري عموماً؟
عاطف سليمان
: قرأتُ (محمد ديب) في ثلاثيته (الدار الكبيرة) و(النول) و(الحريق) بترجمة (سامي الدروبي)، قبل تعرُّفي على (مالك حدَّاد)، ثم قرأتُ له (صيف أفريقي)، وقرأتُ ما تيسَّر لي من (مولود فرعون) و(مولود معمري). وجذبني ذلك إلى الأدب المغاربي، عموماً، المكتوب بالفرنسية، فقرأت ما وصل إلى يدي من ترجمات لأعمال (إدريس الشرايبي) و(محمد عزيزة)، وكذلك معظم أعمال (الطاهر بن جلون).
حاولتُ قراءة (الطاهر وطَّار) غير أني لم أنجح معه ولم أستسغ القليلَ الذي طالعته له، وتأسّفتُ بسبب ادعاءاته بأنه هو الذي كتب وثيقة تحرير الجزائر لكونِهِ أول كاتب جزائري ينضِّدُ باللغة العربية. قرأتُ قصائدَ (أحلام مستغانمي) التي كانت تنشرها لها مجلة (لوتس) لكني لم أتابع طورَها الجديد.
وبخصوص الإنتاج الجديد ففي رأيي أنه قد حلَّت بالعالم مصيبة اسمها “الإغراق”؛ الإغراق في كل شيء وفي كل أمر حتى جاوزت الخياراتُ في كل المجالات حدودَ قدرة أي شخص على المتابعة. وللأسف ليس في مقدوري، ولا في رغبتي، متابعة طوفان الكتب التي تقذفها المطابع في كل لحظة الذي تختلط فيه الأمور والذي يضيع فيه الجيدُ وسطَ وفرة الرديء. والحق هو أنه لم يعد في مقدوري متابعة الأدب الجزائري ولا حتى المصري.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ حالياً؟
عاطف سليمان
: قرأتُ منذ فترة قريبة رواية (عالَـم جديد طريف) للكاتب البريطاني (ألْدوس هَكسلي)، وعلى الرغم توقعاتي المتفائلة بجودة هذه الرواية، وعلى الرغم أيضاً من اتفاقي مع “الرسالة” التي يقدمها الكاتب في روايته إلا أنها خذلتني تماماً بفقرها الفني وبرسالتها الفجة وبالضجر الطالع منها في معظم أجزائها باستثناء جزء صغير قُرب الختام، وشعرتُ أن قراءتي لهذا الكتاب قد نزحت من روحي قدراً من طاقتي للكتابة، ورغبتُ على الفور في قراءة عمل أدبي آخر أُستشفى به، فلجأتُ الآن إلى قراءة رواية مضمونة الجودة والسموق، كنتُ قد قرأتُها قبل عشرين سنة، هي (نرسيس وغولدموند) للكاتب السويسري الألماني (هيرمان هيسِّه)، وكنتُ آنذاك قد كتبتُ انطباعي عنها على بياض صفحتها الأخيرة هكذا: “رواية شديدة الروعة، مؤلمة، كاملة، سارَّة، ورِعَة. في قلبها – هناك – كتابٌ سامقٌ عن الفن. شكراً يا عزيزي هيسِّه”، وآملُ أن أكتب عنها مجدداً بعد أن أنتهي من قراءتها.

المجلة الثقافية الجزائرية: وماذا تكتب؟
عاطف سليمان
: انتهيتُ مؤخراً من كتابة قصة قصيرة (طويلة) عنوانها (سوسنٌ)، وهذه القصة هي التتمة لكتاب قصصي جديد لي بعنوان (أعرافُ البهجة)، أجهِّزه للنشر، وآملُ أن أعثر قريباً على دار النشر المناسبة لذلك.
أواصلُ العملَ أيضاً، ومنذ سنوات، في كتابٍ صغير بعنوان (القلبُ مثل مَهْد)، وهو مكوَّن من نصوصٍ قصيرة بعضها لا يتعدي سبع كلمات.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق