ثقافة السرد

إلى أوكسانا

زهير عبد الرحمن

عزيزتي أوكسانا
لستُ أدري كيف أبتدأ رسالتي لكِ، هل أمزجُ كلماتي لكِ ببعضِ الدموع، أم أمسحُ الرسالةَ بصدري لتعلقَ بها بعضٌ من خلجاتِ قلبي، أم أصنعُ منها طائرةً ورقية أمرّرها قربَ أنفاسي ثم أرسلُها لكِ في الهواء، لعلّها تحملُ إليكِ بعضاً من شوقٍ تحجّر في حناياي بفعلِ الزمن، أم لا هذا ولا ذاك؟ ربما .. ربما سأكتفي بأن أمُدَّ يدي بورقة بيضاء كُتب فيها : إلى أوكْ ، إلى البطينُ الأيمنُ في قلبي، الذي يضّخُ في شراييني الرغبةَ في الحياة. لقد عنونتُ رسالتي هذه ببعضٍ من أحرف اسمك، لأتركَ الباقي عالقاً في عقدة لساني، لايفكُّها سِوى الموت.
سألتْني صديقة افتراضية: هل أحببتَ ذاتَ يوم؟ رجفَ قلبي وجمدتْ يدي عن الكتابة. صمَتُّ وأطلتُ الصمتْ، بماذا أجيبُ؟ هل أقولُ لها لا، لتسأل نفسها: أيُّ أحمقٍ هذا، رجلٌ خمسينيّ لم يعرفَ الحُبَّ من قبل، ما حاجتي به؟ أم أعترفُ لها بأنني رجلٌ أعيشُ بنصفِ قلب، والنصفَ الآخر انتزَعَته انتزاعاً حورية البحر و وشمت اسمها عليه.
غاليتي حوريةُ البحر: وأنا أكتبُ لكِ الآن ، أتحسّسُ بيُسراي ألماً خفيفاً ناحية اليسار، وجعُ الذكرى والحنين، ريْتني أستطيعُ أن أبوحَ لها بأن شوقي لك كالجائحة يجتاحُني كلّما ذكرتُكِ، ويعصفُ بكياني كالاعصار.
ربّاه …يالتعاستي…. أتعلمين أوكسانا، إنّني في هذه اللحظات، يترددُ في داخلي صدى صوتكِ العذب في لقائنا الأخير عندما غنيتِ لي: “كلما ناداني قلبُك … سأُجعلُ قلبي درباً لأصِلَ إليك”.
خمسٌ وعشرون عاماً مرّت، وكم من مرة أجهشَ القلبُ بالبكاء وأبتْ العينُ أن تدمعَ، إلا في الظلام.
عزيزتي: ماذا أقول لهذه المجهولة: هل أذكرُ لها عددَ الرسائل التي تبادلناها، هل أسردَ لها قصصَ الخرافة التي عشناها سوياً. ما رأيكِ أن أخبرها بالحماقة التي اقترفناها يومَ الزلزال؟ أما زلتِ تذكرينها؟ ربّاه … أي رعب كانَ ذلك. هل تذكرينَ عندما حدثَتْ الهزّة الأرضية الأولى في الثالثة بعد الظهر، والهزة الثانية في الثالثة بعد منتصف الليل؟ كيفَ هرعنا خارجَ المبنى مذعورين و كيف تدافعَ الناس للخروج، كيف تمالكنا جأشنا وأمسَكنا بيد السيدة المسنّة لنساعدها في الخروج معنا. رباه … أي قدرٍ كان، تصوّري لو أن المبنى انهار َ فوق رؤوسنا؟ أعلمُ الآن أنكِ ستضحكينَ عليّ عندما تقرئينَ هذه.
أوكسانا، بالله عليكِ لاتُلحِّي عليّ لأناديك بكلمة حبيبتي كما تفعل النساء الشرقيات، وتدركين جيداً كم تجادلنا وتناقشنا حول ذلك، وأظنكِ تذكرين تللك السهرة المجنونة مع أصدقاءنا، والنقاش العقيم إياه. تثبتُ الأيام أنّ الانسانَ هو ابن بيئته، فالقراءةُ والمعرفةُ والغربة والوعي كلها لها تأثير ولكن غيرَ آني وسريع، وإنما بطيء وتراكمي ويحتاج لأجيال حتى يتأصّلَ في النفس والسلوك الانساني.
سأعودُ لمواصلة الذكريات، أظنُّ أن خيالكِ قد أخذكِ سريعاً إلى أحداثِ بعد منتصف الليل، أتذكرينها … اوكسانا أتذكرينها … قولي نعم…. انطقي الكلمة وكررّيها … توقفي عن القراءة وانطقيها، تأكّدي أنّي سأسمعُك على بعد ألاف الآميال…
أوكسانا … يا كُحلَ العينْ ….. يا وجع الماضي… يا أبجدية الحب… فليكتبَ العشاقُ قصائدهم بأحرفك …
أوكسانا … يا رعفةَ قلم … يارائحةَ الوطن الآخر … لا … لا … أنتِ لم تكوني ولن تكوني رائحة الوطن ولا عبق الوطن… كنتِ أنتِ الوطن كلّه … الأول والثاني والأخير … كنتِ النَفَسَ الذي يهدرُ بجسدي…. كنتِ ومازلتِ … حشرجَةَ الرمقِ الأخير، الذي سيفارقُني ذاتَ يوم.
أتدرين ماذا قالت لي تلك المجهولة، بعدما تلعثمتُ ببعضِ كلماتٍ توحي بأنني قد أحببتُ ذات يوم؟

قالت : قصتك غير مقنعة، وطوت صفحةَ التعارف.
أوكسانا:
لقد أحرقْتِ كلّ المراكبِ وراءَكِ، لن أجدَ مركباً يقلّني مع إحداهنّ بعدكِ.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق