حوارات المجلة

الأديبة السورية غالية خوجة للمجلة الثقافية الجزائرية: المثقف الحقيقي ليس سلبياً، ولا متطرفاً ولا حيادياً.

مبدعة سورية لها بصمة إنسانية وثقافية مميزة.. في رصيدها الإبداعي عشرات الأعمال الشعرية والسردية والنقدية التي تتسم بالغنى والتنوع والعمق.. كتبت للكبار والصغار وتُرجمت بعض قصائدها للغات الأجنبية.. نالت جوائز هامة وحظيت بقراءات نقدية لافتة.. وعُينت سفيرة فوق العادة لمؤسسة ناجي نعمان للثقافة وسفيرة لحركة شعراء العالم.. هي غالية خوجة ابنة حلب الشهباء المثقفة المتمردة التي تزرع السلام والتسامح والمحبة دون كلل أو ملل.. في هذا الحوار الخاص بالمجلة الثقافية الجزائرية نبحر في عوالم هذه الأديبة الشغوفة بالشعر والجمال:
حاورتها: باسمة حامد

أنا الشعر روحي تؤلمني

المجلة الثقافية الجزائرية: غالية خوجة الشاعرة والناقدة والصحفية والروائية: كيف تسكب هواجسها وأفكارها على الورق؟.. صفي لنا لحظة البوح تلك..
غالية خوجة: 
هواجسي وأفكاري عوالم دائمة الحضور تكتبني متسائلة عني، عن الآخر، والكون، ومخلوقاته، والفضاءات الأخرى الماورائية، لذلك هي لا تبوح، بل تكتشف، وتؤلم ما يكتبني، فتفيض اللغات، وتشف الرؤى، وتشرق الآلام رموزاً وأمطاراً وجبالاً وأسئلة، ربما، لذلك، كتبت ذات تجلًّ: أنا الشعر روحي تؤلمني.

أبحث عن الضائع مني، من الكون، ومن الإبداع

المجلة الثقافية الجزائرية: عشرات المؤلفات السردية والنقدية صنعت عالمك الأدبي المميّز، لكن هل تشعرين أنك حصلت على القدر الذي تستحقيه من الشهرة؟
غالية خوجة:
لا أبحث عن الشهرة، بل عن الجوهري من نفسي والكينونة، أبحث عن الضائع مني، من كل إنسان، من الكون، وأبحث عن الضائع من الإبداع، لذلك، وربما نتيجة ذلك، ثلة ممن يريدون التمرئي بالأحوال يعبرون الأحول، لم أبحث عن الشهرة، لكن حقوقي الإنسانية والإبداعية ضائعة في أزمنة ضائعة، لذلك أوصي بعدم الاحتفاء بكتاباتي بعد موتي، لأنني لا أريد من أمتي التي أسمّيها (أمة الفوات) المزيد من الظلمة والظلم والظلام، كما أوصي أن يكون قبري في قلعة حلب، قريباً من مئذنة قلعة حلب، كما أرني الله ذات رؤيا.

أقترح جائزة الوطن العربي الإبداعية

المجلة الثقافية الجزائرية: في رصيدك الإبداعي العديد من الجوائز الهامة.. ما الفرق الذي أحدثته تلك الجوائز على صعيد التجربة الإبداعية لديك؟
غالية خوجة:
الجوائز لا تحدث الفرق، بينما الإبداع هو الذي يحدث الفرق في الجوائز، واللغات، والعالم. شاركت في بعض المسابقات لأؤكد أن بوصلة رؤاي شرق الإبداع، حيث لا غروب أبداً، إن شاء الله. والجوائز الحقيقية النزيهة عامل إيجابي بلا شك، لكننا في الوطن العربي نفتقد لجائزة هامة جداً، وأقترحها من منبركم هذا: جائزة الوطن العربي الإبداعية، تتألف لجنتها من مبدعين في كافة المجالات من جميع البلاد العربية، ليست جائزة مسابقة، بل جائزة إبداعية، تكون فيها اللجنة قارئة لجميع ما ينشر في كافة المجالات في الوطن العربي الأدبية والعلمية وغيرها، وتتابع مسيرة المبدعين من كافة الأعمار والأجيال، وتمنحها كل عام لمبدع متميز حقاً في الوطن العربي، لمبدع من كل بلد عربي، أي من كل بلد عربي مبدع سنوياً بعدد الدول العربية، دون أن يدري المبدع، أو يعلم، وينالها كل عام مبدعون عرب، يمثلون أقطار الوطن العربي، من كل بلد عربي مبدع عربي، كل عام، أي كل عام سيكون هناك من كل بلد عربي مبدع عربي، وسيكون عدد المبدعين العرب كل عام بعدد البلدان العربية. وتساهم في ميزانيتها الدول العربية، وتكون موزعة إلى مكافأة مادية، ومكافأة معنوية، تتمثل أولاً، في إعادة طباعة أعمال المبدعين الفائزين، وثانياً، تتمثل في ترجمة أعمال هؤلاء المبدعين العرب المختارين إلى كافة لغات العالم، إنها الجائزة المشروع الإبداعي الأول، الذي يساهم في تطوير المشهد الثقافي العلمي في الوطن العربي والعالم، لأن الوطن العربي يفيض بمبدعين مختلفين دائماً، وفي كافة المجالات، كما أنها ستحقق ربحاً مادياً كونها تستثمر في الإبداع العربي، سيضاف إلى ميزانية هذه الجائزة.

الشعر فاعل عربي مضيء رغم التصحر الأخلاقي

المجلة الثقافية الجزائرية: نحن نعيش في عصر التكنولوجيا والاضطرابات العسكرية والسياسية.. ومنطقتنا العربية بالخصوص تشهد صراعات مسلحة يذهب ضحيتها آلاف الأبرياء.. فأين القصيدة؟ هل بقي لها مكان ما وسط هذا كله؟
غالية خوجة:
نحن في زمن تصحر أخلاقي، يجعل من الذي يدب على قدمين يبيع نفسه ووطنه للأعداء مقابل حفنة دولارات ناسياً أنه سيموت ذات لحظة، ويكون في قبره وحده ليحاسبه الله، ولقد أفرز الجحيم العربي المزيد من المتصهينين الإرهابيين المفسدين ومافيات الأوطان والأعراض والمخدرات ومزوري الحقائق والجوازات والوثائق الأخرى، لدرجة أن فسادهم فاق فساد الأبالسة مجتمعة. أولاً، وآخراً، عاشت سوريتنا الحبيبة قيادة وجيشاً وشعباً وشهداء، عاشت فلسطين عربية والقدس عاصمتها الأبدية، وعاشت بلاد العرب أوطاني، بلاد الشعر والمحبة والسلام والتسامح والأخلاق والقيم، ثانياً، كلما ارتفع منسوب الإنسانية والأخلاق والحضارة والرقي، وجِدتْ القصيدة، ولذلك، سيظل الشعر فاعلاً مضيئاً ضد كل مفعول به ظلامي، وسيظل الشعر بشيراً ونذيراً لأولئك الذين يفقهون ويعلمون ويشعرون ويحدسون، الأرض العربية كالسماء العربية تتنفس شعراً ومحبة وتسامحاً وسلاماً، وهذا ما يغيظ الآخرين. لماذا لم تحدث في دول مخترعي هذه الأساليب والوسائط التكنولوجية أية (ثورة ربيع أجنبي)؟

المجلة الثقافية الجزائرية: في واحدة من مقالاتك وصفت الانترنيت بـ(العصفورية الالكترونية).. من وحي هذا الوصف الطريف أود أن أعرف منك كيف للمبدع أن يستثمر الشبكة العنكبوتية للتعريف بمنتجه الإبداعي دون أن يكون أٍسيراً لها؟
غالية خوجة:
التواصل والتكاشف مع الناس وعقولهم وقلوبهم عالم جميل بحد ذاته، والتوظيف الإيجابي لأي أداة هو الوجه المشرق، وأن يكون الإنسان سيد نفسه، فتلك حكمة لا تجعله عبداً ومستعبداً لغير الله. وللمبدع أن يكون هاجسه الإبداع والإنسان والإضافة لهما وللغته العربية ومخيلتها والعالم، لا أن يكون هاجسه وسائل الثورة الصناعية والتكنولوجية أو سواهما، لأن هذه الهواجس تستهلك طاقته ووقته وعمره، إضافة إلى أنها تصيبه بمرض الكتروني، واضطرابات نفسية، وصحية، وعقلية، مؤكدة أن الإنسان لو تخيل لحظة واحدة أن هذه التقنيات قد تذهب فجأة، وأنه سيموت ذات لحظة، لما أولاها أكثر مما تستحق، ولو حسب الإنسان الزمن الذي يقضيه مع هذه الوسائل لأمور غير مفيدة، كم كان سينتج لو أراد توظيف طاقته في إنتاج أعمال مفيدة لروحه، ومجتمعه وأمته والإنسانية، وتأكيداً على ذلك، مخترعو هذه التقنية لا يريدون لعائلاتهم التعامل معها، لدرجة المنع أحياناً، مدركين مساوئها، ولنتساءل: لماذا لم تحدث في دول مخترعي هذه الأساليب والوسائط التكنولوجية أية (ثورة ربيع أجنبي)، من أجل ما يسمونه زيفاً بالديمقراطية؟ ولماذا هي موجهة فقط للأمة العربية و(الجحيم العربي)؟ سؤال بسيط يدل على نوايا المنشئين والمخترعين، كما لا يعفي العرب من أنهم لا يستخدمون عقولهم بإيجابية، وأنهم مسيّرون من قبل أنفسهم وأعدائهم لدرجة التراجيكوميدية؟ وماذا لو أن كل إنسان عربي لم يضيّع وقته مع هذه التكنولوجيا؟ لكانت أبسط الإجابات الاعتناء بنفسه وأسرته ومجتمعه، وزيادة الإنتاجية النفسية السعيدة، والإيجابية، على كافة الصعد الاقتصادية والفكرية والحياتية والثقافية والعلمية والتكنولوجيّة أيضاً.. أي، باختصار، لتحولنا من صفة المستهلك إلى صفة المنتج، وتحولنا من المفعول به، إلى الفاعل.

تناول معولك واتبعني لنزرع السلام والمحبة في كبد الأرض

المجلة الثقافية الجزائرية: لابد للأدب من الإحالة على التاريخ المأساوي.. وفي هذا الإطار نلاحظ أن الحرب الجارية في سورية شحنت أقلام الكثير من المبدعين فأصبحت الكلمة تواكب الواقع المأساوي وتصور فظاعته.. فكيف تفاعلت غالية خوجة المبدعة والإنسانة مع هذا المخاض العسير من الموت والحياة والأمل والخيبة؟
غالية خوجة:
الكون يحارب سوريتنا الحبيبة، المجتمع الدولي يحارب سوريتنا الحبيبة، المجتمع الإرهابي يحارب سوريتنا الحبيبة، الجهل والتخلف الأخلاقي والحضاري والإنساني والثقافي والعلمي يحارب سوريتنا الحبيبة، لكن سوريتنا الحبيبة حضارة مبدعة مضيئة متجذرة في الماضي والحاضر والآتي، وإرثها الحداثي دائماً، ينشد، ومنذ أكثر من (5000) سنة قبل الميلاد، من أوغاريت منبع الأبجدية الأولى: “حطم سيفك، وتناول معولك واتبعني، لنزرع السلام والمحبة في كبد الأرض، أنت سوري وسورية مركز الأرض”، ويكفي أن سورية علمت وتعلّم التاريخ والأزمنة والأمكنة والبشرية قاطبة معنى الإنسانية والمحبة والسلام والتسامح منذ الأزل، وإلى الأبد، وضمن الأمدية أيضاً، لذلك سوريتنا الحبيبة منتصرة دائماً، على مر العصور لأنها الأبجدية الأولى، السنبلة الأولى، الياسمينة الأولى، الكلمة الأولى، الحضارة الأولى التي أسسها عالمياً أجدادنا السوريون، وتفاعلت مع كل ما يجري بآلام الأنبياء والمسيح والصالحين والوطنيين، وكنت ومازلت مذهولة من وحشية هؤلاء الذين يدبون على قدمين، غير مصدقة أنهم ينتمون إلى (البشرية والآدميين) والعصر الحديث الذي وصل فيه الإنسان إلى القمر والمريخ والشمس، وطبعاً، تعاملت بإيجابية وثقة مطلقة بالله تعالى لأنه الحق وينصر الحق، وثقة مطلقة بقيادتنا الحكيمة وجيشنا العربي السوري العظيم حماه ونصره الله دائماً، وثقة مطلقة بشعبنا العربي السوري، وشعبنا العربي، الطيب الراقي الحضاري، وكلمة سورية وحدها أجمل نص إبداعي في العالم، وعلى مر العصور، ومهما كتبنا لن نصل إلى حرف من حروفها الكونية المضيئة، لأن الجمهورية العربية السورية مركز الكون والأرض والحضارة والمجد واللغات والسلام والقيم والشهامة والعروبة والإنسانية، وكتبت العديد من القصائد، منها ما هو منشور في صفحاتكم، في موقعكم، والكثير من القصص والمقالات، ومنها ما هو على قناتي (اليوتيوب)، ومدونتي، وأخيراً رواية بعنوان (ماذا لو مات الموت؟) وهي مخطوط، وأخصّ المجلة الثقافية الجزائرية بمقطع منها:
“زنوبيا، في هذه الفترة، لم تعد ليومياتها ومعاركها وحروبها فقط، بل عادت بحزم أكبر لتبني ما تبقّى من آثار تدمر وعواميدها وتيجانها، تلك التي هدّم معالمها الإرهاب البشع. زنوبيا تزرع مفردات الحضارة مرة أبدية موقنة أن الموت مات منذ أزمنة وحيوات وأسئلة، وتساعدها أرواح مخلصة، لا تكلّ ولا تملّ، تبني، ترمّم، فتستيقظ مسام الحجارة، ومع كل دمعة، مع كل بسمة، يرجع الزمن إلى العواميد والتيجان والساحات والمسرح والمعابد والقصور، وكلما اقترب الزمن من تلك العواميد، تحركتْ أرواحٌ، وتهاطلت أرواحٌ بالعشب والعلم والتاريخ وأقواس النصر.
اعتادت الأرواح في تدمر أن تجتمع كل سنة مرة، بدءاً من هذا التاريخ: (18/8/2015)، تحت شجرة عملاقة، تزهر الياسمين والمحبة والسلام والأبجدية، اعتادت أن تجتمع تحت هذه الشجرة التي قيل:
إنها روح البحّاثة العريق (خالد الأسعد) الذي لم يُسلّم مفاتيح تدمر وأسرارها وكنوزها ومعارفها وتاريخها للإرهابيين الذين خطفوهُ، عذّبوهُ، ثم شنقوهُ، وتركوهُ معلقاً مصلوباً بين العواميد التي احتضنته بوفاء ومحبة لا مثيل لها لدى الكثيرين ممن يدبّون على قدمين.
زنوبيا تحتفل مع شعبها في هذا اليوم، من كل عام، منتظرة من خالد الأسعد أن يُترجم المزيد من نصوصها الثمينة، وأن يرمّم المزيد من آثارها الحضارية.
روحه تخرج عن موتها، في ذلك اليوم، كل عام، وتقسم:
ـ عاشت سوريا الحضارة.
الأسعد يتابع جولتَه مع زنوبيا في المكان، مطمئناً عليه حجراً حجراً، لكنه يلاحظ عموداً جديداً نابتاُ، متألقاً، كأنه عمود نورٍ يصل الأرض بالسماء، فيسأل:
ـ أيتها الملكة الأسطورية الزباء، منذ متى هذا العمود هنا، وأنا الذي أعرف تدمر كما تعرفني تماماً؟
تمسك الزباء يده، وتقترب من العمود:
إقرأ.
فيقرأ:
ـ حبي لتدمر وعشقي لها لا يوازيه أي شيء في الدنيا، ولقد زرت معظم مدن العالم شرقاً وغرباً، ولو خيّرت بينها لاخترت تدمر، فعلى ترابها عشت ومن مائها شربت، وكل ما قدمت من أجلها من جهد وتعب أقل من الواجب.
ويرتجف مدهوشاً:
ـ إنها كلماتي التي كتبتها على صفحتي (الفايسبوك).
ـ تستحق أن يكتب العالم كلماتك وسيرتك على سطح القمر، والكواكب، والشمس.
ثم تنحني زنوبيا قليلاً، مسترسلة:
ـ هذا العمود، مجرد شكرٍ صغير لوفائك يا خالد.
لم تنقص تدمر، بل ازدادت عموداً تضيئه الكلمات والدماء والمستقبل”.
الطفولة أسرار موسوعية لا تتركها تموت
المجلة الثقافية الجزائرية: ما يثير الانتباه في تجربتك الإبداعية هو اتجاهك للكتابة للأطفال.. ما الذي شدك إلى عالم الطفولة؟ وهل يمكن لأدب الطفل أن يعيد بناء المفاهيم الإنسانية التي دمرها الفكر المتطرف في بلادنا؟
غالية خوجة: سؤال جميل، أثق بأنني لن أخرج من “مرض الطفولة”، أو من طفولتي الشائخة بشيبها الفضي، أو من طفولتي تلك التي تتفتـّح براءة روحية وضميرية وعفوية برية تشبه بنفسج السماء وزرقة المحيطات والتعرف إلى الذات واللغات والكون، والانصهار معها من أجل تشكّلات تظل دائماً جديدة، ولذلك لن يستطيع الإبداع للأطفال إلاّ من تتغلب طفولته عليه، ويكون مثقفاً موسوعياً في كافة المجالات، لأنه يظل يفهم عوالم الطفولة، تلك التي فقدها غالبية من هم في مرحلة الطفولة للأسف لأسباب كثيرة ومختلفة ومتنوعة.
وعندما تموت الطفولة في دواخل الإنسان، يصبح عنيفاً، ظلامياً، متطرفاً، إلخ.. ولن يصلح حال وطننا العربي إذا لم يبنِ دواخل الإنسان بدءاً من طفولته، والأصح، بدءاً من طوره الجنيني، وهنا تحضرني مقولة أحد الفلاسفة الذي قال علينا أن نربي أطفالنا قبل مائة عام من مولدهم على الأقل، وذلك عندما نربي آباءهم وأجدادهم! وهكذا لا بد أن نغرس الأخلاق والجمال والمحبة والضمير المستيقظ والإيجابية والنقاء والتسامح والشهامة والوطنية وغيرها من القيم الثابتة مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة، داخل كل طفل، كي يظل الكون فضاء جمالياً متفاعلاً، وتؤتي فنيات اللغة تحولاتها المكتوبة بطفولة واعية، توقن أن الطفل شخصية كاملة منذ الجنينية، لأن الله يمنح كل إنسان بصمة روحية وحركية مختلفة ومميزة، وصبغياته مبرمجة إلهياً بلغات عديدة.

المثقف قد يكون إنساناً أميّاً لكنه مثقف بالإنسانية والمواقف الأخلاقية والوطنية

المجلة الثقافية الجزائرية: باعتبارك (سفيرةً فوق العادة للثَّقافة في مؤسسة ناجي نعمان للثقافة بالمجان، وسفيرة لحركة شعراء العالم) أود معرفة وجهة نظرك: هل يحق للمثقف أن يقف متفرجاً من بعيد حيال ما يجري أم أنه ملزم بإبداء موقف واضح؟ ما هي حدود مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية؟
غالية خوجة:
المثقف الحقيقي ليس سلبياً، ولا متطرفاً، ولا يقف على الحياد، ويفضل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، لأن ضميره الأخلاقي يفرض عليه، وبشكل عفوي، أن يكون مع الحق والضوء والوطن والإبداع مهما بلغت ظلاميات الآخر وعنفه غير البشري وغير الحيواني، والحمد لله، سأظل كما عرفتمونني إيجابية، أزرع الخير والوطنية والمحبة والسلام والتسامح أينما كنت لأن الجمال أن أكون أنا هي أنا في أي مكان وزمان، مهما بلغت تهديدات الظلاميين التي تطاردني على مر الثواني، فأنا غير مكترثة، لأني مطمئنة بذكر الله، وموقنة “إذا جاء أجلهم فلا يسئخرون ساعة ولا يستقدمون”.
المثقف الحقيقي لا يقف متفرجاً أبداً، ولا يكون بلا موقف أبداً، ولا بد من إعادة النظر في مفهوم المثقف عربياً وعالمياً، لأن المثقف قد يكون إنساناً أميّاً لكنه مثقف بالإنسانية والمواقف الأخلاقية والوطنية، بما لا يقارن مع هؤلاء المزيفين الذين يطلقون عليهم كلمة (مثقف)، برأيي، ليس كل مثقف مثقفاً، لأن أخلاقك هي بوصلة ثقافتك، لا المعلومات التي تجمعها، وإلاّ لكانت محركات البحث أكبر المثقفين العالميين.

الغربة لا مكانية ولا زمانية بل سؤال يتساءل عن انعدام الوعي الأخلاقي

المجلة الثقافية الجزائرية: كشاعرة سورية مغتربة ربما تتفقين معي بأن الاغتراب له دور كبير في ولادة الإبداع.. وهنا أريد أن أسألك: ما الهواجس التي يعيشها المبدع في غربته؟
غالية خوجة:
لا أعيش الغربة، لأن الإمارات العربية المتحدة وطني أيضاً.الغربة التي أعيشها هي غربة التساؤلات عن المتغيرات السلبية للإنسان المعاصر، وفقدانه لعقله ووعيه وضميره وأخلاقياته، رغم أن الغالبية تتهمني كمبدعة بالجنون الإيجابي، وهذه مفارقة، بينما الجنون المرضي فيصيب الغالبية حتى الغرق في محيطاته التي لم تترك جمالاً إلاّ وهشمته، ولا وعياً مضيئاً إلاّ وقطعت رأسه، للأسف، وأؤكد: الغربة ليست مكانية ولا زمانية، بل الغربة انعدام وفقدان الأخلاق والإنسانية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق