حوارات عامة

مرزاقة زياني: مثّلت العشرية السوداء منعطفا بارزا في مسار الأدب الجزائري وظهر ما يسمى “الأدب الاستعجالي”

حاورها حميد عقبي

في ضيافتنا الباحثة والناقدة الجزائرية مرزاقة زياني وهي ستحلق بنا بعدة قضايا ونقاشات أدبية مهمة، وهي تؤكّد أنّ المشهد الأدبي الجزائري غنّي و متنوع بمختلف مشاربه و اتجاهاته ، و أنّ مساراته تسير وفق تطّورات الواقع الجزائري ثقافيا و اجتماعيا و سياسيا وأنّ الأدب النسوي الجزائري المكتوب بالفرنسية كان أوفر حظا في الانتشار من المكتوب منه بالعربية.

ترى ضيفتنا أننا في زمن الرواية كون الرواية جنس أدبي غير مكتمل يستوعب العديد من الأجناس وهي تعتقد أنّ المشهد الثقافي و الإبداعي الجزائري مشهد لا يخلو من صراع ، لكن الأرجح أنه يتمتع بنوع من السلام ، و العطاء و المحبة ….نحن مع عدة طروحات ومناقشات عميقة..إليكم تفاصيل الحوار كاملاً.

* ما التأثيرات القوية التي تتحكم بمسارات المشهد الأدبي الجزائري وإلى أين تتجه به؟

– من المؤكّد أنّ المشهد الأدبي الجزائري غنّي و متنوع غِنَى و تنوّع مشاربه و اتجاهاته ، و مما لاشكّ فيه أيضا أنّ مساراته تسير وفق تطّورات الواقع الجزائري ثقافيا و اجتماعيا و سياسيا ذلك أنّ الأدب مهما تطورت نظرياته يبقى محافظا على جوهره و هو التعبير عن أفق الإنسان في علاقته بواقعه تعبيراً و نقداً.

* تشتغلين بقضية الهامش/ المركز برأيك هل الرواية الجزائرية القادمة من الهامش قادرة أن تقارع وتثبت مكانتها خصوصا إن كانت لكاتب من الوسط المهمش؟

أكيد، فالأقلام الواعدة تبشّر بميلاد جيل جديد من المبدعين ، خاصة بدعم من الإعلام و الجامعة التى تشجّع على اكتشاف و دراسة الأعمال الجديدة و ذلك من خلال اقتراح مواضيع رسائل الماجستير و الدكتوراه ، إضافة إلى عقد الندوات و الأيام الدراسية بحضور هؤلاء المبدعين إضافة إلى الفضاء الإفتراضي الذى يفتح هوامش للتواصل . كما لا يخفى ، جدلية و أبدية الصراعات الخفية و الإيديولوجية التى تتحكم و تُوجّه ثنائية “مركز/هامش”

* هنالك رويات خالية من المضمون والأسس الجمالية مع ذلك تنال الشهرة والانتشار..ما تفسيرك كناقدة لهذه الظاهرة؟

حتى نكون منصفين ، لا نقول ” خالية” من المضمون و الأسس الجمالية ، لكن يمكن القول أنه فيه نصوص راقية و مشبعة بالمضامين الفكرية والجمالية لكنّها لا تحظى بالانتشار و المقروئية مقارنة ببعض النصوص الفقيرة فنيا و تقنيا ، و نحن لا ننفي وجود هذه الظاهرة في المحيط القرائي الجزائري وحتى العالمي ، و ربّما يعود ذلك لعدة أسباب أهمّها :

1 – الانتشار، الذى يدعمه التكريس الإعلامي ( ولا يخفى عليك سيدي دور الإعلام) ،

2 – العلاقات العامة التى يتمتع بها الكاتب : مع النقاد ، الصحافة …

3 – طبيعة مواضيع الكتابة في حد ذاتها

* أخبرتني أن فكرة الزمن تشغلك كثيرا..بريك كيف هو تعامل الروائي الجزائري مع تقنية الزمن وما مدى تفاعله مع النظريات الجمالية وكيف يمكن تفجير عناصر الجذب والتشويق من خلال الاحساس بالزمن وحدوث كيمياء بينه وبين بقية العناصر؟

دعنا نتفق أولا أنّ الزمن يعتبر من أهم عناصر الفعل السردي – إضافة إلى عنصر المكان والشخصية و الحدث- ، و من خلال قراءتي للعديد من النصوص الروائية أعتقد أنّ اشتغال الرواية الجزائرية المعاصرة على ” تقنية الزمن” اشتغال فنّي جمالي فلسفي، نفسي… من حيث البناء والقيمة ، و نقديا يمكن أن نجمل هذا البناء في ثلاثة أشكال هي البناء التتابعي للزمن والبناء التداخلي الجدلي، والبناء المتشظي ؛ هذا البناء الذى يتعالق مع المفارقات الزمنية ودلالاتها الممثلة في مفهومي الاسترجاع والاستباق، والاسترجاع في المنظومة و المفكرة الإبداعية من أكثر التقنيات السردية تجلياً في الخطاب الروائي الجزائري ، و أعتقد أن عنصر الجذب و التشويق يكمن في أنّ اللعب بالزمن يشكل ذاكرة النص وفيه ينقطع زمن السرد الحاضر ويستدعي الماضي وتتأتى أهميته في كونه تقنية تتمحور حول تجربة الذات و لعلّ ” العمق” هو أبرز ما يميّز العلاقة بين أشكال بناء الزمن الروائي ووجهة نظر الروائي في التعبير عن واقعه وقضاياه ومشاعره، إضافة إلى هيمنة المفارقات الزمنية وسيطرة مفارقة الاسترجاع على أغلب مساحات السرد.

*المجتمع العربي لعبت به الخرافة وأمن بها ورغم المتغيرات العصرية تظل للخرافة قوتها وسحرها المدهش..ما التفسيرات لمثل هذه الحالة ؟

فيما يخصّ هذه المسألة ، أعتقد أنّ جنس الخرافة باعتباره جنسا أدبيا كان معروفا و منتشرا في أغلب الآداب العالمية ، الشرقية منها و الغربية ؛ باعتبار أنّها رمز أو شيفرة ، و لا يخفى عنك قوة و سحر الرمز من جهة ، و اعتباره قناع يمرّر من خلاله الروائي أفكاره و رؤاه و التى قد تكون ناقدة أو ضد السلطة مثلا خرافات ابن المقفع و ألف ليلة و ليلة في الأدب العربي لا فونتين في الأدب الفرنسي، أيسوب في الأدب اليوناني …

لكن مع منذ منتصف هذا القرن ظهرت الواقعيّة السحريّة التي لا يرسمها الكاتب بهدف إمتاع القارئ فحسب، وإنما للإيحاء بفكرة فلسفيّة أو وصف قدر الغرابة التي نجدها في عالمنا ونقلها بصورة تذهل القارئ وتربكه فيفقد القدرة على التمييز بين ما هو واقعيّ وخياليّ: الخلط بين المعقول واللامعقول في نفس العمل الأدبي لوجود ذلك في حياتنا .من أبرز الأدباء العالميين الذين كتبوا في هذا المجال نجد الروائي الكولومبي الشهير غارسيا ماركيز، روايته “الحب في زمن الكوليرا” و الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذى اشتهر بكتاب الرمل ، و البريطانى جورج أورويل الذى كتب روايتة الشهيرة مزرعة الحيوانات متقنّعا الخرافة للهجوم على الشيوعية الستالينية أما من الروائيين العرب المعاصرين فنجد الليبي ابراهيم الكوني في جل أعماله الروائية : نزيف الحجر ، السحرة ، المجوس ، عشب الليل …و لعلّ من أبرو الروائيين الجزائرين الذين تمثلّوا العجائبي : الطاهر وطار من خلال روايته الحوات و القصر ، و سرادق الحلم و الفجيعة لجلاوجي ، ألف عام وعام من الحنين لرشيد بوجدرة ، و غيرهم كثير من الذين استلهموا التراث الشعبي الجزائري.

* عاشت الجزائر فترات عصيبة وسنوات سوداء مرهقة..برأيك هل نجد ميولات لتحليل وقراءة تلك الحقبة في الكتابات الأدبية؟ هل من نماذج مهة؟

طبعا ، مثّلت العشرية السوداء منعطفا بارزا في مسار الأدب الجزائري ، و قد ظهر ما يسمى ” أدب الأزمة” ، ” أدب المحنة” أو ” الأدب الاستعجالي” urgence’Lde Literature ، و لعل أبرز ما ميّز هذه المرحلة هو : محاولة تصفية المثقف الجزائري بصفة مكثفة و بشعة ، و قد تأرجح هذا المصطلح بين مؤيد ومعارض لهذا النوع من الكتابة ـ فالمعرضون يقولون إن أغلب من كتبوا نصوصا روائية أو قصصية ”استعجالية” في فترة التسعينات للتعبير عن يوميات الخوف و الرعب التي تميزت بها الأزمة الجزائرية، هم صحفيون ذوو ميول أدبية و قليل من الروائيين الشباب·نصوصهم تقريرية، كما يرى حميد عبد القادر أنّ الأدب الاستعجالي وُلد من رحم الصحافة ، بينما يرى أمين الزاوي أنّ الأدب الاستعجالي تأريخ لمرحلة تاريخية . و لعلّ من أهم النماذج : روايات واسيني الأعرج : شرفات بحر الشمال ،سيدة المقام ، حارسة الظلال، مملكة الفراشة، حكاية العربي الأخير -2084 …، محمد ساري ، جلاوجي ، أمين الزاوي ، ربيعة جلطي …

* يتجه الشعراء إلى الرواية ولا يحدث العكس..برأيك هل نحن في زمن وعصر الرواية؟ وهل يأتي يوما ننسى أننا كنا أمة الشعر؟

أعتقد أننا في زمن الرواية ، ذلك انّ الرواية جنس أدبي غير مكتمل- كما يقول النقاد- يمتاز بالطّول الذي يُتيحُ لهُ إمكانية استيعاب العديد من الأجناس، و لعلّ تداخل الأجناس والاغتراف من الفنون الأدبية الثرية المتنوعة مثل المسرح وما ينتج عنه من (مسرحة الرواية)، وفن القصة وما ينتج عنه من (النوفيلا أو الحلقات القصصية)، والموسيقى والشعر والرسم، والتقنيات السردية الحديثة بمختلف مجالاتها، كما أنّ الرواية أيضا قد انفتحت على العلوم، فأفادت من التكنولوجيا و الخيال العلمي ، كما أفادت من علم النفس فى ظهور أساليب جديدة لاسيّما أسلوب (تيار الوعى) الذى يتميز به رشيد بوجدرة ، والكتابة من أجل الكتابة مما أدى إلى حرية التعبير والكشف عن المحتوى النفسى للشخصيات، مما أكسب الرواية إثارة وتشويقاً، وجعلها محل اهتمام القارئ وتحديداً المثقف الذى يهتم بمثل هذه الأنواع الأدبية الحديثة والمتطورة و كما يقول غولدمان أن الرواية ملحمة الانسان المعاصر فالأديب يكتب ما كتب إما لأنه ينتمي اجتماعيا إلى فئة محددة، بإمكانه التعبير عن أفكارها، أو لأن سيرته الذاتية، وبسبب وقائع معينة تتوافق مع تجارب فئة اجتماعية، لا ينتمي إليها بالضرورة وفي الحقيقة و اعتقد أنّ علاقة الرواية بالشعر علاقة تداخل و تكامل : فنجد السرد و الحكي في الشعر كما نجد الشعر في الرواية ، و هذا ما يدخل ضمن دائرة تداخل الجناس.

*نود التعرف على مرزاقة كناقدة وباحثة وأهم المنجزات؟

طالبة دكتوراه سنة خامسة تخصص قضايا الأدب و الدراسات النقدية والمقارنة ، أستاذة بجامعة الجزائر2 ، مهتمة بالبحث في ميادين معرفية متنوعة أهمها : السرد ، الأسطورة ، الخطاب الديني الاستشراق … نشرت العديد من المقالات، شاركت بالعديد من الملتقيات الوطنية و الدولية، عضو بالعديد من الجمعيات الثقافية.

* ما يزال صوت المرأة العربية ضعيفا وهناك من يرى أن المرأة عليها أن تتعلم فقه الطهارة من الحيض والنفاس وغسل الجنابة وكيف تمتع وتطيع ولي أمرها أو زوجها..ما الذي حققته المبدعة الجزائرية؟

حققت المبدعة الجزائرية الكثير سواء على مستوى الرواية أو الشعر ، الترجمة ، ففي مجال الترجمة مثلا نجد إنعام بيوض روائيّةٌ وشاعِرةٌ وفنانة تشكيلية. أكاديميةٌ تحملُ شهادة دكتوراه في الترجمة وإداريّةٌ تشغلُ منصب مديرة المعهد العالي العربي للترجمة. في روايتها التي تحمل عنوان

“السمك لا يُبالي” نقرأ رفضاً للإرهاب والعُنف والتسلّط الجهلِ والتعصّب، وانحيازاً لقِيَم الحريّة والتسامح والإبداع والعلم والحوار.

ما أبرز الهموم والقضايا التي تعكسها الكتابات النسوية وهل من صراعات مع الكتاب الذكور؟

بالنسبة للأدب النسوي الجزائري هو أدب لم يخرج عن كونه أدبا ملتزما بقضايا المرأة والمجتمع، بل أكثر تركيزا على عنصر المرأة، وحريصا على تجسيد قضاياها الخاصة كأنثى، والعامة كإنسانة تسعى لتأكيد الذات ، الهوية ، الإستقلالية ، ثم المشاركة في تفعيل المشهد الثقافي و حتى السياسي و الإقتصادي …

في البداية ؛ يمكن الـتأكيد أنّ الأدب النسوي الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية كان أوفر حظا في الانتشار من المكتوب منه باللغة العربية : و ذلك مُمَثّلا في كتابات آسيا جبار: “العطش” سنة 1957، ثم رواية القلقون سنة 1958، و رواية” أطفال العالم الجديد” سنة 1962.

وكذلك مليكة مقدم في اول رواية لها “الرجال السائرون” سنة1990 و لعل أشهر رواياتها رواية “رجالي, “الممنوعة” و جل هذه الاعمال اهتمت بالصراع الطبقي في المجتمع، الجرأة في الطرح وتحطيم التابوهات، إذ تناولت قضايا الدين، والجنس، والسياسة، وخاضت في الأمور المسكوت عنها.

أيضا في هذا المقام علينا أن نُنَوّهَ بجهود الروائية السيدة الوزيرة زهور ونيسي التي برزت في القصة والرواية والكتابة المسرحية ، و قد عدّ النقاد مجموعتها القصصية “الرصيف النائم” (1967 ) من أبرز النصوص النسائية المبكرة التي تناولت قضية نضال المرأة في الثورة التحريرية المظفرة ، و هناك أسماء نسوية لامعة أثرت الأدب الجزائري نذكر : زوليخة السعودي ، جميلة زنير ، أحلام مستغانمي ، فضيلة الفاروق ، ياسمينة صالح، وفهيمة الطويل، وجميلة الطلباوي، هاجر قويديري ، وجميلة خمار، ونسيمة بن عبد الله، وعائشة بنّور ، منى بلشم …

وعموما ، – و حسب رأيي الشخصي – أعتقد أنّ المشهد الثقافي و الإبداعي الجزائري مشهد لا يخلو من صراع ، لكن الأرجح أنه يتمتع بنوع من السلام ، و العطاء و المحبة .

***

مرزاقة زياني

أستاذة بجامعة الجزائر2 تخصص أدب افريقي و آداب عالمية

– عضو بمركز فاعلون للدراسات الأنثربولوجية – الجزائر.

– عضو بمركز مولاي اسماعيل للدراسات و الأبحاث في اللغة و الأدب و الفنون بفاس –مكناس المملكة المغربية .

– عضو مؤسس بالجمعية الجزائرية للدراسات الترجمية .

شاركت بالكثير من الملتقيات والمؤتمرات الأدبية والنقدية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق