قراءات ودراسات

مصادر المتخيل الشعري وتمثلات القضية في القصيدة العربية المعاصرة

الدكتور حميد الشابي

العبور من سياق الشاعر إلى سياق الشعر:

ينتمي الشاعر إلى بيئة اجتماعية وثقافية خاصة، تحركها متغيرات سياسية، وترجها تحولات عميقة، تؤثر على أنماط الحياة والتواصل والتفكير أحيانا كثيرة. ولن نبالغ إذا قلنا، بأنها قد تؤثر على الوجود الإنساني ككل. فأين الشاعر من كل ذلك؟ وهل نطالبه بأن يعكس تلك التحولات في شعره، وأن يعبر عنها بشكل هُتافي ساذج، أم بأسلوب شعري يرتفع بالقضية من سياقها المحدود بالزمان والمكان، إلى سياق إنساني أكثر رحابة واتساعا ؟ هذه الأسئلة شغلت،في وقت ما، قسطا من اهتمامات نقاد الحداثة الشعرية العربية ومنظريها. فقد وجدنا دراسات ومقالات وعناوين تناقش مسألة العلاقة بين الشعر والثورة كمفهوم مركزي في الكتابات السياسية في أواخر الستينات والسبعينات. وسأقدم رأيين الأول لأدونيس، والثاني لغالي شكري، يتقاطعان في نقط عدة، وإن كان الاختلاف في وجهة النقاش.

يعتقد أدونيس أن«الشاعر الثوري العربي الحقيقي ليس له جمهور، وإنما له قراء، والفرق كبير بين الجمهور والقراء». وأن «الشاعر العربي الثوري، ما يزال ينتظر التربة التي تتيح لشعره الثوري أن ينمو فيها. ». وتلك التربة تتحدد في محيط تواصلي/قرائي، يرقى إلى مستوى الجهد التخيلي والإبداعي الذي يبذله الشاعر. «إن الإبداع مهما كان مبسطا يتضمن جهدا فكريا وتخيليا خاصا. فهمُ هذا الجهد والمشاركة فيه يفترضان في الآخر معرفة اللغة الإبداعية، ويفترضان فيه القدرة على بذل الجهد الفكري الكافي. »[1]

يرجع أدونيس النقاش حول العلاقة بين الشاعر ومحيطه، إلى سياق القراءة والتلقي؛ فليس المهم هو درجة التزام الشاعر بالقضية، وإنما المهم هو مدى تجاوب القارئ مع الإطار الجمالي والإبداعي الذي يعبر به الشاعر عن محيطه. بذلك فإن أدونيس يرفض فكرة التبسيط والوضوح، فيما هو يدافع عن مطلب التثقيف الجماهيري، الذي ينبغي أن يُطالََب به القارئ،  على غرار مطالبة الشاعر بالتبسيط[2].

لا يبتعد غالي شكري عن هذا النقاش، فهو يُعَقِّبُ على وجهة نظر سارتر حول الشعر والالتزام، ويفضل أن يدافع عن رأيه في استثناء الشعر من القاعدة الالتزامية بمعناها الإيديولوجي. وهي الفكرة التي تُبَرِّرُ استثناء الشعر من التَّعَلُّقِ بالقضية؛ بالنظر إلى مقوماته الفنية والتخيلية المختلفة عن النثر. ولكن غالي شكري حين ينبري للتنصيص على ضرورة ارتباط الشعر بمحيطه الاجتماعي والسياسي، يعيد التأكيد،ضمنيا، على رأي سارتر، الذي لم يفعل شيئا سوى أنه ميز بين الجنسين الأدبيين الكبيرين: الشعر والنثر في علاقتهما بالواقع أو الثورة. فغالي شكري يرى أن «القضية في الشعر تختلف اختلافا كبيرا عنها في النثر. فلسنا نعني بقضية الشاعر تلك الدوائر المغلقة في عالم الالتزام حيث تتحول القصيدة إلى عقيدة، والمجموعة الشعرية إلى قانون للإيمان. ». ولأن الشعر من أغنى الأجناس الأدبية حرية وإبداعا، فإنه يتيح للشاعر هامشا واسعا من المناورة الفنية والرؤيوية، وفي حدود ما سماه غالي شكري بالقضية الشخصية. ولأن المقولة غامضة وملتبسة فإن شكري يحاول أن يوضحها بالجهد اللازم، ولا أعتقد بأنه كان مُوَفَّقاً. لنستمع إليه، مع ذلك، حين يستطرد قائلا:

«القضية الشخصية في حياة الشاعر ليست تعبيرا نقديا جديدا. وإن كان هذا التعبير لا يزال يستوجب من قائله قدرا من الحرص والحذر.. فالمشكلات الجزئية الصغيرة في حياتنا اليومية ليست هي القضية في حياة الشعر. القضية الشعرية بحق هي همزة الوصل بين وجدان الشاعر وعالمه، هي ذلك الشيء الفذ الذي لا يستطيع أن يعلن عن نفسه إلا في الشعر. » 

و لا أعتقد أن الرجل قصد شيئا أوضح من أنه ينبغي على الشاعر أن يتجاوز السياق الخاص بأبعاده الفيزيائية، الذي يحيط بالقضية، بهدف الإمساك بالعمق الإنساني فيها. بهذه الطريقة وحدها يمكن للقضية الشعرية أن تصبح قضية إنسانية. وعلى هذا الأساس يكون مدار اهتمام غالي شكري هو طريقة تناول الشعر للقضية، على عكس أدونيس الذي بدا منشغلا بمسألة التواصل بين شاعر القضية وقارئه، إنما على أساس من تجويد الصنعة وتبئيرها، وذلك أساس مطالبات شكري.

سأحاول فيما يلي أن آخذ جانبين من جوانب انفتاح الشعر على محيطه، أقصد المحيطين الاجتماعي والسياسي، والكون بتجلياته الجمالية.

عن الشعر والقضية، تحولات القصيدة وتعددية الواقعة التارخية :

تشكل هزيمة عام1967، نكسة سياسية وحضارية كبرى بكل المقاييس. وبدون أدنى شك، فقد كان لتلك النكسة ما بعدها، وكان لزاما على الأمة أن تعيش فترة صدمة شلت القدرة على التفكير والإبداع. وحاول الشعر أن يستوعب ما حدث، وأن يُسائِل بِنَبْرَةٍ مُتَّهِمَةٍ حِيناً، وبأُسْلُوبٍ مُنْتَقِدٍ سَاخِرٍ أحيانا أخرى. ولكن نسغ الأمل لم يتوقف في الجسد الشعري الذي ابتدع بنية دلالية جديدة، بها يعلن رفضه للنكسة وللاستسلام لإيقاع الهزيمة، فكانت تجربة البعث والإحياء معبرة عن ضمير شعري متفائل وحي. ثم حدث أن الأمة استعادت بعضا من كبريائها المهزوم، وعزتها المسلوبة في حرب أكتوبر1973، حين تمكن الجيش المصري من عبور القناة والتقدم داخل صحراء سيناء، قبل أن تدور الحرب دورة عكس، ليجد الْمُنْتَصِرُ نفسه في حال فقدان تدريجي لرصيد الانتصار الْأَوَّلِيِّ. فاضطرت مصر إلى وقف الحرب بشروط صعبة، أدت إلى دوامة مفاوضات ضاع في متاهاتها الانتصار وما يفترضه من مكاسب سياسية. وجاءت بعدها سلسلة التراجعات؛ بدءا بضياع القدس والأراضي الفلسطينية الأخرى من الضفة إلى القطاع والجولان.. و.. و.. وبطبيعة الحال، كان لهذه الأحداث أثرها على ضمير الأمة ووجدانها، وعلى رأسها الشعراء الذين يشكلون قلب الأمة، ونبضها الحي، ووعيها المتيقظ.

مسير مفاوضات كامب ديفيد كان عسيرا ومقلقا، بحجم ما كان يخطر به من اتفاقات والتزامات، تضخم من عتو العدو وتقزم مقدرات الأمة، فكان الرفض لفكرة التنازل عن القضية المركزية، لصالح استرجاع جزء من الأرض العربية مرفوضا.

بطبيعة الحال، كان للشعر نصيبه من هذا النقاش مع ما يميز خطابه من تركيز إشاري وجمالي يجعل منه خطابا مميزا بالفعل، على ما سنوضحه فيما يلي من هذا الحديث.

الشعر والواقعة التاريخية، حوار المرايا المتقابلة:

وقد جسد هذا النقاشَ الشاعرُ أمل دنقل في مطولته/ديوانه: أقوال جديدة عن حرب البسوس؛ وخصوصا في قصيدة لا تصالح. ففي هذه القصيدة، يبدو الخطاب موجها، بوضوح، إلى القيادة المصرية. وسنقف عندها برغبة في التعرف على مدى قدرة الشاعر على الانفتاح على القضية، وحدود تأثير ذلك على الجانب الفني في القصيدة، التي سأورد منها مطلعها؛ حيث يوجه كليب الخطاب إلى أخيه الزير سالم(مهلهل بن ربيعة)، قائلا:

لا تصالحْ !

.. ولو منحوكَ الذهبْ

أتُرَى حينَ أفقأُ عيْنَيْكَ،

ثُمَّ أُثَبِّتُ جوهرتينِ مكانَهُمَا..

هلْ تَرَى.. ؟

هيَ أشْيَاءُ لا تُشْتَرَى.. [4]

المطولة/الديوان: أقوال جديدة عن حرب البسوس، هي من روائع الشاعر المصري أمل دنقل. قيمتها لا تأتي من ظروف نظمها، ولا من القيمة الفنية والإبداعية التي تجسدها، وإنما من كل تلك العناصر. وسأضيف إلى ذلك قدرتها على إيجاد أرض مشتركة بينها وبين المتلقي/القارئ.

بذكاء يلغي الشاعر المسافة بين الأحداث، فتبدو حرب البسوس أشبه ما تكون، في إطارها الرمزي العام، بحرب أكتوبر. قد لا يقبل البعض هذا الربط المباشر بين النص الشعري وخلفيته التاريخية والموضوعية. ولكنني أتساءل: ماذا ستعني القصيدة، إن لم تكن تعني هذا التداخل الرمزي للوقائع والأدوار والأقوال والمواقف بين الحربين؟. ويحق لنا أن نتحدث عن أن صوت الشاعر الذي يتردد خلف صوت كليب، إنما هو أيضا صوت الأمة الإسلامية كلها، وصوت الضمير العربي، صوت القضية الأولى، وصوت الشعب العربي بأكمله، صوت الأرامل والأيتام، صوت العقل والقلب معا.

النهي الهادر المشوب بالتحذير والإنكار، المكتوب بالدم، دم كليب، يتكرر في أجزاء القصيدة، ويتردد صداه في أذن مهلهل. يضع كليبٌ أمام أخيه كل الاعتبارات والدوافع والمغريات، التي سيضعها الآخر/العدو بين يديه. وفي مقابلها، يضع الذاكرة والتاريخ والدم والكرامة..لا تصالحْ، ولو منحوك الذهبْ.. وهل للمال أن يعيد ذكريات طفولتك مع أخيك، والطمأنينة والسعادة، التي كان يشعر بها كل واحد منكما بوجود الآخر إلى جانبه.؟. لا تصالح وهل يصير الدم ماءً؟. وهل لك أن تنسى من قتل أخاك ودمه فوق ردائك؟.

إنها الحربُ !

قد تثقل القلب َ..لكن خلفك عارَ العربْ.

لا تصالحْ..

ولا تتوخَّ الهَرَبْ ! [5]

تمضي القصيدة في هذا الجو الحواري؛ استحضارٌ لحجج الأعداء، وتذكيرٌ للزير بالدم والحزن الذي لا يمكن أن تمحوه الأموال والديات والمغريات ووفود المصالحة.. ولذلك نجد أن صيغة النهي:

لآ تصالح على الدم.. حتى بدم!

لا تصالح ولو قيل رأس برأسِ،

يقابلها الدليل الحجاجي:

أكل الرؤوس سواءٌ ؟!

أقلب الغريب كقلب أخيك ؟!

و هل تتساوى يدٌ.. سيفُهَا كان لكْ

بيدٍ سيفُهَا أثْكَلَكْ ؟

أو أنهم:

سيقولون: جئناك كي تحقن الدم..

جئناك. كنْ – يا أميرُ – الحكْمْ

سيقولون: ها نحن أبناء عم ْ.

فيلقن كليب أخاه الجواب:

قل لهم: إنهم لم يُراعوا العمومة فيمنْ هلكْ.[6]

أو حين تحرمه النومَ صرخات النسوة اللابسات السواد والأطفال اليتامى،

يخاطبه، أن تذكَّرْ:

أنَّ بنت أخيك «اليمامة»

زهرةٌ تتسربلُ – في سنوات الصبا –

بثياب الحدادْ. [7]

وتظل الكلمتان تتكرران على مدى القصيدة:

– لآ تصالح

ولو توجوك بتاج الإمارة.

كيف تخطو على جثة ابن أبيك..؟

– لا تصالحْ،

ولو قيل ما قيل من كلمات السلامْ.

كيف تستنشقُ الرئتانِ النسيم َ المُدَنَّسْ ؟

لا تصالح،

ولو ناشدتك القبيلة.

– لا تصالحْ،

ولو قيل إن التصالح حيلةْ.

إنه الثأر تبهتُ شعلته في الضلوعِ..

إذا ما توالت عليها الفصولْ..

– لا تصالح ولو حذرتك النجومْ

ور مى لك كهانُها بالنَّبَأْ..

– لا تصالح ْ،

و لو وقفت ضدَّ سيفك كلُّ الشيوخ ْ،

والرجالُ التي ملأتها الشروخْ،

هؤلاء الذين يحبون طعم الثريدْ،

وامتطاء العبيدْ،

هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم،

وسيوفهم العربيةُ قدْ نسيتْ سنواتِ الشموخْ. [8]

الواقع أن القصيدة تتضمن إشارات تاريخية شيقة، وتعبر عن استغلال ذكي من الشاعر أمل دنقل لقصة حرب البسوس. كما تتضمن توسعا في استغلال التفاصيل النفسية والمأساوية للحوار الدائر بين كليب وأخيه مهلهل. ولكن الشيق أيضا، هو أن الشاعر آثر أن يسوق كل الأقوال التي قيلت، أو يمكن أن تقال حول هذه الحرب، وحول دوافع الصلح فيها. فهي تشكل صرخة الضحية في أذن الراغب في الصلح والتطبيع، مع العدو، من العرب، ومهما كانت العناوين والمبررات. وإن ضَعُفَ الأخ والحليف عن المطالبة بالحق/بالدم، فإن الشاعر يظل يكررها: لا تصالح، حتى تلاشي الصوت.

في القصيدة أيضا استغلال لتقنيات المسرح، من خلال تقديم شهادات الأبطال (كليب، اليمامة، مهلهل)، واعتماد أسلوب الحوار الذي يستهدف المقابلة بين وجهتين من النظر، ومبررات الفريقين وأقوالهما. وتتخلل القصيدة أناشيد ترثي القتيل، الذي اتخذه الشاعر رمزا للأرض العربية السليبة وللمجد العربي الآفل. على المستوى الفني، سنجد أن الشاعر أمل دنقل، وفي إطار خاصية البساطة التي تميز قصائده، يوظف لغة واضحة وسلسة، يركز على التصدية الناشئة عن الروي في أواخر الأسطر الشعرية، وهو ما يجعلها تقوم، بالإضافة إلى دورها الإيقاعي، بدور آخر يتعلق ببناء المعنى وتجميعه. من ذلك حرف الدال الذي يلملم أجزاء المعنى في قوله:

لا تصالحْ

ولو حرمتك الرقادْ

صرخات الندامةْ.

وتذكَّرْ..

(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين

تخاصمهم الابتسامة)

أنَّ بنت أخيك «اليمامة»

زهرةٌ تتسربلُ – في سنوات الصبا –

بثياب الحدادْ. [9]

ولن ندع الشاهد قبل أن نشير إلى الصورة البسيطة التي يشبه فيها الشاعر اليمامة بزهرة تتسربل بثياب الحداد في سنوات الصبا. وللصورة قيمة نفسية كبيرة تتجاوز الواقعة التاريخية المتعينة (حرب البسوس)، لتنسحب على كل يتيم يعيش مرارة اليتم وألم الفقد في سنوات الصبا، بسبب ظلم العدو وطغيانه وغدره.

محمود درويش وتجاوبات الواقعة التاريخية:

لننتقل الآن إلى نموذج آخر لشاعر يُعتبر صوت القضية بامتياز. وتَمَيُّزُهُ يأتي من جهة قدرته على أنسنة القضية؛ أي أن القضية تتجاوز في بعض شعره حدودها التاريخية والثقافية لتتحول إلى قضية إنسانية. محمود درويش، بقدرته الفنية التي صقلتها التجربة والممارسة، «يسكن القصيدة ويشيد وطنا من الشعر، يرسم حدوده على خطوط الطول والعرض الورقية، ويبسط أرضه وسماءه، ويشكل تضاريسه، وينفخ فيه مناخه الآسيوي الحار، ونسائم لياليه البحرية، فتتشكل السطور دروبا ومنازل، والكلمات حصى وذرات تراب، وتتجسد القصيدة – الأرض، بقدسها وجليلها، بتينها وزيتونها وبرتقالها ودوالي العنب في قراها النائية(..) تصعد معه الكرمل فترى البحر يتحول عنكما، على الرغم من أن قبة الصخرة ما تزال هناك صامدة. »[10]. كأن القصيدة، بين يديه، تصبح تخطيطا جديدا لأرض فلسطين، وبطاقة هوية للإنسان المرابط فيها. فتصبح القصيدة بذلك أوسع من الأرض ومن التجربة ومن الصورة والتاريخ معا.

البعد الإنساني في وعي محمود درويش هو سر عالمية هذا الشعر. بحيث إن القصيدة لا تغدو مرتبطة بالواقعة التاريخية إلا في حدود ما يمكنها من التعبير عن المشترك في التجربة الإنسانية؛ سواء أكان حبا أو ألما أو معاناة أو فرحا.

في ديوانه أحد عشر كوكبا، يخوض محمود درويش تجربة إعادة قراءة التاريخ الإنساني والعربي برؤية جديدة. تعتمد القراءة هنا أسلوب التساؤل المفضي إلى محاولة الإجابة عن أسئلة الحاضر في الماضي. والهدف هو محاولة فهم الأسباب المؤدية إلى تكرار الأخطاء الحضارية والتاريخية نفسها.

بين استغلال لقصة يوسف عليه السلام، ونكبة سقوط الأندلس، و حدث اكتشاف أمريكا، وصولا إلى مأساة الهنود الحمر. تتداخل الصور والمشاهد الحزينة التي تنتهي عند مأساة فلسطين. كل ذلك يسيج صورة كلية عنوانها: معاناة الإنسان مع رغبة الآخر في نفيه واستئصاله.

في أول قصيدة من ديوانه أحد عشر كوكبا، يستعيد محمود درويش المشهد الأخير من مأساة سقوط الأندلس، مع ما فيه من ألم وحزن وصعوبة في مغادرة المكان/الذاكرة:

في المساء الأخير على هذه الأرض نقطع أيامنا

عن شجيراتنا، ونعد الضلوع التي سوف نحملها معنا

والضلوع التي سوف نتركها، ههُنَا.. في المساء الأخيرْ

لا نُوَدِّعُ شيئا، ولا نجدُ الوقتَ كيْ ننتهِي..

كل شيء يظل على حاله، فالمكان يبدل أحلامنا

ويبدل زوارهُ. فجأة لم نعد قادرين على السخريةْ

فالمكان معد ليستضيف الهباءَ. هنا في المساءِ الأخيرْ[11]

ليس المكان وحده من يبدل زواره ولكن الزمان أيضا. وليس للعربي الذي تجاوزه الزمان إلا أن يملأ عينيه من المكان:

نتملى الجبال المحيطة بالغيمِ.. فتح وفتح مضاد

وزمانٌ قديم يسلم هذا الزمان الجديد مفاتيح أبوابنا

فادخلوا، ايها الفاتحون، منازلنا واشربوا خمرنا

من موشحنا السهلِ. فالليلُ نحنُ إذا انتصف الليلُ، لآَ

فجرَ يحملهُ فارسٌ قادمٌ من نواحي الأذانِ الأخيرْ..[12]

بعبارات حزينة يعيد الشاعر رسم المشهد الأخير في مأساة الأندلس. يغادر العربي الفردوس تاركا خلفه الذاكرة والزمان والمكان. وتظل صورة الأندلس في القصيدة عالما سحريا. أو تاريخا ينكتب على هامش تاريخ الآخر:

فادخلوها لنخرج منها تماماً، وعما قليل سنبحث عَمَّا

كان تاريخنا حول تاريخكم في البلاد البعيدة

وسنسأل أنفسنا في النهاية: هل كانت الأندلس

ههُنا أمْ هُناك ؟ على الأرض أم في القصيدةْ ؟[13]

من المثير أن الشاعر يستغل وصف القدماء للأندلس بأنها الفردوس المفقود في أشعارهم. ويتصور نفسه آدم الذي غادر الجنتين؛ الشام والأندلس. بذلك يتم الربط بين مأساتين، قديمة وجديدة. والمأساة هنا تتجاوز القديم والحديث لتصل العرب بالغجر، أو العرب بالهنود الحمر، لا فرق:

………………… سأخرجُ بعد قليلْ

من تجاعيد وقتي غريباً عن الشام والأندلسْ

هذه الأرض ليست سمائي، ولكن هذا المساء مسائي

والمفاتيح لي، والمآذن لي، والمصابيح لي، و أنا

ليَ ايضاً. أنا آدم الجنتينِ، فقدتهما مرتينْ

فاطردوني على مهَلٍ،

واقتلوني على مهَلٍ،

تحت زيتونتي،

مع لوركا[14]

في قصيدة أنا واحد من ملوك النهاية، يحاول محمود درويش ملامسة مآتي الهزيمة في الجسد العربي. وعلى لسان ملك النهاية، وفي استغلال ذكي للتاريخ العربي في الأندلس، يستعيد الشاعر كلمات الملك المهزوم، حين يغادر غرناطة متخفيا بظلام الليل، متعثرا في خياناته. ولأنه كذلك، فهو لا يملك أن يتطلع خلفه، حيث ليل غرناطة وقمرها يُذَكِّرَانِهِ بفداحة الفقد. وليست به حاجة إلى الالتفات خلفه، حتى لايراه من كان يعرف أنه صقل “رخام الكلام”حتى تعبر امرأته “بقع الضوء حافية”. أو تُذَكِّرَهُ الأرض بأنه مشى فوقها، أو يُذَكِّرَهُ أحد، يركض خلفه، انْ: “خُذْ اسمك عَنِّي”؛ فلا الأرض صارت أرضه، ولا الزمان أصبح زمانه، وما من شفيع أو ولي حميم، يشفع له في أمر خيانته:

…………………………. ولا حُبَّ يشفعُ لِي

مُذْ قَبِلْتُ «مُعَاهَدَةَ الصُّلْحِ» لمْ يبقَ لي حاضرٌ

كي أَمُرَّ غَداً قُرْبَ أَمْسِي. سترفعُ قشتالةٌ

تاجها فوقَ مِئْذَنَةِ اللهِ. أسمعُ خشْخَشَةً للْمَفَاتِيحِ فِي

بابِ تاريخِهَ الذَّهَبِيِّ، وَدَاعاً لِتَاريخِنَا، هلْ أنَا

منْ سيُغْلِقُ بَابَ السَّماءِ الأَخِيرِ؟ أنَا زفْرَةُ العَرَبِيِّ الأَخِيرَةْ. [15]

أجمل ما في هذه القراءة الشعرية، التي يقدم عليها محمود درويش، لمشاهد من التاريخ العربي والإنساني، هو امتداد القصيدة جماليا ومعرفيا. إذ يبدو لي أن الشاعر يهتم بمصادره المعرفية. وحديثة عن زفرة العربي الأخيرة، ووقوفه، في ذلك الحوار الداخلي مع ملك النهاية، يعبر عن قراءته لتاريخ الأندلس في لحظاته الأخيرة. واستعراضه لأطراف الصراع، من إمارة بني الأحمر إلى مملكة قشتالة، وإشاراته إلى مظاهر التحول في الزمان والمكان والمعالم الإسلامية الأندلسية، يشكل محاورة ثقافية لشعر الرثاء الأندلسي، الذي ظهر مع بدايات انهيار الإمارات الأندلسية واحدة تلو أخرى. والتحول هنا لا يَحُدُّهُ الشاعر بالأندلس،كأنه عدوى تلحق كل شيء، فيصبح التساؤل عن الغد مرعبا. كما يصبح الوصل بين اللحظات التاريخية واضحا وممكنا. وماذا سيكون ذلك التاريخ إن لم يكن مآسي جديدة، وأندلساً أخرى، في مكان آخر وفي زمان مماثل؟:

كنْ لجيتارَتِي وَتَراً أيها الماء، قد وصل الفاتحونْ

ومضى الفاتحون القدامى جنوباً شعوباً ترمم أيامها

في ركام التحول: اعرفُ من كنتُ أمسِ، فماذا أكونْ

في غدٍ تحت رايات كولومبوسَ الأَطلسيَّةِ ؟ كُنْ وتراً

كنْ لجيتارَتِي وَتَراً أيها الماء. لا مصرَ في مصرَ، لآَ

فاس في فاسَ، والشامُ تنْأَى. ولا صقْرَ في

رايةِ الْأَهْلِ، لا نهر شرق النخيل المُحَاصَرْ

بخيول المغول السريعةِ. في أَيِّ أندلسٍ أنتهِي؟[16]

بين رؤية السائح العربي إلى الأندلس كمكان تاريخي ونفسي، وبين رؤية المنهزم الذي يبدو التاريخ في ناظريه سلسلة من النكبات والمآسي، إلى حد تتوحد فيه التواريخ وتتآلف الجروح، وتتصل مأساة العرب بمأساة الغجر في الأندلس:

الكمنجاتُ تبكي على العرب الخارجين من الأندلسْ

الكمنجاتُ تبكي على الغجر الذاهبين إلى الأندلسْ [17]

تتحول القصيدة إلى خريطة للألم، ترتق الجروح الفاغرة في ضمير إنساني فقد إنسانيته. وعلى إيقاع الكمنجات، كأنما ينهي محمود درويش فصلا أليما، أصر على أن يحشد كل الجروح والأصوات. صوت غرناطة وهي تنادي أبناءها الراحلين، وكلمات ملك النهاية الذي لا يجد ما يبرر به تفريطه في الزمان والمكان، إلى مشاهد المآذن التي تغادرها نداءات الصلاة، وتحتلها دقات النواقيس. من خشخشة المفاتيح، إلى الأبواب التي تنفتح لتستقبل الفاتحين الجدد. من مأساة الأندلس إلى مأساة فلسطين، إلى مأساة الغجر، يتآلف الشعر العربي مع الشعر الغجري، وتعزف الكمنجات لحنا واحدا لمأساة واحدة، ويبدأ الفصل الثاني من تاريخ المعاناة والألم.

قصيدة خطبة«الهندي الأحمر» ما قبل الأخيرة، أمام الرجل الأبيض”. تشكل شهادة إدانة للغرب الاستعماري، الذي يؤسس حضارته على الإلغاء الممنهج للذاكرة ولتواريخ الأمم المستضعفة. كما تشكل إشارة خفية إلى استمرار هذا الفكر في العقيدة اليهودية الصهيونية، وذلك انطلاقا من المطابقة الخفية، في الأوضاع والأدوار والأهداف والنتائج، بين مأساة الهنود الحمر ومأساة فلسطين. لذلك سنجد أن بداية القصيدة تتضمن تحديدات من الهندي للتاريخ و المكان والزمان والعقيدة المتصلة بالحياة والموت. فالموطن هو حوض الميسيسبي، والروح عالية، والمراعي مقدسة، والطبيعة موطن الأسرار، والعشب روح تدافع عن الهندي، والنجوم كلام يضيءُ:

…… إذا أنتَ حدقتَ فيها قرأت حكايتنا كُلَّهَا:

وُلِدْنَا هُنَا بينَ ماءٍ ونارٍ.. و نولد ثانية في الغيومْ

على حافةِ الساحلِ اللاَّزُورْدِيِّ بعد القيامةِ.. عمَّا قليلْ

فلا تقتُلِ العشبَ أكثر، للعشبِ روحٌ يدافعُ فينَا عن الروحِ في

الأرضِ/

يا سيدَ الخيْلِ ! علِّمْ حصانكَ أن يعتذرْ

لروح الطبيعةِ عما صنعْتَ بأشجارِنَا.[18]

وأنَّى للسيد أن يعلم حصانه الاعتذار، وهو الذي لا يفهم معنى أن يكون للهندي تاريخه المحفور فوق الأشجار، وعلى أجنحة الطيور، وبين الأرض والسماء. وكيف له أن يحترم تواريخ الآخرين، إذا كان الآخر لا يتحدد إلا على هامش تاريخه هو. وأن الآخر لا يعني بالنسبة له شيئا ذا قيمة؛ قد يسميه فلفلا أو هنديا”أحمر”. كما قد يجد “الهند” في أي مكان يروق له من خارطة العالم. لكنما الناس هنا يولدون كما يولد غيرهم في أي مكان من أرض الله. ويعبدون إله الطبيعة، ولا يعبدون الذهب. وعطش الغريب لا يريد أن يرتوي من دمهم، وحرب الإبادة لا تريد أن تنتهي. والهندي يسأل الغريب:

أما آنَ أن نلتقيَ، يا غريبُ، غريبين في زمنٍ واحدٍ؟

و في بلدٍ واحدٍ، مثلما يلتقي الغرباءُ على هاويةْ ؟

وينتهي به الأمر إلى أن يتركه ليأخذ من أرضه، ومن بحره وسمائه ما يشاء، ويترك له أقل القليل.

تعال لنقتسم الضوء في قوة الظل، خذ ما تريدْ

من الليلِ، واترك لنا نجمتين لندفن موتانا في الفلَكْ

وخذ ما تريد من البحر، واترُكْ لنا موجتينِ لصيد السَّمَكْ

وخذ ذهب الأرض والشمسِ، واترك لنا أرض أسمائنا

وعُدْ، يا غريبُ، إلى الأهلِ.. وابحثْ عن الهِنْدِ/[19]

لمحمود درويش ثقافة واسعة، تجمع بين التاريخ والحضارة والكتب المقدسة، والأساطير الهندية في تقديسها لعناصر الطبيعة. ولكن الجميل في تجربته الشعرية، التي يعبر عنها في هذا الديوان الشعري، هو قدرته على مد خيط رفيع بين قضايا متشابهة من حيث الوقائع التاريخية والمواقف العامة، مختلفة من حيث الزمان والمكان. لذلك يحدث أن نقف على إشارات دينية تجعل التجاوب بين قضية الهنود الحمر والقضية الفلسطينية ممكنا. ويمكن أن نضيف إلى ذلك البعد الديني الذي تعبر عنه المضامين،كما اللغة الشعرية في تصاديها مع مقتضيات التوراة، أو في استغلالها لآي القرآن الكريم.. يقول الشاعر على لسان الهندي، الذي يجادل الرجل البيض في حججه الدينية:

لكمْ رَبُّكُمْ ولنا ربُّنَا، ولكمْ دينُكُمْ ولَنَا دينُنَا

فلا تدفنوا الله في كتبٍ وعدتكم بأرضٍ على أرضنا

كما تَدَّعون َ، ولا تجعلوا ربكم حاجباً في بلاط الملكْ !

خذوا ورْدَ أحلامنا كيْ تروْا ما نرى منْ فرَحْ !

وناموا على ظل ِّ صفصافنا كي تطيروا يماماً يماماً..

كما طار أسلافنا الطيبون َ وعادوا سلاماً سلاماً،[20]

الخطاب الديني يشغل كلمات الغريب أيضا، فهو يتحدث عن القتل باسم الرب والإنجيل. يصبح القتل بالنسبة له تنفيذا لمشيئة الرب. فكأنه قتل مقدس لغاية إفناء شعب مخلوق على غير صورة الرب. وبسبب من ذلك، لا يُروْنَ في عيني الغريب إلا جثتا تنتظر دورها في همجية الإبادة:

………….«نبشركم بالحضارة»قال الغريبُ، وقال: انا

سيِّدُ الوقتِ، جئتُ لكيْ أرثَ الأرضَ مِنكمْ،

فمُرُّوا أمامي، لأحصيكم جثةً جُثَّةً فوق سطح البحيرةِ

«أُبَشِّرُكُمْ بالحضارةِ» قالَ، لِتَحْيَا الأناجيلُ،قالَ، فَمُرُّوا

ليبْقَى ليَ الرَّبُّ وحدِي، فإنَّ هُنُوداً يموتونَ خيرٌ

لسيِّدِنا في العُلَى من هنودٍ يعيشونَ، والرَّبُّ أبيضْ.[21]

يبشر الغريب بحضارة الحديد والنار. بورد الزنك،فيما الهندي يبشر بالبراءة والأقحوان. تتجسد المفارقة في أن الحضارة التي يُبَشِّرُ بها هذا الغريب، حضارة البنادق والنبيذ والأنفلونزا، تتلخص في كونها تضمر الرغبة في الإفناء والقتل والتدمير والإلغاء المادي والرمزي. إلغاء الهوية والتاريخ والقومية واللغة والذاكرة.. فيصبح أي افتراض للسلام مع الغريب اقتراحا لا سياق له:

ونحن نودع نيراننا، لا نرد التحية.. لاتكتبوا

علينا وصايا الإلاه الجديدِ، إلاه الحديدِ، ولا تطلبوا

معاهدةً للسلام من الميتينَ، فلم يبقَ منهمْ أحدْ

يبشركم بالسلام مع النفس والآخرين، وكُنَّا هنا

نُعَمِّرُ أكثرَ لولا بنادقُ أنْجَلْتِرَا والنبيذُ الفرنسِيُّ والأنفْلُوَنْزَا،

وكنا نعيش كما ينبغي أن نعيشَ برفقةِ شعب الغزالْ

ونحفظ تاريخنا الشفهِيَّ، وكنا نبشركمْ بالبراءة والأقحوانْ[22]

في شعر محمود درويش تلك الثنائية التي تعبر عن اختيار رؤيوي، ظل الشاعر له وفيا طوال مراحل تجربته الشعرية، خصوصا في مرحلة نضجها واشتداد عودها. تتلخص تلك الثنائية في التقابل الحاصل بين الذات والآخر، بين الفلسطيني والعدوالصهيوني، بين الهندي والغريب، بين العربي الأندلسي والآخر القشتالي. والتقابلات هنا ليست بين المسميات، وإنما بين اختيارات حضارية وعقيدية. ويمكن أن نتلمس شيئا من ذلك الإصرار على الربط بين صورة العربي، أو الغجري، أو الهندي، في الارتباط بالأرض وبعناصر الطبيعة. نستعيد قوله على لسان العربي، الذي يجد صعوبة في فصل أيامه عن شجيراته، أو حين يعد الضلوع التي سيأخذها معه والضلوع التي يتركها. فيكتشف أن ما يتركه منها، أعز لديه مما يأخذه منها معه. كما نتذكر حديثه على لسان الهندي، الذي صادق البحر والأرض والأقحوان. وكتب تاريخه فوق العشب وعلى صفحة الموج. وكيف ينبه الغريب إلى أن «الغزال لا يأكل العشب إن مسه دمنا». هي ثنائية تُقَابِلُ بين قوم يعمرون الأرض وغرباء يأتون ليخربوا الأرض. أو لنقل بين من يعشقون الأشجار والأنهار والبحار والجبال، حتى تصير جزءا منهم. وبين من يندفعون إلى الطبيعة برغبة في القتل والإلغاء والهيمنة على الأرض والبشر معا. لذلك سنجد أن محمود درويش، يقدم صورتين للحضارة: الأولى برؤية غربية استعمارية، تتلخص مضامينها وبشائرها في البنادق والنبيذ والأنفلونزا، والثانية حضارة السلام مع الأرض والبشر معا.«ولكن الحقيقة أقوى من الحق»، تلك كلمات لها أكثر من دلالة، فقد تغير الزمان «منذ تغير نوع السلاح». وابتدأ زمان الغريب على جثت الميتين، على ضفتي المسيسيبي، كما الأردن.. لافرق،، فالموت واحد؛ هنا أو هناك. وتواريخ الغرباء تلغي تواريخ الميتين في الأندلس، في فلسطين وفي أمريكا أيضا.

الحقيقة أن قراءة شعر درويش تشكل متعة لا تقارن؛ بسبب من قدرته على المؤالفة بين المتطلبات الفنية والمضمونية في أي قصيدة شعرية. ولعل الشيء الذي يعنينا في هذا السفر الهادئ، في روافد القصيدة عند درويش، وفي امتداداتها الثقافية المتنوعة، هو مدى قدرته على الاستجابة لمتطلبات جمهوره، دونما تنازلات فنية. فقد حافظ الرجل على توازنه الشعري فنيا وتواصليا. ولم تتوتر علاقته بجمهوره، على عكس ما وقع مع غيره من شعراء جيله، أو ممن هم أسبق من جيله. وسأختم هذا الحديث بكلمات للناقد اللبناني محمد دكروب، في سياق تأبينه للشاعر، متسائلا عن سر جماهيرية شعر محمود درويش:

«جمهور درويش، في زمانه هذا، يستمع بشغف وهدوء، يستمع ويتأمل، يستمع ويفكر، يشغل جهازه الحيوي والعقلي والفكري، يحاول الدخول إلى عمق الشعر، إلى فكر درويش الشعري، حتى عمقه الفلسفي والإنساني في نسغ الشعر وشرايينه (…) محمود درويش الشاعر أساسا، لم يكن ليتعب فقط في إبداع ما يبدعه.. كان يتعب أيضا، ويكدح وينوع في نهمه الثقافي الفكري والحياتي. كانت القضية إحدى حوامل شعره الأول. صار الشعر هو قضية محمود درويش. وظل محمود درويش جماهيريا، بالعمق والمدى الشاسع. كان يرجو.. أن يكون امتدادا نحيلا لأمثال ناظم حكمت ولوركا وأراغون، فصار واحدا من كبار شعراء العالم، يضيء، بملامح شعره الفلسطينية وعمقها، دنيا الشعر في هذا العالم الواسع»[23]

لقاء الخطوط والاتجاهات،

بين أمل دنقل ومحمود درويش قواسم مشتركة عدة وإن اختلفت السبل وافترقت الطرق فنيا ورؤيويا. وضوح وشفافية شعرية هنا، ورمزية وعمق شعري هناك، وقضية واحدة تقف بين الشاعرين يتعاورانها، كل بطريقته الخاصة. أمل دنقل قارئ متأن للتراث العربي بقصصه وحكاياته وشعره، وعلاقته بمصادره تختزن رؤية نقدية وإبداعية في آن واحد. يعتمد أمل أسلوب القلب في الأدوار والمواقف، تتغاير الشخصيات، تتنازل عن مواقعها فتحتل مواقع بديلة، وتبدو الصورة مغايرة للأصل. أمل دنقل مصور اكتشف أن أسرار الأشياء ليس فيما تَنْشَدُّ إليه الأبصار، وإنما في ما تخفيه الظلال وتعابير الخطوط والشفاه والنظرات الساهمة، حين تخفي خلفها حزنا، أو سرا يجهد الشاعر لاكتشافه..هكذا شاء لحرب البسوس أن تصبح مأساة تتكرر في الحاضر والمستقبل. ولكن حِسَّ الشاعر يجعله لا يمل من تكرار الحكاية على الأسماع، عسى أن تعيها أذن واعية.

على الطرف الآخر يقف محمود درويش، الذي يتجاوز الوقائع في تفاصيلها، والأحداث في فصولها ومشاهدها. لا تهمه التفاصيل في شيء، إلا حينما تخفي وراء تكرارها مأساة أخرى آتية. يتجاوز الشاعر القضية المركزية، التي تشكل دائرة أولى، وينتقل منها إلى دوائر أخرى تشبهها، ويمضي كذلك ليعيد ربط الدوائر بوعي فلسفي ينتبه إلى العمق الإنساني في تلك الوقائع/الدوائر، لنكتشف، في الأخير، أن القصيدة بناء فني ورؤيوي مخصوص، تتآلف فيه الأضداد، وتتشابه فيه الوقائع والجروح والمآسي والتواريخ،. وتصبح القصيدة مَعْرِضاً لمواجهة حجاجية بين فريقين: مستضعفون ومُعْتَدُونَ. أصوات أقوى، وأخرى لا تكادُ تُجَاوِزُ أصحابها. أفكارٌ، شهاداتٌ وخطاباتٌ تنتهي إلى شاطئ القصيدة، فيكتب الشعر تاريخه الشخصي من جديد.

ويظل الشيء المهم بالنسبة لنا هو أن الشاعرين معا قد استطاعا أن يخلقا حوارا فنيا ورؤيويا مع القارئ. من خلال استفزاز فني لذاكرته، واستغلال موفق للمشترك الثقافي بين المبدع والمتلقي. وأحسب أن الشاعرين قد نجحا فيما لم يتحقق لغيرهم، بالرغم من أنهما انتهجا طريقين مختلفين. فالبساطة التي تشكل عنوانا لشعر أمل دنقل، تقابلها قدرة إبداعية جيدة، تجلت في مصادر إنتاج رؤيا شعرية قائمة على التحوير الفني للمرجع الثقافي؛ سواء أكان حكاية أو قصة قرآنية، أو معطى موضوعيا غُفْلاً. والعمق الفني الذي يميز شعر درويش، يقابله استغلال فني مغاير للمرجع الثقافي، في مستوى التطابق بين البنى الرمزية التي تتجلى في الأدوار والمواقف، والتي تؤديها الشخصيات في وقائع متشابهة من حيث سياقاتها التاريخية.

 

[1]– أدونيس، زمن الشعر، م. س.، ص،ص.91- 93.

[2]– م. س.، ص. ص.93.

[3]– غالي شكري، شعرنا الحديث، إلى أين؟، م. س.ن ص. ص. 163- 164.

[4] – الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل، دار العودة. بيروت. ط.2، 1985.، ص.324. من قصيدة. لا تصالح

[5]– م. س.، ص.325. من القصيدة نفسها.

[6] – م. س.، ص.324. من القصيدة نفسها.

[7] – م. س.، ص.327. من القصيدة نفسها.

[8] – م. س.، من ص.327. إلى ص: 336 من القصيدة نفسها.

[9] – م. س.، ص.327. من القصيدة نفسه

[10] – اعتدال عثمان، إضاءة النص، دار الحداثة. بيروت، ط. 1، 1988، ص.115.

[11]– محمود درويش، أحد عشر كوكبا، دار توبقال للنشر. الدار البيضاء، ط. 1، 1992، ص.7. من قصيدة. في المساء الأخير على هذه الأرض.

[12]– م. س.، ص.8.

[13]– م. س.، الصفحة نفسها.

[14]– م. س.، ص.12. من قصيدة. لي خلف السماء سماءٌ.

[15]– م. س.، ص.14. من قصيدة. أنا واحدٌ من ملوك النهاية

[16]– م. س.، ص.22. من قصيدة. كنْ لجيتارَتِي وَتَراً أيها الماء

[17]– م. س.، ص.29. من قصيدة. الكمنجات.

[18]– م. س.، ص.ص.35- 36. من قصيدة. خطبة«الهندي الأحمر» ما قبل الأخيرة، أمام الرجل الأبيض

[19]– م. س.، ص.39. من القصيدة نفسها

[20]– م. س.ص:41.

[21]– م. س.، ص.44.

[22]– م. س.، ص.47.

[23]– محمد دكروب، بين شعر القضية وقضية الشعر، جريدة. القدس العربي، ع. الإثنين. 11 غشت، 2008.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق