ثقافة المقال

إصدار جديد “ملكوت الروح” نصوص نثرية

صالح الطائي

قد لا تكون للعمر علاقة بالحكمة، ولكن إذا تجاوز المرء العقد السادس من عمره، مع كل ما يقرأ ويبحث وينجز ويتابع وينقر ويمتحن ويفحص ويحفظ، لابد وأن يستقر وشل ذلك في روحه، فتتفتح له تجليات المعرفة، التي تمكنه من اختراق مناطق اللاشعور، والغوص في لجج اللاوعي، ليرى بعض أسرار الرؤى التي لم يكن من قبل يراها. وأنا واقعا كنت على مدى أكثر من خمسة أربعين عاما غارقا في دنيا البحث والتقصي، أركض خلف الآية والرواية والحديث والرأي والقول والحكمة، أنقِّرُ في الموروث أملا في أن اصل إلى نتيجة تتكشف من خلالها التعقيدات التي تحيط بنا، التعقيدات التي جعلت الأخ يختلف مع أخيه، والابن لا يتوافق مع أبيه، إلا أني مع انصرام كل عام، كنت أشعر أن الهوة تتسع، والمسافات تنفتح، والبعد يتضاعف، والمشاعر تتصحر، وانهار الود تجف، حتى اختفت الضفاف التي كنت أنظر إليها عندما كنت في بدايات الطريق.
اليوم أجلس أحيانا أفكر مليا في ذلك العمر الذي أنفقته طوعا، وأطيل النظر إلى مؤلفاتي التي ناف عددها على الأربعين كتابا، واسأل: يا ترى هل نجحت في قول ما يمكن أن يُقرِّب الشطآن إلى بعضها، أم زدت التباعد بينها؟ والآخرون هل أفادوا مما أعتقد أني أعطيته لهم؟ أم أنهم تجاوزوا ذلك، بدليل أنهم لم يصلحوا أوضاعهم!
إنها الحيرة التي وضعتني أمام امتحان لابد من خوضه أو الغرق، وهنا لم أجد أمامي سوى خيار التحدي والمجازفة، فارسا في فيافي الكلمة، يحمل بدل السيف قلما، سرت في درب البحث عن الحقيقة، مستعدا لتحمل جميع النتائج التي ستترتب على سيري هذا بما في ذلك احتمال اتهامي بأني خرجت ضد السلطان، وخنت الأوطان.
ولكي أبرئ نفسي مما نسبه إلي رجال الأمن؛ الذين كانوا يرصدون أدق حركاتي بل وحتى سكناتي، قررت أن أكتب قوافل الكلمات التي تسرح في خيالي وأنشرها في الآفاق على شكل ومضات كالبرق، لأترك للآخرين الحكم عليها، واحصل على النتيجة، إذ لا ينكر أن هناك ثمة اعتباط وضحك على الذقون واستغفال للآخرين يفوق الخيال، يملأ الساحة، منتشرا كالنار في الهشيم، وكأن هناك مؤامرة كبرى هدفها قلب المفاهيم وتغيير القيم، لكي لا تقوم للعراق قائمة إلى يوم يبعثون؟! ولذا أعتقد اني من خلال هذا الكتاب بالذات قد انجح في كشف ملامح غبش الصبح الذي ننتظر، أو في الأقل؛ الذي أنتظره أنا منذ سبعين عاما!.
إن الشيء المميز في هذا الكتاب، أنه مجموعة نصوص نثرية متفرقة، لا رابط بينها سوى الهدف والقصدية، تهدف جميعها إلى إحداث صعقة قد توقظ الضمير، مثل قول: “اللهم إني لا أخاف الموت غفلة .. ولكني أخاف الغفلة عن الموت” ومثل: “لا تخلُ الحياة من الروائع، فهنالكَ دائما شيء رائع وجميل حتى في الظلام.. إنه يجعلك تشتاق إلى النور”
ولأني أؤمن بالتواصلية بين الأجيال، ولأن حفيدتي فاطمة كانت تمر بأزمة صحية خطيرة جدا وقد نقلت إلى بيروت لمعالجتها، فقد أهديت الكتاب إليها ببضع كلمات:
“فاطمة؛ حفيدتي التي أحبها أكثر من روحي، يا بتلة عمري وروض سنيني، إليك، وأنت تنتظرين النهوض من جديد”

ملكوت الروح / نصوص نثرية، آخر مؤلفاتي، وقد صدر عن دار ليندا ـ السويداء ـ سوريا، بواقع 212 صفحة، تزين غلافه لوحة للفنان العراقي الكبير الدكتور مصدق حبيب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق