قراءات ودراسات

المراحل في كتاب “نسوة في المدينة” للكاتب فراس حج محمد

بقلم: رائد الحواري

هناك فقر في الكتب التي تتناول (الحب)، فبالكاد نجد روايات أو قصصا أو قصائد تتجاوز المطروح، وتتجاوز ما هو سائد، فهناك محظورات تعرّض صاحب النص إلى المساءلة، الاتهام، (الزندقة)، فكلنا يعلم المحرمات الثلاث، “الجنس، والدين، والسياسة”؛ لهذا أصبحت دولنا خرابا ودمارا، جغرافيا وسكانيا، فالتحالف بين الديني والسياسي منع ـ تحت طائلة المسؤولية ـ كل من يتجاوز هذه الخطوط الحمراء، كالفصل من العمل إلى التشهير، إلى المنع من السفر، إلى الاعتقال أو النفي وحتى القتل، هكذا هي قوانين (دول القبائل).

“فراس حج محمد” من الذين لا يعرفون الحواجز، ويعملون على اختراق المحظورات والممنوعات، فهو كشاعر يحسن فعل التمرد وتجاوز المألوف، بصرف النظر عن العواقب التي يمكن أن تتخذها (دولة القبيلة)، وكلنا يعلم (نخوة القبيلة) عندما يتم تناول المحرمات، ومع هذا أصر الشاعر على الاستمرار في مشروعه النهضوي بصرف النظر عما يمكن أن يكون، فهو أجرأنا على البوح بما يؤمن به، والقدوة التي نسترشد بها لتجاوز ما هو عادي، وما هو مألوف.

إذن، هناك شيء جديد في كتاب “نسوة في المدينة” شيء متمرد على كل ما هو سائد، لكن الكاتب لا يقدم هذا التمرد دفعة واحدة، بل من خلال مراحل، فهو أرادنا أن نتفهم الدوافع والأهداف والغايات من وراء هذا الطرح، وكأنه في هذه المرحل يؤكد لنا قدرته على تناول الكتابة النثرية بشكل استثنائي، بحيث يقنعنا بتألقه في كل مرحلة، فهو ليس بحاجة إلى المرحلة الثالثة لنقول عندها أنه متميز، متألق، لكنه أصر على مصارحتنا بما نخجل من البوح به، وكشف “ما نخفي في صدورنا”، ما نريده وما نستمتع به.

من هنا يمكنا القول إن كتاب “نسوة في المدينة” يشكل حالة استثنائية، إن كان على مستوى اللغة الأدبية، أو على مستوى الفكرة التي يطرحها، والكاتب لا يكتفي بهذا، بل نجده يسمعنا صوت المرأة، فتحدثنا عن حاجاتها للجنس، وما تشعر به، وما تريده من حبيبها، سندخل إلى الكتاب حسب التسلسل الذي وضعه “فراس حج محمد”.

القسم الأول:

يبدأ القسم الأول بهذه الفقرة: “أصابع تشتعل بلهب أزرق، لم تكن الكتابة يوما شهوة مائية”. ص6، فمن خلال هذه الفاتحة يمكننا الاستنتاج أن هناك حديثا عن الكتابة، لكنها كتابة ليست عادية، فنهاك “أصابع تحترق” لتدفئنا، لتنير لنا، لتعرفنا على معالم الطريق، فعندما جعل اللهب أزرق، أراد أن يجعله لهبا نقيا، صافيا، لهذا سيكون مفعوله إيجابيا ومفيدا بالتأكيد، فمصدره ذلك الكتاب الذي يشعل أصابعه لنا، كما نجد هناك شهوة “مائية” نقيض “الاشتعال”، وكأن هناك حالة تكامل بين ذاك الاشتعال وهذا المائي، فكلاهما يأخذ مساحة من الكتاب.

التأثر بالقرآن الكريم

من يتابع كتب “فراس حج محمد” يجد تأثره بالقرآن الكريم، يستخدم الكاتب الآيات القرآنية في هذا القسم أكثر من القسمين الثاني والثالث، وهذا ما يعطينا إشارة إلى أن الكاتب كلما تقدم إلى المواضيع الحساسة أخذته الكتابة إلى عالمها، بحيث يكتب ما ينسجم وطبيعة الموضوع.

جاء أول تناص مع القرآن الكريم في مقدمة الكاتب التي يقول فيها: “أما أنا فقد توصلت إلى قناعتي الراسخة التي تقول: “عليّ أن أجرّب العيش وحيدا، فالأنبياء وحدهم لا يشعرون بالخذلان، “ولا تذهب نفسك عليهم حسرات” ص5، بهذه المقدمة يمكن القول إن الكاتب يعرف أن طريق كتابه ستكون وعرة وشائكة، لكنه يستمد قوته من القرآن الكريم، من الأنبياء الذين يؤمنون بالحق وحده، متجاوزين أقوامهم وواقعهم.

التناص الثاني جاء بهذا الشكل: “كنت أرى الصفحات وهي تنكمش وتتغضن، لم أكن أعرف ساعتئذ أنها كانت تتألم، ما كان يطرد هذه الفكر من عقلي وأنا صغير، أنني كنت أسمع ممن عندهم علم من الكتاب، أن حرق أجزاء من المصحف الشريف أو النسخ التي أصابها التمزق خير” ص13، الكاتب الذي يقدم هذا المشهد، بالتأكيد يقدر على إدهاشنا بلغته، بصوره، بأسلوبه، بمضمونه، فالحالة التي يتحدث عنها الكاتب هي الكتابة، وما تتعرض له الأوراق، الكلمات المكتوبة، فهو يتعامل معها كالكائن الحي تماما.

“عندما شبهتها بالشمبانيا… لتنداح في كأس الليل شرابا سائغا يتغلغل في أعماقي” ص26، “ثمة أشياء أخرى لم أكن أقصر فيها في نهاية كل شهر، ومع موعد الإفلاس الشهري، القراءة وكتابة قصائد الغزل”، “أنهض وأغتسل، أصلي، وأتجدد، وأكتب قصيدة جديدة، وأمارس شهوتي كأنني ملك، لا ينازعه في ملكه أي “جبار عنيد”. ص50، فعل الكتابة والقراءة، وهما الفعلان الظاهران، وسيلة الكاتب وغايته في تحقيق ذاته، والشعور بالفرح والنشوة، فبهما، ومن خلالهما يجد ذاته ويحقق أحلامه ويقدم أفكاره، فهو لا يكون دونهما.

الكتابة

هناك علاقة بين الكاتب والمادة الأدبية التي يقدمها، فهما معا يتعاونان لتقديم ما هو جديد للقارئ، وهناك حالة أخرى بين الكاتب ونصه، حالة أيهما يفرض ذاته على الآخر، الكتابة تحاول أن تكون هي المسيطرة على الكاتب، والكاتب يعمل جاهدا على تهذيب تلك الكتابة المتمردة، يقدم لنا فراس حج محمد هذه العلاقة: “ثمة نصوص خائنة لا تصرخ بما تستطيع أن يقوله الوعي، وربما هي جبانة، أو ربما تعبت من القول، أو لعلها لا ترى العالم واضحا وضوحا تماما تجعل الفكرة واضحة، هناك مشكلة حقيقية عندما تكون سيطرة النص أقوى من الكاتب نفسه، هل يحدث أن تحيا الفكرة وتتمرد على الكاتب وتخرج بطريقتها التي تريد هي لا ما يريدها كاتبها القارئ؟” ص24، الكاتب يتعامل مع الكتابة ككائن حر، مستقل عن الكاتب، وهذا الأمر يثير سؤالا حول الكتابة، هل النص/ القصيدة هي من تُكتب الكاتب أم أن الكاتب هو الذي يكتبها؟ وهل يستطيع الكاتب أن يكتب دون وجود ذلك الكائن الحر/ المستقل؟ أم أنهما معا هما من يكتبان النص/ القصيدة، ويظهرانها لنا بشكلها الجميل؟

يقدمنا الكاتب من حقيقة هذه الإشكالية بينه وبين الكتابة: “كنت حريصا على ألا أهز رأسي أو أتحرك كثيرا، لا أدري كيف فكرت أن الشخصيات والأفكار المحتشدة في رأسي ستقع وتفر من إطار الجمجمة لو أنني حككت شعر رأسي،… لم أكن أعرف أن الكاتب هو الذي يحيي الشخصيات ويميتها، كنت شبيها بأمي التي كانت تبكي عندما يموت أحد الأشخاص الطيبين في مسلسل بدوي” ص27، هو لا يعطي إجابة حاسمة، بفوز أحدهما على الآخر، بل يبقى المسألة كما يشعر بها، كما يحسها، كما يتعامل معها، وهذا أمر طبيعي، فالكتابة حالة لا تأتي وقتما أرادها الكاتب، بل هي تخرج منه كما يخرج الطفل من رحم أمه، أي بعد أن يكتمل نموه، عندها فقط يأتي المخاض ليخرج إلى الحياة، هكذا هي الكتابة، الكتابة الأدبية الإبداعية.

كما قلت في المقدمة، “فراس حج محمد” كاتب مبدع ومتألق، وليس بحاجة إلى الحديث عن أفكار محرمة ليكون مشهورا/ معروفا، فما قدمه من أعمال شعرية ونثرية تشهد له، نجد تألق الكاتب في هذا المقطع الذي يتحدث فيه عن أعماله: “أعلم أنك غاضب مني غضبا لا تكفره النصوص والاعتذارات الخجولة، وربما لا تشفع فيه هذه الرسالة القاتمة الملامح، يكفيك احتجاجا واحتجابا فشهرزادك في الانتظار لاستكمال طقوس القهوة المرة لنمحو معا دوائر العطش الملتهبة بنيران الشوق المتأججة، وسنقضي الوقت كله معا، فأنا وحدي أغنيتك، وستهمس لي كل همسات الصباح لتكمل نصف الحقيقة بوح جمال يومياتك أيها الكاتب المسمى x)، إنك لم تعد مجهولا مهملا مهمشا ستغدو لي وحدي وأنا وحدك! وسأظل مشتاقة لرسائلك الخاصة جدا وأنت تبوح في المدينة للمدينة لتزهر بي وبخطواتي معانقة أشياءها” ص30، نذكّر بكتب فراس “رسائل إلى شهرزاد، طقوس القهوة المرة، دوائر العطش، وأنت وحدك أغنية، كأنها نصف الحقيقة، يوميات كاتب يدعى x، وهناك رسائل وأعمال أخرى ما زالت غير مكتملة”، فمن يتأمل الطريقة التي تناولت فيها الحبيبة أعمال “فراس” يتأكد أنه أمام كاتب متألق، من خلال طريقة تناوله لكتبه، ومن خلال تقمص شخصية المرأة، ومن خلال اللغة التي استخدمها، والفكرة التي أراد تقديمها، إن كل تلك الأعمال الأدبية تتحدث عنها، عن تلك المرأة التي ألهمته ليكتبها.

الكتابة/ القراءة من وجهة نظر الكاتب

قلنا في موضع غير هذا أن المرأة والكتابة/ القراءة يعدان من العناصر المخففة والمهدئة للكاتب، “فراس” يحدثنا عن هذين العنصرين من وجهة نظره: “أتذكر أنني حي وأمارس أربعينيتي بشهوتي الحادة للقراءة، هذه الشهوة التي قلّمت وحشيتها في التعامل مع ممارسة الحب في الفراش، فلا أريد المزيد من الماء الدافق، خشية المزيد من الأطفال أردت أن أكون أكثر حرية من قبل، ولا أريد لجسدي أو جسد امرأة ما أن يستعبدني” ص35، نجد العلاقة المنسجمة والمتوازية بين القراءة/ الكتابة وبين العلاقة مع المرأة، فهي كانت (مثالية) في تعاطيها مع القراءة، إلا أننا سنجد “فراس” يتجاوز هذا الانسجام في الجزء الثالث، ويجعل المرأة بمكانة متقدمة.

الكتابة/ القراءة من وجهة نظر الابنة

تخبرنا ابنة الكاتب عنه وعن أعماله الأدبية بحيادية، فتقدمه لنا كما هو: “أبي كان حريصا جدا في كل فترة حياته وهو يكتب نصوصه ويؤلف كتبه،…، كان يكتب لهن وفيهن قصائده ونصوصه، وربما امرأة واحدة هي من استحوذت على كل أفكاره،… القصائد أيضا على اختلافها وتنوعها لم تكن لتعطي شيئا من أسرار أبي المختزنة في قلبه، قصيدة واحدة فقط بأبيات قليلة لا تتجاوز الستة أبيات يذكر فيها اسما لامرأة،… هل اضطر أبي لذكر اسمها من أجل القافية فخدعته القصيدة على حين غفلة منه؟… إنها كانت “شهرزاده” التي لم يظفر بها، ورحل وهو ينتظر أن يلقاها يوما حقيقة واقعية” ص46، هذه التفاصيل والحقائق يتم كشفها من أقرب الناس على الكاتب، وكأنها أرادت أن تؤكد نقاء الأب من الرذيلة أو الفاحشة، فقد عاش حالة من العشق الروحي والجمالي دون أن يحصل على جسد تلك المرأة، لهذا سنجده يفجر حاجته الجسدية في القسم الثالث، فهل أرادت الابنة أن تكون مشاركة في تفسير هذا الزخم وتحليله بهذه الطريقة في تعامله أدبيا مع جسد المرأة، بحيث لا ننخدع/ ننجر/ ننساق وراء الأحداث والمشاهد والصور والحالات (المتطرفة) فلا نعتبرها حقيقية، بل مجرد حالة لإحداث توازن عند الكاتب الذي لم يحصل على مبتغاه وحاجته من تلك المرأة؟

القسم الثاني

يقربنا الكاتب في القسم الثاني من عالم المرأة، بحيث تبدو علاقته بها أقرب إلى الحب العذري، وإن كان هناك وصف لجمال الجسد، أو حديث عن شهوته، وفي هذا القسم أيضا نجد علاقة بين الكتابة/ القراءة والمرأة، يفتتح الكاتب هذا القسم بقوله: “امرأة مؤلمة مع أنها طازجة، تقترب كأنها لم تهجر قط، وتبتعد كأنها لن تقترب أبدا، لكنها ستبقى هي هي وأنا سأبقى ذلك الخاضع لقوانين علاقتها الخاصة” ص52، بهذه الفقرة يمكننا القول إن هناك علاقة (طبيعية) من حالة عدم التمكن منها، وكأن الكاتب يمهد لوجود حالة من التجاذبات والابتعادات بينهما، ولكن العلاقة (بينهما) لا تصل إلى حالة التلاحم الجسدي، وإن وجدت فهي تبقى في الخيال/ في الحلم/ على الورق فقط.

هذا ما يجعلنا نربط هذه الفاتحة مع ما جاء على لسان الابنة، ولاحقا سنجد تأكيدا لها من الكتاب نفسه، أن كل العلاقات الجسدية مع النساء ما هي إلا علاقات “افتراضية”، وكأن “فراس” لا يريدنا أن نتعامل مع النص المقروء بواقعية حقيقية، بل كنص أدبي، فهو لا يريدنا أن نأخذ فكرة: “أن الكاتب يكتب نفسه/ ذاته الحقيقية”، بل هي نص أدبي مجرد، يراد منها تحريرنا من أحد المحظورات الثلاث “الدين، والجنس، والسياسة”، لنتجاوزها إلى حالة المتعة والفرح الذي نحصل عليه من خلال هذا النوع من الأدب، فعندما جعل الراوية هي المرأة في هذا القسم أراد أن يؤكد أدبية “نسوة في المدينة” وعلى حقيقة وواقعية الأحداث، وعلينا نحن القراء أن نستمتع بالكتاب آخذين هذا الاستمتاع ليكون طريقنا في الحكم على الكتاب وعلى الكاتب وعلى الرواة.

“فراس” يريد تنبيه القارئ ـ قبل أن يصل إلى “الأيروسية” ـ إلى الحقيقة السابقة: “وجودها في مخيلتي لا يعني أنها مجرد مشروع كتابي مفتوح على مطلق السرد، والشعر، إنما باتت تشكل خلية عصبية أساسية للغة التي تفيض كلما مر ذكرها أو هل طيفها الملحاح، هكذا صارت تتشكل في كل لحظة من لحظات وجودها الواقعي وغير الواقعي، امرأة حافلة بالتفاصيل المشبعة تغدق عليّ من وحيها المتجلي” ص53، اللافت للنظر أن هذه الفقرة جاءت بعد الفاتحة مباشرة، وكأن الكاتب في العقل الباطن ينساب منسجما متوحدا متواصلا مع نصه، لهذا نجده يتعامل مع اللغة والمرأة التي يتغزل بها كشيء واحد، مستخدما: “مشروع كتابي مفتوح، تفيض كلما مر ذكرها، تغدق عليّ”، وكأنه أرادنا أن نتأكد أن النص المقروء ما هو إلا نتاج الخيال، رغم وجود شيء من الحقيقة/ الواقع الذي يحفز الكاتب على التوغل أكثر في مشروعه الإبداعي.

هذه الثنائية بين اللغة والمرأة وصلت إلى حالة متطورة عند الكاتب من خلال: “لا تمنعي شهوة الحياة أن تأتيك ترقص بين مسامات جسدك الناعم المصقول، كأنه قطعة ماس، كأنه قطعة حلوى، كأنه نقشه حناء مرسومة بملامح طيف ملاك يضج حيوية وعنفوانا، كأنه شلال ماء عذب يري ويروى ويروى ولن تنتهي منه رغبة ولا يكون به امتلاء ولا تشبع فيه لذة. لا تمنعي الصورة أن تقول وتنادي، وتضمني إلى أجزائها وتحررني من فيزيائيتي المتقلبة لأكون فيك خلية تنساب شرايينها في شرايينك اندماجا لا يصح له انفصام ولا يروم له اقتسام” ص57.

المرأة والكتابة ينصهران معا، ثم يتوحدان مع ذات الشاعر/ الكاتب، فيصبح الثلاثة جسما/ كائنا واحدا، والدعوة التي جاءت من الكاتب تعد وتتماثل مع رغبته/ حاجته/ طموحه لتحقيق هدفه/ غايته من الكتابة، والكتابة هي من ستجعله يشعر بوجود المرأة وحضورها، كما أن حضور المرأة ووجودها هو الذي يغدق عليه الإلهام ليكتب “نسوة في المدينة” فيحقق ذاته وطموحه، فيشعر بالاستقرار والاتزان والهدوء. بهذا العلاقة الحميمة بين الكاتب وأدواته يمكننا أن نصل إلى غاية هذا الكتاب، وليس من باب النظر إلى “الجنس” بشكله المجرد، فنكون كمن يتمتع بجسد الراقصة الشهواني، ولا يتمتع بجمال وتناسق حركتها، إذن علينا الأخذ بالجانب الجمالي وليس بالجانب الشهواني.

“فراس” ليس هو الراوي الوحيد في كتاب “نسوة في المدينة” فالعنوان يعطيهن مكانتهن، لهذا من الطبيعي والمنطقي أن نسمع أصواتهن، وكيف يفكرن وما يردن: “عندما كنا نمارس علاقاتنا الحميمة إلكترونيا كنت أبكي أكثر مما كنت أنتشي، وكلما بعثت له صورة أبدي له فيها أعضائي كنت أرغب لو استطعت أن أرسل له جسمي وروحي كليهما ليكونا في حضرة شهوته التي تدفقت بين يديّ على يديّ… كنت أريد امتلاكه كله في كل وقت ليشبع عطش كأسي ويروي ورودي الذابلة، كنت أنتظره، وكان ينتظرني، وكان الوقت كل الوقت لنا…. كنت أفلح أحيانا في استدرجه لفعل المزيد، أتلوى تحته افتراضيا، وأتأوه، وأظل أرويه ويرويني صوت فحولته حتى أفيض ويخبرني أنه بلغ ذروته أيضا… تستوقفني صورتي في المرآة… أقف متأملة نفسي، كل ما فيّ يثير جنون رجل افتراضي، أتحسس نفسي عضوا عضوا وأشعلني من جديد، وأظل أمارس مع نفسي حتى أبلغ ذروة نشوتي، أشعر بهدوء تمام، أدلف إلى الحمام، ها هو الماء يثيرني مجددا، أستلقي في الحوض وأغمر نفسي في الماء، وأعبث بعضوي وأفركه كما لم يفركه قضيب رجل قط، حتى يختلط الماءان” ص60. من جمالية هذا المقطع أن المتحدث هو المرأة وليس الرجل، فهو صادر عنها، وليس عن الكاتب، وإذا ما استثنينا لفظ “افتراضي” الذي يستخدمه “فراس” كثيرا نكون أمام لغة أنثوية صافية، محايدة تماما عن لغة الكاتب، وهذه اللغة ما كنت لتكون أنثوية نقية إلى هذا الكمال، دون أن تكون هناك امرأة حقيقية في حياة الكاتب، لكن هذه المرأة (الحقيقية) لم تُقدّم كما هي، بل جعلها الكاتب تنصهر معه، مما جعله قادرا على (تقمص) حالتها والتحدث بلسانها، فكانت امرأة حقيقية.

سنتوقف قليلا عند هذا المرأة ولغتها الأنثوية لنؤكد حالة الانصهار والتوحد بين الكاتب وأدواته، ـ والمرأة هنا من الأدوات الكتابية، مستخدما الألفاظ “أمتلاكه كله، ليشبع عطش كأسي، ويروي ورودي الذابلة، أتلوي تحته، وأتأوه، وأظل أرويه ويرويني، حتى أفيض” كل هذا يجعلنا نتأكد أننا أمام امرأة حقيقية وليست (افتراضية)، فمثل هذه اللغة وما تحمله من مشاعر وحاجات ورغبات ما كانت لتكون بهذا الإقناع والصدق دون أن يكون الكاتب قد ذوّب “فراس” مع المرأة، فجعلها تتحدث بلغتها هي، لكن من خلال كتاب “نسوة في المدينة”، فهي ضمن مشروعه هو، لكنها في ذات الوقت لها حضورها، ووجودها ككائن/ كعنصر مستقل عن “فراس” ومشروعه.

بهذا التوحد والانفصال، يمكننا القول إن الكتاب برمته جاء ضمن هذه الحالة، فيمكننا أخذ النصوص منفصلة عن بعضها، ويمكننا تجميعها معا، وهذا ينطبق على الأقسام الثلاث، التي يمكننا التعامل والنظر إليها على أنها ثلاثة أعمال أدبية، وأيضا على أنها تجتمع معا لتشكل كتابا واحدا، وهذا ما وجدناه في نص “اقتحام مجهول عزلته” الذي جاء قصة كاملة. ولا يقتصر الأمر على الكتاب والنصوص، بل أيضا على علاقة الكاتب بمحيطه، بالنساء، باللغة، بالكتابة، بالأحداث، وعلاقة هذه كلها بالكاتب، فيمكننا أن نفصله عن (أدواته) وأن نوحده معها، فيبدو لنا ـ أحيانا ـ أن الكاتب/ المتحدث هو فراس، ـ وأحيانا ـ الـ “نسوة في المدينة”.

تستمر النساء في الحديث عما يردنه من الكاتب: “مزعوجة، وفي غاية النكد، أحب أن ينقذني من حالتي هذه التي صرت أدخل فيها كثيرا وفي كل مرة كان يشع في نفسي الارتياح والهدوء، أرتاح لنبرة صوته الهادئة والواثقة… يغلق الهاتف وأعيد كلماته الدافئة، تمتلئ نفسي بالنور، وتتشقق حجب الضباب الكثيف الملبد في صدري،… يأتيني طيفه فيسحبني لننام معا تحت غطاء واحد لعلنا نظل في عناق دائم” ص71، اللغة لغة امرأة، فهي تستخدم “ينقذني، يشع في نفسي” فهنا الأثر الذي يحدثه الكاتب فيها هو أثر عاطفي نفسي، لكن هناك أثر جسدي نفسي، نجده في “يغلق، الدافئة، تملئ، وتتشقق حجب الضباب، نظل”، كل هذا يجعلنا أمام حاجتها/ رغبتها الجسدية، فهناك الدفء الذي يأتي بعد حالة الامتلاء التي يسبقها التشقق/ الانفتاح، وهذه الحالات تريدها لتظل دائمة ومستمرة، بحيث تكون في سعادة وممتعة إلى ما لا نهاية.

وكما يعيش الكاتب حياة متخلية/ واقعية تعيش هي الحالة نفسها، فتخبرنا عن الأثر الذي تركته فيه، بعد أن أخبرتنا المرأة السابقة عن الأثر الذي يتركه فيها: “كنت امرأة افتراضية بدون ملامح جرفتني كما جرفته لجهنم القلق والجنون، نسى كل النساء الأخريات، وتجاوز محنته المميتة،… كان واضحا معي وشفافا يكتب لي كل حين، أشعر بالفخر لغيرة صديقاته وأصدقائه، وتعليقاتهم على الرغم من أنه كان يجردني أمام القراء بعد أن عرّفته على جغرافية جسد ملتهب به يعاني من العطش، لم أكن امرأة افتراضية فقط” ص72. علينا أن نأخذ الأمر على هذا النحو، الخيالي والواقعي معا، فالتقديم الجميل واللغة والسلاسة تجعل حديث الحب والجسد والرغبة والعاطفة والأثر شيقا وممتعا ولذيذا، ألا يكفينا كل هذا لنتقدم أكثر من الكتاب الذي تُحدثنا به المرأة؟

هناك أثر تتركه الكتابة/ القراءة على الكاتب، وهذا حال المرأة أيضا: “هممت بتمزيق تلك الورقة ذات السطور الأربعة،… أخرجت الورقة من جيب الحقيبة، وأخذت لها صورة ونشرتها على جداري الأزرق وجعلتها غلافا للصفحة وكتب “فلتعذبني أبدا بغيابك” ص75، هذا المشهد يؤكد حالة التوحد بين الكاتب ونسائه، فهن يتأثرن بالقراءة والكتابة، كما أنهن يعيشن حالة من التجاذب والتباعد، بحيث نشعر أنهن منسجمات في حالتهن النفسية، وفي مشاعرهن، وفي سلوكهن.

كما يحدثنا الكاتب عن الأثر الذي يتركه (حضورها) فيه: “في تلك الأثناء جاءتني متأنقة، عبقت منها رائحة الياسمين المختلطة بعطرها الأنثوي،… أما أنا فكنت أريدها، كنت أرغب في لمس يدها أو تحسس أعضائها، كنت أريدها أن تحضنني وتحقق أمنيتها، أو أقبّلها لأحقق أمنيتي،… أصبح المطر الغامر كل خلاياي عاصفا ومائجا في حضرتها” ص81، الكاتب يتحدث عما يريده منها، عن حاجته، عن الإثارة التي تحدثها فيه، فالرائحة ـ وغالبا ما يتناولها فراس في هذا الكتاب ـ وكأنها الحاسة الأهم بالنسبة له.

وإذا ما توقفنا عند رغبته في تقبيلها، ورغبتها في ضمه واحتضانه، سنجد أن الكاتب كان في حالة من الاندفاع الجسدي الناتج عن الإثارة الجمالية، وهي بحاجة إلى الحنان والعاطفة، الناتجة عن القصائد والنصوص، كأنه هو الجسد، وهي الروح/ العاطفة، فكان لا بد أن يتوحدا معا ليكون هناك كائن حي، سوي، وسليم، هذا ما أوصل لنا فكرة التوحد والعلاقة بينه وبينها، لكن بطريقة ليست عادية، بطريقة الإيحاء والحديث عن الرغبات والحاجات.

قبل الانتهاء من هذا القسم نذكر بالمؤلفات التي أنجزها فراس عن تلك المرأة، وجاءت على لسانه هو: “جاء دوري وقدمني عريفا الحفل، بما يليق بشاعر مجنون أرسل يوما لشهرزاد رسائله، وأفاض معها في طقوس القهوة المرة، ليغني لها وحدها أغنيته الأبدية” ص76، وإذا ما حاولنا أن نجمع حديثها عن كتبه الذي جاء بصيغة مقاربة لهذه الصيغة، يتأكد لنا حالة التوحد والانسجام بينهما، فهما يعيشان عين الحالة، ويشعران بذات الشعور والإحساس، ويفكران بذات الطريقة، ويسعدان ويتألمان لحالتهما غير الحقيقية، غير الواقعية.

القسم الثالث

في هذا القسم يدخلنا الكاتب إلى عالم الجسد والشهوة والرغبة الجامحة، فبعد أن مهد لنا الطريق في القسمين السابقين، وبعد أن اكتملت قناعتنا بأننا أمام كاتب متألق، يمكنه الكتابة والإبداع دون استخدام وسائل الشهوة الجسدية، وأن هذا الاستخدام يعبر عن رغبة الكاتب في أن يحدث الانسجام بين رغباته/ حاجته الجسدية والعاطفية والجمالية، بحيث لا يخفي ما فيه وما عنده، بحجة الحرام/ التقاليد، فهو ككاتب من واجبه أن يظهر تمرده على واقعه، لنكون من بعده فاتحين هذا المحرّم الذي يقيدنا ويحرمنا من أن نكون صادقين مع أنفسنا، مبدين سعادتنا بهذا التناول.

يفتتح الكاتب هذا القسم: مصابيح زرقاء في ليل المدينة، يُحكي أن المرأة أقوى المخلوقات مع أنها مائية تتصبب شهوة عند كل حديث” ص87، فهل هناك علاقة بين المصابيح الزرق والليل والمرأة المائية وبين الكاتب؟

سنجد في هذا القسم عالم “الأيروسية” جليا، بدون محظورات أو ممنوعات أو محرمات، فقد تم تجاوز العادي المتاح، وتم إزالة الجدران أمام الحرية، لتحق في فضائها الرحب دون أية قيود، “طلبت منها مرة أننا سنمارس العلاقة الحميمة في اليوم الواحد أربع مرات، لم يعجبها ذلك وقالت إنها تريد ممارسة الحب عشرين مرة متتابعة في ليلة واحدة،… فما زلت حتى الآن أضاجع صورها وأتحسس ما بدا من أعضائها، ثمة صورة يبدو عضوها بشكل مثير للشهية، أمرر أصابعي فيه طوال الليل ولا ينتهي ذلك إلا وأنا أفيض على صورتها فأغرق عضوها البارز في الصورة، أحس بلزوجة الماء وطراوة ملمس الصورة، أكرر ذلك الفعل مرات ومرات حتى أكاد أسمع تأوهاتها وكأنها تطلب المزيد، إنها بالفعل تطلب المزيد. أعرف ذلك من اهتزاز نهديها كلما التقينا،… عندما خلعت سترتها الجلدية وصار صدرها أوضح فحركته بعنف رأيت تلاعب ثدييها من فوق كنزتها الصوفية،…. لا أستطيع أن أنام لكنني لم أكن أحلم بالتأكيد” ص96، رغم أن المشهد يبدو سرياليا، مجنونا، إلا أن الفقرة الأخيرة أكدت واقعيته، لكن اللافت أن صورة فعلت به وبها كل هذا، فكيف سيكون المشهد إذا حضرت بجسدها وروحها؟ أعتقد، أنه هنا يكمن إبداع الكاتب، من خلال صورة أذهلتنا وأمتعتنا، عاطفيا وجماليا وفكريا، بحيث نتوقف عند المشهد مذهولين، لما فيه من غواية ولما فيه من حالة تتجاوز المنطق/ العقل.

يقدمنا الكاتب أكثر من جسد المرأة: “فإذا ما وصلت الصدر فتحسسي نهديك العامرين، وقولي لهما: إن حبيبي يعاني من الجفاف والعطش، وهو لم يرتو من أي امرأة بعد أن عرفكما، فتهيأا لتكونا له سقائين من ماء عذب وكأسي خمر ينهل من معينكما وحده من لدن ليل طيب النسيم وحتى يصدح الديك. تحسسي البطن الحريري الناعم، وقولي له حبيبي ينتظرك لتشملك ذراعاه بحنانه ودفء شوقه. تحسسي العضو الثالث، والذي أسميته يوما (خلية العسل) قفي هناك طويلا طويلا، المسيه، وتحسسيه، واستفزي شهوته ونيرانه، ليفتح للحديث بابه، وقولي حبيبك قد منع لأن يكون لغيرك، فهو يختزن قوته وماءه فقط ليكون لك غذاء ووراء، فاستعد لتعطيه كل أمنياته. أكملي المهمة، تحسس الفخذين والساقين، وتأملي عني جمالهما المصقول، وقد اعتنيت بهما اعتناء كاملا،… يجب أن يمرر يده من أسفل إلى أعلى ليشعر بالطراوة والجمال” ص97، في هذا المشهد نجد حالة توحد بين الكاتب وبينها، بحيث يخاطبها لتستمتع ـ بدلا عنه ـ بجسدها، حتى أنها وأنه يسعدان بهذه الحركات والمشاهدات، فهل هذا الفعل/ الحديث حقيقي أم افتراضي؟ أم أنه أراد أن يؤكد أن المشاهد الجنسية في الكتاب ما هي إلا تخيلات، لكن لها جذور حقيقية عل أرض الواقع؟

يقدمنا الكاتب أكثر من حقيقة ما يحدث في كتاب “نسوة في المدينة: “كنت أنوي أن تكون علاقتي بها حقيقة تعطيني على الحقيقة ما تريد أن تعطيني إياه افتراضيا، أبلغها بعدم رغبتي تلك التي أشعر فيها أننا مراهقون وجبناء وسنكون منحرفين لو مارسنا تلك الأفعال إلكترونيا، فأخذت أهيئها لتكون في الواقع لي أنثى الرغبة الجارفة” ص102، هذا التوضيح لحالة غير موضحة، فالكاتب يريدنا أن نبقى كأصحاب (الأعراف)؛ لا نحن في الحقيقة ولا في لخيال، بل يريدنا أن نبقى مستمتعين بما نقرأ من أحداث ومشاهد.

كيف تكون المرأة الشبقة؟ وكيف يمكنها أن تكون؟: “هي امرأة تفور شهوة… وشرعت تحدثني عن اضطرام شهوتها ورغبتها في المداعبة، وتسألني عن ثورة عضوها الأنثوي، فتداعبه بأصابعها حتى تصل إلى تلك الرعشة ليفيض ماؤها بين فخذيها، مع أنها تخاف أن تودي بغشاء البكارة، فأوجهها إلا تدخل أصابعها إلى العمق وتكتفي بمداعبة البظر من الخارج… تأملتها جيدا… وتمنيت مداعبة أعضائها وتحسس صدرها وأطرافها فأستكشفهما من أسفل أسفلها، حتى ما تعالى من صدرها وجيدها الحريري”، “لقد كانت تبحث عن ثلاثة أشخاص: فحل للفراش، وشاعر فحل للقصيدة، وبنك متحرك ليلبي احتياجات الفحلين السابقين” ص103. بالتأكيد نحن أمام امرأة استثنائية، امرأة تتجاوز النساء العاديات، فهل فعلا هناك نساء بهذه الصفات والقدرات؟ أم أنها امرأة (افتراضية)؟

هناك علاقة بين المشاهدة، والجمال والرائحة، والفعل، فالباعث لكل هذا هو “عطرها” بحيث أخرج الكتاب من منطقة المحظور، وتقدم نحو المحرم والممنوع بكل هذا العنفوان وهذا السفور، فهل أرادنا الكاتب التوقف عند ذلك العضو؟ أم أن له أهدافا أخرى؟

العلاقة التي تحدث بين الكاتب ونسائه، ليست علاقة عادية، بل علاقة متطرفة، استثنائية، خاصة، مميزة، هذا ما وجدناه في “امرأة الليلة الواحدة”: “هي ليلة واحدة، خذ فيها ما تشاء وكن فيها ما تشاء، سأغيب بعدها ولن تظفر بي، فلا تحاول الاقتراب مني، فلو وقعت ثانية بين يدي لن أرحمك… ها هي غائبة الآن، وقد تركت شراشف الليل غرقى بالندى والعرق والماء” ص113، حدث فريد، أن تكون مرأة لمرة/ لليلة واحدة فقط، فهل هناك امرأة بهذا الشكل؟ وهل نجد من تعطي ذاتها بهذه الطريقة؟

وهناك امرأة أخرى مميزة تناولها الكاتب، وكانت: “في كل مرة كنا نمارس فيها الحب كانت تبكي من شدة الوجع اللذيذ بين فخذيها” ص129.

في نهاية الكتاب نجد مجموعة من الومضات، تعبر عن خلاصة فكرة المرأة، وعن علاقتها بالرجل، ونجد في هذه الومضات حاجتها للحبيب، وأيضا نجد حالة التوحد التي تريدها وتسعى إليها، وبما أن هذه الومضات جاءت على لسان المرأة، وبلغ عددها مائة وثماني، يجعلنا نشعر وكأن الكاتب أراد أن يختم كتابه بصوتها، محاولا (تبرير) ما جاء على لسانها من كلام صريح، وبهذا يكتمل مشهد هؤلاء النسوة وما صنعنه في حياة الكاتب، وكان حضورهن سببا شرعيا/ منطقيا لولادة هذا الكتاب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق