قراءات ودراسات

“شهادة المحارب”

(جنس أدبي صنعته التجربة الحربية وحدها)

بقلم: السيد نجم

خلصت الدراسات القانونية والسياسية والاجتماعية وحتى السيكولوجية إلى عدد من المفاهيم والتعريفات للحرب كمصطلح, تلك “الحرب” التي هي، ذروة التعبير عن الصراع بين البشر على الأرض. منذ معركة هابيل وقابيل (أولى المعارك التي عرفتها البشرية) والصراع قائم. أما أسرار ذاك الصراع, فهي عميقة وأزلية ومتعددة, إنها الحقيقة.. ومنذ تلك الأيام البعيدة، والإنسان يسعى لتسجيل صور وحالات صراعاته حتى قبل أن يعرف الكلمة المكتوبة والى أن عرف الورق وشرائح الكمبيوتر!

انتهت تلك الدراسات إلى عدد من التعريفات لمصطلح “الحرب”:

الحرب هي: “قانون أثبتت الأحداث التاريخية على أنها أزلية, والمعبرة عن الصراع بين البشر, وان الصراع وحده لا يكفى, لأن الحرب تتبع فكرة وارادة الحرب”.. “البديل عن عدم وجود تشريع قانوني قوى وقادر على حل المنازعات بين الجماعات والدول.. أي أن الحرب بسبب التسيب القانوني. كما يمكن القول بأن الحرب مسعى لفرض قوانين بعض الجماعات أو الدول على الجماعات أو الدول الأخرى لفرض قوانين جديدة.”.. “العقد العنيف (غير المبرم) لتحويل بعض البلدان إلى سوق تجارية لبلدان أخرى.. لأنها أغنى منها وأقوى. وأيضا لجعلها مصدرا للمواد الخام اللازم لها. (وهو التعريف الذي يفسر أغلب الحروب في بدايات عصر النهضة).. “النزوع إلى العنف السيكولوجي, فمن الممكن أن تتصف بعض البلدان والأمم بالعنف كما في الأفراد.”.. “صوت مرتفع لفض النزاعات بالقوة في مقابل صوت الحكمة والعقل.”

التعريف القانون الدولي للحرب:

“هي حالة عداء تنشأ بين دولتين أو أكثر, وتنتهي حالة السلام بينهما, وتستخدم فيها القوات المسلحة في نضال مسلح, تحاول فيه كل دولة إحراز النصر على الدولة الأخرى, ومن ثم فرض إرادتها عليها, وإملاء شروطها المختلفة من أجل السلام”.

*أما الإسلام فقد استخدم مصطلحا آخر هو “الجهاد” بدلا عن “الحرب”, وجعله فريضة على المكلف.. فرض كفاية (من يقوم بها يكفى عن الأمة كلها). “الجهاد” من الجهد والمشقة في مقاتلة الأعداء. إلا أن الإسلام وضع ضوابطه وحدوده في مجال الجهاد.. كأن جعل الجهاد في مجالين لا ثالث لهما:

المجال الأول.. وضحته الآية: “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم. ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين” سورة البقرة آية110

انه مجال الفرد والوطن للدفاع عن النفس والعرض والشرف والمال.

أما المجال الثاني.. وضحته الآية: “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم, ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين..” سورة البقرة آية 190

إذن لم يأذن الإسلام بالجهاد إلا دفعا للعدوان وحماية للدعوة الإسلامية. ومع ذلك فقد حدد الإسلام القواعد المنظمة للجهاد, وهى في مجملها: قتال الذين يبدأون بالعدوان والمعتدين.. لا يجوز مقاتلة من لا يبدأون بالعدوان, لأن الله تعالى حرم الظلم.. في الجهاد حرب مشروعة وغاية تنتهي إليها.. أثناء المقاتلة, إن جنحوا للسلم، على المسلم أن يجنح لها, مع عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ المقعدين والرهبان.. الإكراه ليس وسيلة للدعوة في الدخول إلى الدين. كما أن الإسلام وضع للجهاد شروطه التي يجب على المسلم المجاهد أن يتسلح بها وهى: الإيمان الكامل في قلب المسلم المجاهد.. إعداد العدة الواجبة والاستعداد المناسب للجهاد.. أخذ باب الحذر عند ملاقاة العدو ثم الثبات عند بدأ المعركة.

وهو ما عبرت عنه الكثير من الآيات القرآنية ومنها: “وجاهدوا في الله حق جهاده” سورة الحج, آية 78…   “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل, ترهبون به عدو الله وعدوكم” سورة الأنفال آية60… “يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا”  سورة النساء آية 71

*إن “التجربة الحربية” جد معقدة, فهي منبه غير تقليدي.. لا هي أحادية ولا هي بسيطة, كما أنها لا تكتسب دلالتها إلا بوجود دوافع داخلية.. مثل دوافع القيم العامة للمجتمعات, ودوافع الانضباط والخضوع لأوامر الجماعة. عادة درجة استجابة المرء, إما مباشرة أو غير مباشرة  لحدوث اللذة أو الألم, فتكون جملة الانفعالات التي يعانيها المرء هي التي ستحدد اتجاهاته وسلوكه. وقد يلجأ إلى “الخيال”, تلك القوة السحرية القادرة على إنجاز الفن أو الأدب بأشكاله المختلفة. وتتعدد الأقوال ووجهات النظر فى “التجربة الحربية”.. قيل فيها:

:قال الناقد الإنجليزي “ستيفن سبندر”: “لا شك أن الألم والشر ليسا من الأمور الجديدة, وان كانا يزيدان وضوحا في أثناء الحرب, وربما زاد الألم في الحرب الحديثة”

..إن خصوصية أدب الحرب ترجع إلى أنه أدب التعبير عن الأضداد: الموت مقابل الحياة, رهافة المشاعر مقابل شراسة وفظاظة المقاتلة, انه أدب اشتهاء الحياة حتى قال “هيمنجواى” عن تلك التجربة: “إن حياة المحارب مصارعة من اجل الأمعاء المفتوحة”

:قال “مارتن فان كريفلد”.. “الحرب هي الشيء الوحيد الذي يتيح ويقتضي في نفس الوقت إظهار كل ملكات الإنسان وتوظيفها”

:قال “فوكوياما”.. “أن انتصار الليبرالية الديمقراطية الغربية لا يدعو للابتهاج.. لأن الزمن المقبل يدعو للملل وهو زمن حزين, لأن “الصراع” من أجل إثبات الذات واستعداد المرء للمخاطرة بحياته من أجل هدف مجرد, والصراع الأيديولوجي العالمي يدعو إلى الجسارة كالإقدام, ويثير الخيال والمثالية …”

:قالت باحثة أمريكية في شئون الحرب.. “الحرب لا تبدأ مع إعلان اندلاعها, وأنها تنتهي عند وقف إطلاق النار.. إذا ما عرفنا أننا في وضع حرب عرفنا أنه مسموح لنا بالقتل والنهب والاغتصاب… أن دخول المرء المعركة وهو على قناعة برفض الحرب سوف يكشف زيف مبرراتها وفشلها… ومع ذلك تجديد معنى “المشاركة” في المعارك على الرغم من رفضها”

:قال “هيجل”.. “تعتبر الرواية مجالا ملائما لوصف الصراع بين شاعرية القلب ونثرية العلاقات الاجتماعية معلنا في الآن نفسه, وظيفتها الاجتماعية.”

:قال “باختين”.. “جنس الرواية يتلازم مع التعددمواقع اجتماعية تقتضي تعدد وجهات النظر من مواقع اجتماعية مختلفة وهو لا يتم إلا في مناخ قسوة الحرية”

:قال “فتحي غانم”.. “التجربة الحربية توازى الأحداث في الرواية الجيدة”

:قال “السيد نجم”..  “التجربة الحربية تعبر عن المفارقة في الحياة, فالنفس البشرية جبلت على حب الحياة، لكن الناس تريد بطلا!”

*ما سبق لا يعنى أن “أدب الحرب” في جوهره وسيلة للخلاص الفردي, ولكن يعنى قدرة “الصفوة” من الذين خاضوا التجربة (الحربية), وقد امتلكوا الخيال والقدرة على التعبير (بأي وسيلة كانت) يحفظون لنا خصوصية تلك التجربة بكل طزاجتها وخصوصيتها.. بحيث تصبح دوما نبراسا هاديا للعامة والخاصة.

يأتي “أدب الحرب” في النهاية للتعبير عن هول التجربة ذاتها: يكفى القول بأن النفس البشرية جبلت على حب الحياة, بينما يخوض الفرد/الأفراد التجربة الحربية مدفوعا بأمر الجماعة (المجتمع) وبناء على رغبتهم, وقد يباركون موته. فالتجربة الحربية ليست ذاتية بالكامل, وتحمل بين طياتها التناقض, فالمقاتل يسعى لإثبات الوجود وتحقيق الأهداف السامية, بينما الواقع المعاش فظ وقاس. لكل ما سبق نحن في حاجة إلى رصد التجربة الحربية وتأملها.

فالصراع باق.. والأفراد الموهوبون لتسجيل التجربة (المبدعون) فرصتنا كي تقف مؤشرات الزمن عند تلك اللحظات أو الأزمنة الخاصة لتصبح عونا ودعما. فضلا عن أهمية تلك الأعمال في تغطية الجانب النفسي والتربوي الضروري للأجيال الجديدة، حتى تصمد أمام تحدياتها الآتية يوما ما.

إن “أدب التجربة الحربية” الحقيقي (الجيد) هو أدب إنساني, يرفع من قيمته وشأنه, ويزكى القيم العليا في النفوس.. انه “أدب الدفاع عن الحياة”. والمتأمل قد يجد أن أجود الأعمال الحربية (الإبداعية) هي التي دافعت عن الحياة, ولم تزكى القتل من أجل القتل.

*نعرض هنا إلى جنس (شهادة المحارب بالشعر والنثر), معتمدا على أن هذا “الفورم” أو الشكل قد يبدو أنه لم يكتب إلا بتأثير “التجربة الحربية”، وهو لون له ملامحه الخاصة، تلك التي تتسم بالتوهج والصدق والبساطة والقدرة على النفاذ إلى أغوار الكاتب والمتلقي معا. فهو مزيج بين فن السيرة والشعر. وعلى الأقل في العربية هناك ثلاثة نماذج (شهادات) تحمل نفس الخصائص والملامح، على الرغم من اختلاف ثلاثتهم ولا يوحد بينهم سوى “التجربة الحربية”. جمع بينها جميعا قدر وافر من الوضوح والمكاشفة والشفافية والصدق.. فيبدو السرد الحكائى سلسا, معتمدا على عنصرين: المفردات المباشرة (غير المعجمية أو المهجورة) الدالة والتي قد تكون أكثر حدة إلى حد الالتهاب والألم أو الشجن المتألم. أما العنصر الثاني فهو اعتماد المحارب/ المبدع/الشاعر، على “الحدث/الأحداث” المثيرة, والتي هي كذلك نظرا لإثارة التجربة ووقائعها. فالتجربة الحربية بما تتضمنه من أحداث غير تقليدية, تعد أكثر إثارة من كل المثيرات التقليدية في فن القص, حتى القص البوليسي منها.. وان اشتركوا جميعا في النزوع إلى نقد الذات.

كما تتسم بوفرة الكلمات الوصفية والمتصلة بخصوصية مفردات “أدوات-أسلحة- وسائل معيشة – حتى الملابس للجندي لها أسماءها الخاصة….” فضلا عن خصوصية أسماء الأمكنة ودلالتها. (نعرض لثلاثة شهادات بترتيب النشر)

*أولا: شهادة الشاعر “أحمد الحوتى” “نقش على بردية العبور” مع عنوان جانبي “شهادة من زمن الحرب”. هل لنا أن نقول أن “الحوتى” هو أول من انتبه إلى تلك التجربة، أعنى شكل مزج النثري بالشعري فى متوالية.. تعتمد على الزمن المستقيم، والنمو العاطفي للحالة الشعورية، ودون أن يدرى بات “الحوتي” رائدا لشكل لا يوجد إلا فى التعبير عن التجربة الحربية.

ربما نجد مبررا فنيا لهذا الطرح الجدد، من أقواله، وهو ما عبر عنه بقوله في مقدمته:

“كنت شاعراً تخذله العبارة ويضيق بالرمز، فضاعت منى التفاصيل النادرة الثمينة في ثنايا القصائد، كما اندمجت حياة بكل حيويتها الواقعية في جملة أو سطر شعري وأحيانا في تفعيلة أو تفعيلتين. والأدهى من ذلك أن التجربة جفت كعين شح ماؤها وتوقف الشعر بتوقف زمن الفعل، وحاولت وفشلت ولم يكن هناك غير تلك القصائد الخمس التي فرضتها التجربة وفجرتها تفجيراً أثناء القتال وأثناء الحصار، مع قوات الجيش الثالث الميداني شرق القناة. وبرغم التفاصيل النثرية المتراكمة تراكم الرمال بداخلي حتى الآن، والساخنة في بعضها مناطقها الحارة، إلا أنني لا أدرى بالضبط سبباً معقولاً لتوقف الشعر أو عجزه في تحويلها إلى كيان شعري.. سوى أنني شاعر والتجربة التي أمتلئ بها، بتفاصيلها، تحتاج إلى ذلك النوع من الأدباء ذوى البال الطويل والذاكرة الباردة الواعية والقدرة على التقصي والسرد بأعصاب هادئة إنهم هؤلاء الروائيون العظام الذين يتحملون الانفعال ويدخلون أشد المناطق سخونة مسلحين ببرود الجراحين المهرة…”، “إن استلهام هذه التجارب من جانب الأدباء لم تكن عملية سهلة وبسيطة أو محكومة بقوانين الإبداع العادية”.

يصف الشاعر محاولته الوليدة، دون تحليلها، وهو غير المطلوب من المبدع، يكفيه ويكفينا صدق التجربة. لكنه يكشف بتلك الجمل الكثير عن جوهر ومبرر كتابة تلك الدراسة.. حيث البحث في معطيات التجربة الحربية للإبداع والمبدع.

أما المبدع فهو “شاعر”، وأما زمن التجربة فهو ملاحقة لزمن الكتابة (غالبا). والنموذج/ النماذج تعبر عن تلك التجربة التي تشكلت متماثلة بين ثلاثة شعراء، وان لم يتقابلوا معا أو يتفقوا، إلا أن وهج التجربة الحربية، هو الذي أفرز الشكل بكل خصائصه.. جزء شعري، ثم جزء نثرى. حيث لا تسعف الشاعر أبياته الشعرية، ولا يكفى سرده النثري إعطاء وهج التجربة حقها!

كتب الشاعر “الحوتى” فى عمله خمس قصائده، تبدو منفصلة، ممزقة بطرح سردي، يتسم بالتأمل والبوح وحديث الذات. ضفر تلك القصائد ونسجها معا بين ثنايا طرحه النثري، الذي تضمن بعض الأحداث/ الآراء/ الحالات التي حرص على تضمينها في عمله. وكأنه يسعى لاهثا لأن يقبض على وهج لحظة أو حالة يندر أن تتكرر فى حياة شاعر.. ألا وهى معايشة التجربة الحربية. وان بدت عند الشاعر تجربة متكاملة المحتوى، بمعنى اكتمال الأحداث والأحوال: من هالة الترقب واللهفة والقلق من جراء الهزيمة العسكرية إلى حالة الانجاز والتحقق والانتصار. (وهو ما لا نلحظه فى التجربتين التاليتين).. إما بسبب عدم اكتمال التجربة (تجربة الانتفاضة مع أحمد يعقوب) أو بسبب الطرح الزمني الواسع الذي اختاره والبعد الزمني الطويل (الذي اختاره محمود عبدالحفيظ).

لبيان خصوصية تفاعل التجربة بكل معطياتها، نتوقف أمام تلك الأبيات فى بداية النقش على بردية العبور:

“يا وجه من احببت

شوطا في الخنادق

تارة.. فوق المعابر، والرياح.

لو كان حبيبى معصية

ما كنت أدمنت السياحة

بين قلبي والجراح

فتغيري.. يا شارة الوجه القديم

كوني.. لنا

فراشة..

…   “

للوهلة الأولى تتقاطع القصيدة مع خصوصية الزمان والمكان والتجربة: ها هي ذي كلمات “الخنادق/ المعابر / الجراح/.. بها يرسم صورته الشعرية، وبها يكتب قصيدته. حيث الجندي الموجوع بلحظات ألم من يرى الأعداء رؤية العين، ولا حيلة أمامه يملكها، ليس أمامه سوى البقاء فى الخندق، والسياحة بين القلب والجراح، سوى اجترار الأحزان.

فلما هانت لحظات انفراجة واعتلى المعابر وامتطى الرياح، كانت آثار أقدامه على رمال سيناء ترقص، مثلما يرقص قلبه، كما رقصت طلقات الرصاص، وكانت قصيدة أخرى.

في قصيدة “الرقص على طلقات الرصاص” يصف الشوق إلى سيناء والرمال والرصاص..

“وجئتك سيناء قلبي شطيه

وعيناي مفتونة بالقتال

وأنشودة للرمال الحبالى

تسابق خطوي

فتعدو الرمال

فماذا بعينيك غير الرصاص

ولون الوجوه التي لخصت عمرها

واستراحت .. وألقت

إلى الرمل سر التواصل والذكريات”

هكذا يسرع الشاعر مهرولا، يغنى لعروسه التي خلصها بالرصاص، والتي دفع مهرها وجوه لخصت عمرها واستراحت من أجلها.

أما وقد تم العبور، أصبحت الحبيبة (أرض سيناء) عروس الجنود، تزف لكل الجنود، وكما تزف العروس فى الريف المصري (غالبا) أثناء فترات الحصاد والمواسم، زفت أرض سيناء لجنودها فى موسم العبور وعيد حصاده…

“أحاور الوطن

وخرائط الوجه المقدس

والمواسم كلها

والعرس لي

أحاور الوطن”

حان إذن وقت التأمل، والتذكر والمناجاة.. هكذا عبر الشاعر بعد استقر له المقام في حال الاقتراب من هذه المحبوبة، التي طالما تغنى باسمها، والتي أصبحت الآن واقعاً ملموساً يناجى ما اعتمل داخله وهو يطالع وجهها.

“يا وجه من أحببت شوطاً في الخنادق

تارة

فوق المعابر

والرياح

لو كان حبي معصية

ما كنت أدمنت السباحة

بين قلبي والجراح”

*ثانيا: شهادة الشاعر “أحمد يعقوب” في كتابه “البالوع” حول أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987م.
“إلى “نمر””: والذي على قيد الحياة أو طفلي الذي اختطفت حياته أو أي طفل تسميه الأم الفلسطينية ” نمر” كي يتفادى موت أطفال آخرين”..إنه “الإهداء” في مقدمة الكتاب, وعتبة لنصوص.. فكان معبرا, وأصبح الولوج إلى العمل الفني على غير ضرورة للشرح أو التفسير.. فهمنا إذن أن الطفل/ أي طفل بات من شهداء الانتفاضة.
إذا كانت “البالوع” هي اسم شعبي يطلقه سكان “البيرة” على المدخل الشمالي للمدينة, فهي اسم العمل كله حيث تدور الأحداث (وقائع الانتفاضة). ينقسم العمل إلى شرائح, كما ينقسم إلى نثر سارد لحدث أو واقعة.. ومقطوعة شعرية قابضة على اللحظة.

بداية من “في الطريق إلى البالوع” حتى النداء باسم أحد الأبطال “يا أحمد العربي”.. في إطار قصصي نثرى, وقصائد نثرية, خواطر, أغنيات, رؤى وتأملات, وجزء من مقال.

“صباحات لم يغنها الملك داود”.. عنوان النص الأول, تجربة فلسطيني أمام إحدى الحواجز وما أكثرها (حوالي 7000 حاجز), إنه أمام حاجز “ايرز”, وقد خرج من أجل الشعر لحضور إحدى الندوات. كان ذلك في اليوم الرابع للانتفاضة. تملؤه الكآبة, ولما لا؟! ازدحام وسوء معاملة وطقس غير موات.. بينما أعلن “شارون” آمر الوحدة 101, شبيه الماموث, صانع المذابح: “لن يستخدم إسرائيلي تصريحا للتحرك على الأرض الفلسطينية”.. فتذكر ما قاله أدونيس”..”نحن لا نحيا/ نحن نحيا موتا يوميا أخرس”
تذكر الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم, والسينمائي العراقي “عدي رشيد” وزملاء جنوب أفريقيا في الدراسة بأسبانيا وأحوال التفرقة العنصرية, وحتى نساء ألمانيا في سجون النازي, وتذكر كثيرا

, حتى تذكر الطفل الشهيد “محمد الدرة”.. فقرر ألا ينجب طفلا.
إحداهن من الإثيوبيات (زميلة دراسة) قالت أن الإمبراطور هيلاسيلاسى من سلالة أسد يهوذا.
وتتداخل المقولات والحكايات والأشعار.. حتى خرج من الحاجز.. فتذكر “بيجين” عام 1982م عندما اقتحم المنطقة التي يراها تعيش نشوة بدايات الانتفاضة..

..”الحب في زمن الانتفاضة” .. “هي الأم أو هي الوطن: يقول كل صباح
ماذا أرسل لك؟
ريحا تخترق الأسوار والجدران والحواجز عليها
تداعب شعرك!
وتضع أريج الصباح همسا وتقول:
صباح الخير يا شفيقى الخضراء!!
ثم يختم قائلا:           “أحبك والوطن شاهدي الوحيد
أحبك والمنفى جمر رعديد”

..”وقائع الحياة والموت”.. المحتل جعل من وقائع الحياة كما المسرح ..
”                             بم.. بم.. دم
غبار. غبار.. دم
بريق.. بصل.. دم
كاميرات.. إطارات.. دم
ترك.. ترك (صوت الحجر(

..”البالوع أيضا”.. فكان تصوير مشهد مطاردة الجنود الإسرائيليين للأطفال الفلسطينيين, فيتذكر الراوي أو السارد مشاهد من فيلم “غاندي” وقد تحررت الهند من بعده.
“جريدة القبس” في 21-11-2000: “أي قوة في العالم لن تستأصلنا من هذه الأرض, ولن تفرض علينا حلولا لا تناسبنا”
وقالت الصحيفة أيضا: “الجزائر أرض فرنسية” ثم كان المشهد.. بأنفة الجنرال المهزوم أخرج النازي قلمه وسأل الجنرالات المنتشين: أين أوقع؟ قال أحدهم: اقرأ صكوك الاستسلام أولا.. فقال: لماذا؟ لقد انهزمت المانيا؟!

..”كرنفالات التراب”” :إنه مشهد من مشاهد الانتفاضة حيث القناص يقتل الأطفال بنجاح!
“الرماة فوق تلال “سوردا” (وهي احدي القرى الفلسطينية إلى الشمال من مدينة رام الله), تمكن أحدهم من إيصال قذيفته الغازية إلى جوف “مشط” الجرافة.. وهذه تحسب له كقناص محترف. بينما أجانب من جنسيات أخرى تشارك أطفال الانتفاضة, وحيث الحياة مستحيلة.

“حديث عن الشيخ إمام”..  يتابع السارد مقولات الفنان السوري “سميح شقير”.. ضمن ما قاله عن الشيخ: “متواضعا مثل بحر, أليفا كنخلة, وشفافا كسماء.. لكن: البحر يغرق أشد الغطاسين والنخلة يصعب على أشد المفترسين صعودها.. والسماء تطل على الرعود والبروق وهى تبتسم.”

“نعم.. لا أعرف البالوع ثانية”..  يوما قال وزير الخارجية الأمريكية “فوستر دالاس”: “دعو قضية فلسطين للزمن.. فالكبار سوف يموتون والصغار سوف ينسون.. “لكن ما حدث أن تواجد السارد مع أصدقاء من أسبانيا, وتعرضوا للممنوعات: ممنوع التصوير, ممنوع إعطاء الأسماء الصريحة, ممنوع الوقوف طويلا أمام الجنود الإسرائيليين.. ذلك عند المدخل الشمالي لمدينة البيرة. فيما عرض لحكايات الأطفال الثلاثة.. كلها تؤكد أن من الكبار من مات، لكن الصغار لم تنس!!

ووقفات كثيرة من بعد.. نحن إذن أمام عمل فني.. وليد تجربة حياتية متوهجة للانتفاضة (حيث البداية مع اليوم الرابع لبداياتها), عبر عنها شاعر في نصوص, فقد هوية التصنيف.. لا يهم.. قد نفضل توصيفها بعنوانها “وقائع الموت والحياة”, فنفهم إلى أي حد يمكن أن تتفاعل التجربة المتوهجة مع السارد لتنتج عملا أدبيا.. أيا ما يكون الجنس الأدبي, لتكن “نصوص”
مزيج هي بين القصة القصيرة, الخاطرة, الشعر, والمأثورات، والحكايات.. والنسيج الجامع بينها صنع عالما خاصا.. وهو ما نعنيه بشهادة شعراء التجربة الحربية.

*ثالثا: شهادة الشاعر “محمود عبدالحفيظ”.. بعنوان “الحمد لله”. وهى تتناول التجربة الحربية في أكتوبر1973م.. (ما قبلها وما بعدها، حتى الآن (ربما)!

لعل أكثر ما تتميز به تلك الشهادة، في البناء والتناول، أنها كتبت نثرا (عربية مبسطة) وشعرا عاميا، وتتضمن مقطوعات غنائية, أناشيد غنائية.. في إطار سرد سيرة شخصية للشاعر، منذ طفولته، حتى يوم كتابة الشهادة ونشرها (بعد سنوات طويلة من انتهاء المعارك).

عن طفولته الباكرة يقول: “كان الغنا بيسند ضهورنا في غيطان الأغنيات”.. وفى حصة “الروافع” في المدرسة، سمع الأغنية:

“يا هذه الدنيا أطلى واسمعي

جيش الأعادي جاء يبغى مصرعي

بالحق سوف أرده وبمدفعي

الله اكبر فوق كيد المعتدى”

و”في ديسمبر 1969 التحقت بالقوات المسلحة مجندا… وقال قائد الكتيبة لنا قبل توزيعنا على السرايا: “نحن هنا مادام الكلاب هناك.. وأشار إلى الشرق”

وعن مدفعه قال الشاعر في شهادته:

“آه يا امه، أسميته عنتر، ومنحته مودتي:

“حكيت لها عن فرغلى ومكاوى

والطيارات اللي بترمى بلاوى

بصت في عيني وقالت:

يعنى إيه زعفران؟

وأنا اللي فاكرها هتخاف..

على م الطيران”

وفى موضع آخر: “ومع الرجال هان الصعب والمستحل أسقطنا طائرة سكاى هوك لابدين لها في الموقع التبادلي. وكان يونية70 شهر الغارات المستمرة. وافق عبدالناصر على مبادرة روجرز ثم وقف إطلاق النار”

“كانت أعوام 1971-1972- 1973 تدريبات واستعدادات لكن الاسترخاء خرج من رحم إلا حرب وإلا سلم أصاب الجنود بما سجلته تفصيلا في روايتي الأولى الذي يحكى. وفى روايتي الثانية خليج السلطان

سجلت ما بعد العبور، وكيف قاومنا الثغرة، وفى ديواني من فوق سطح خمسين سنة سجلت الرحلة كلها رحلة الخمسين سنة 1957-2007 ولعلى اختم هذا كله الآن:

“وتحب يا قلبي

وتحل فوق شط الهوى خوفك

وتحب على كيفك

مصري.. ونيلك رغيف

والأنبيا ضيوفك

داير تصحى اللي نايم هدمتك هلاهيل

تملكشى إلا الرضا..

والصبر والمواويل

والأغنية سيفك

والدق على كل باب نبت ورود العشق في كفوفك”

ويختم قائلا:

“.. فالحمد لله.. الحمد لله.. لنا التاريخ، ولهم مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب”، لعل الشاعر يشكو من عدم إمكانية النشر بهيئة الكتاب، ولعله يعنى الإعلام والإعلان لغير من يكتبون التاريخ.

*تعليق عام:

يتميز ذاك العالم (عالم شهادات الشعراء الذين مارسوا وعاشوا التجربة الحربية).. بالحيوية, الرصد التسجيلي الحي المتفاعل, البعد الأيديولوجي غير الزاعق، الرقة الشعرية مع عنفوان التجربة وشراستها..
ثلاث شهادات حول تجربة واحدة: “نقش على بردية العبور / أحمد الحوتي” وعنوان جانبي “شهادة من زمن الحرب والشعر”.. أما الكتاب الآخر “البالوع / أحمد يعقوب” وعنوان جانبي “وقائع الموت والحياة”.. وشهادة / محمود عبدالحفيظ” التي سجلها فى كتاب المؤتمر التاسع لبيت ثقافة “ديرب نجم” الذي عقد تحت عنوان “الأدب المقاوم”.
ثلاث شهادات حول تجربة واحدة, وهى التجربة الحربية. الأولى حول معارك أكتوبر 73 والثانية حول الانتفاضة، والثالثة وان توقفت عند تجربة أكتوبر73 إلا أنها رصدت ما قبلها وما بعدها… كما أنها لثلاثة شعراء، فكان المزج الفني بين الشعري والنثري, السردي والنظمي.
ثلاث شهادات ل “أحمد الحوتى” الذي نشر عمله (أول مرة) فى1974، وأحمد يعقوب فى 1989، و”محمود عبدالحفيظ” نشر شهادته فى2009م!

لكن التجربة الحربية ليست واحدة, وليست أحادية بل معقدة, حتى قال الناقد “باول فسل” عنها: “إنها مشاهد لا توصف”..
إجمالا يمكن الإشارة إلى بعض الملامح والخصائص المشتركة لثلاثتهم:
– السرد التلقائي الصريح وأحيانا المباشر.
– تقترب روح التناول والعاطفة أقرب إلى أدب الاعتراف أحيانا.
– التصوير الحميم والعاطفي.
– النظرة الشمولية للكاتب, دون الاهتمام بالربط بين جزئيات العمل أو شخوصه, اللهم إلا من القضية/ التجربة الجامعة.
– لا تخلو الأعمال من خصوصية “الزمكانية” لموقع الأحداث وزمانها.
– استخدام المفردات والتركيبات القريبة إلى الواقع الحياتي, خصوصا في سرد الوقائع الحية دون إصدار الأحكام.
– غالبا ما يعتمد الكاتب على نمط الزمن الممتد أو المستقيم, إلا أن “البالوع” قدمت صورة أخرى (أكثر تعقيدا).

-يلزم الإشارة إلى أن هذا التناول بهذا الشكل لم يرصد إلا مع التجربة الحربية، أي أنه شكل أدبي أوجده الحرب، ولا يوجد فى غيرها من التجارب.

……………………………

المراجع:

*الكتب..

-نجم، السيد، “المقاومة فى الأدب الفلسطيني.. الانتفاضة نموذجا”، مطبوعات اتحاد الكتاب الفلسطينيين، عام2006م.

-نجم، السيد، “المقاومة والحرب فى الرواية العربية”، دار التحرير- كتاب الجمهورية- عام2005م.

-نجم، السيد، “المقاومة والأدب”، هيئة قصور الثقافة، عام2001م.

-أبوقورة، خليل قطب، “سيكولوجية العدوان”-هيئة قصور الثقافة بالقاهرة-عام 1995م

-ب.ف. سكينر-“تكنولوجيا السلوك الإنساني”- ترجمة “وجيه سمعان”- سلسلة1000كتاب

القاهرة عام 1988م.

-سابق، السيد- “فقه السنة(الجزء الثالث)- دار الريان بالقاهرة- عام 1977م

-فرويد، سيجموند- “ثلاث مقالات فى الجنس”- ترجمة “سامي محمود على”- دار المعارف بالقاهرة- عام 1976م

-نجم، السيد، “أدب المقاومة.. تعريف ومفاهيم”- تحت الطبع.

*النصوص الإبداعية المشار إليها.

الدوريات:

-“مجلة البيان” – ندوة وبحث في العددين 299و305عام 1995م.

-“الثقافة العالمية” – ملف عن “أدب الحرب” –العدد 37 عام1987م.

 

* أديب مصري ونائب رئيس اتحاد كتاب الانترنت العرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق