ثقافة السرد

حزين، وجائع..

طاهر الزهراني

حزين مثل طفل انحل حبل جزمته في يومه الدراسي الأول..
حزين لدرجة أني فكرت في كأس الليموندا المقاوم للحزن الذي أخبرني عنه صديق مغربي، لهذا طلبت كأس ليمون بالنعناع عله يتواءم مع الحالة..
..
في الصباح أذهب بالأطفال إلى المدرسة، أدعهم يفعلون ما يشاؤون في السيارة، حتى لا أفسد عليهم الصباحات، خاصة أنهم في طريقهم للمدرسة.
أحدهم أخذ الجوال من جيبي، ثم دخل على مفضلة اليوتيوب، وقام بتشغيل مقطع لعازف كمان أحبه..
يتأملان في طريقة العازف وحركة جسمه، ذلك التماهي بين الجسد والآلة.
الصغير يسأل:
– ليش يسوي كذا؟
يرد الكبير:
– عشان هو جوعان!
..
يدخل الصغار الساحة، يقفون في الطابور، يمارسون تمارين الصباح، ثم يختمون بالنشيد الوطني، الصغير ينشد ويتمايل! يبدو أنه يحاكي صاحب الكمان، أتساءل: هل هو جائع؟ جائع يردد النشيد الوطني، يحدث في العالم العربي!
..
أتذكر أول يوم لي في المدرسة دفعني أبي داخل الحوش فقام الحارس بغلق الباب دوني ودونه، لا ألوم أبي الآن، أنا أعذره كثيرا، ليس أبي فقط، أصبحت أعذر الجميع، حتى من لا أعرفهم، لدرجة ملفتة أحيانا، لدرجة أني لم أعد أطيق سماع الاعتذارات..
..
في المدرسة ضربنا، ولعنا، وتعاركنا، وفقدنا، شهدت جريمة قتل، وحادثة دهس، وتعرضنا للتنمر، والتحرش، والعذابات، والخوف، يا للطفولة التعسة..
..
في الأسبوع التمهيدي أحاول أن أصنع لأبنائي ابتسامة غير حقيقية كلما نظروا إليّ، فالمدرسة مكان لا أحبه، ولا أكن له أدنى ود، حتى الذكرى الجميلة لا أستطيع استنهاضها فيه، لكن أجأر بالاعتذارات، فأعذر الزمان والمكان، والظروف، أبي، والمعلم، والطلاب، ووزارة المعارف، والحكومة، المهم في هذا الأسبوع أن أبقى مبتسمًا، هذه الابتسامة البلاستيكية من الضروري أن تبقى من أجل أطفالي..
لهذا أنا حزين،
حزين، وجائع..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق