ثقافة السرد

أصابعُ جدّي

علي القاسمي*

​لن أنسى تلك الليلة التي أَسلمَ فيها جدي الروح. كان أَبي وأَعمامي يحيطون بالسرير الذي رقد فيه، وعيونهم شاخصةٌ إليه، والحزن يتسرَّب منها متعثرًا بأهدابها الندية. في حين كانت أُمّي وزوجات أعمامي جالساتٍ واجماتٍ في مؤخَّر الغرفة والدموع تسيل بصمتٍ من عيونهن. أما نحن الأطفال فقد كنا فريسة الحيرة والأسى.
​كان جدي متأكِّدًا من أَنَّه سيفارقنا تلك الليلة. فقد أَدرك ذلك منذ بضعة أشهر، وظلَّ يردِّد تنبؤَه بأنَّه سيموت عندما يعمُّ الشللُ أصابعَ يديه وقدميه جميعها، وأَنَّه سيلفظ أنفاسه الأخيرة حالما تموت الإصبع الأخيرة من أصابعه العشرين، إبهام قدمه اليمنى التي أُصيبت صباح ذلك اليوم.
​وحتّى اللحظة الأخيرة راحتْ شفتا جدي تجاهدان لتلاوة آياتٍ من القرآن الكريم الذي كان يحفظه عن ظهر قلب، منذ أَنْ كان صبيًّا في الكُتّاب. وكانت آخر حركةٍ له قبل أن يغمض عينيه، نظرةً وانيةً إلى كفِّه اليمنى وأُخرى إلى اليسرى. عندها قال معظم أبنائه الواقفين إلى جانبه: “نعم، نعم، الأصابع،” وانبجست الدموع من عيونهم، وعلا عويل النساء، وضج الأطفال بالصراخ.
​كان قد ألمَّ بجَدّي مرضٌ غريب. بدا، أوَّل الأمر، هيّنًا ثمَّ استفحل خطره، وعجزتْ كُلُّ تمائمِ فقيهِ القرية، وخلطاتُ عَشّابِها عن علاجه وشفائه. وحتّى الأدوية التي وصفها له طبيب البلدة المجاورة، فشلتْ في إيقاف سريان ذلكَ الداء الوبيل. كان جدي لاحظ ذات يوم، وقد جاوز التسعين من عمره، أنَّ خنصر يده اليسرى فقدتِ القدرةَ على الحركة، أو بالأَحرى، أنَّه لم يعُدْ قادرًا على تحريكها إنْ أراد ذلك. وقد جزع لذلك جزعًا شديدًا.
​عندما علم أبناؤه بالخبر، أسرعوا إليه من غُرفِهم واحدًا واحدًا، إذ كانوا يعيشون جميعًا في دارٍ واحدة، ويقتسمون أرزاقهم وطعامهم، طبقا للتقاليد القديمة. وأخذوا يهوِّنون عليه قائلين إنَّه عارضٌ طارئٌ، وستعود الخنصر إلى سابق عهدها عمّا قريب. واستغربوا جزعه الشديد، خاصَّةً أَنَّ بقية أعضاء جسده في حالةٍ جيدة، وأَنَّ الخنصر المشلولة لا تسبِّب له أَلَمًا. أضفْ إلى ذلك، أنَّه لا يحتاج إلى تلك الخنصر، ولا يستخدمها في عمل، ولا حتّى في تناول الطعام. فلماذا كلُّ هذا القلق وذلك الجزع؟
​ولكنَّ جدي كان ينظر إلى الأمر بطريقةٍ مختلفة، وكان له اقتناعه الخاصُّ الذي لا يعرف أحدٌ كيف توصَّل إليه، وما مدى صحَّته. كان يعتقد أَنَّ توقُّف الخنصر عن الإحساس والحركة، سيؤدّي حتمًا إلى إصابة البنصر المجاورة بالعارض نفسه، وأَنَّ شلل البنصر سيؤدّي حتمًا إلى شلل الإصبع الوسطى، فالسبابة، فالإبهام. وعندما تفقد جميع أصابع اليد قدرتها على الإحساس والحركة، فإنَّ الذراع برمَّتها ستكون معرضةً للخطر. وسيصيب الداءُ أصابعَ اليد الأُخرى، ثُمَّ أصابع القدميْن واحدةً واحدة. وبعد أَنْ تُصاب الأصابع كلُّها بالشلل، يموت الإنسان. ولكنَّ أبي وأعمامي طمأنوه بأنَّ خنصره ستُشفى قريبًا، وأَنَّه لن يتعرَّض لسوء، فقد توهَّموا أنَّ جدّي سيعيش إلى الأبد، لطول ما ألِفوه صحيح البدن مُعافى.
​لم يعرف أحدٌ من أعمامي من أين أتى جدّي بتلك النظريَّةِ الطبيَّةِ التي لا يوجد دليل على صحتها، ولا سابقةٌ سريريَّةٌ ترجِّح احتمال وقوعها. لم يسمعوا قطّ بإنسانٍ مات بتلك الطريقة من قبل. بل على العكس، فقد سمعنا جميعًا بأشخاصٍ فقدوا أصابعهم، أو ولدوا بدونها، وهم على قَيد الحياة. وقد رأينا بعض هؤلاء الأشخاص. ولكنَّ أَيًّا من أعمامي لم يتمكَّن من إقناع جدّي بخطأِ نظريته؛ إذ كان كثيرًا ما يتمسّك برأيه، ويدافع عنه بصلابةٍ تصل أحيانًا درجة العِناد، مُدعِّمًا وجهة نظره بحُججٍ واستشهاداتٍ مستمدَّةٍ من الأمثال والأشعار والأقوال المأثورة وكلِّ شيءٍ في مخزون ذاكرته الضاربة جذورها في أعماق الزمن. ولهذا، كفّوا عن مناقشة الموضوع معه، آملين أنَّ الأيام ستثبت عكس ما يتوهَّم. وأكثروا من مصاحبته في النزهات القصيرة التي كان يقوم بها عصرَ كلِّ يومٍ على شاطئ النهر.
​غير أنَّ الرياح جرت بما لا تشتهي السفن. فبعد مضيِّ أُسبوعيْن فقط على إصابة خنصر يده اليسرى، استيقظ ذات يوم وهو يردَّد أنَّ البنصر التي بجانبها قد توقَّفت عن الحركة. وهذا ما أكَّد له نظريَّته، وجعل أبي وأعمامي في حيرةٍ من أمرهم، ولم يجدوا ما يقولون.
​العجيب في الأمر أنَّ جدّي كان يولي أَهمية قصوى لأصابع اليديْن والقدميْن، أكثر من أيِّ عضوٍ آخر من أعضاء الجسد. فالأصابع، في رأيه، هي عنوان الصحَّة والعافية، لأنَّ نبضها يتَّصل مباشرةً بالقلب، وعصبها يمتدُّ رأسا إلى الدماغ: ” ألا ترون أنَّ الطبيب يجسُّ الرسغ، قاعدة الكفِّ التي تحمل الأصابع؟”. وجمال المرأة، في نظره، يكمن في شكلِ أصابعها، وتناسقها، ونعومتها، ونظافة أظافرها. ويؤكِّد ذلك قائلاً: ” حتّى الأعمى يستطيع التعرُّف على المرأة الجميلة من مجرَّد مصافحتها.”
​وعندما كان جدّي يُعرِب لأبنائه عن حبِّه لهم لا يقول :”أنتم بمعزَّة العينيْن.” كما يقول الناس في قريتنا عادة، وإنّما يقول لهم:” أَنتم عندي أغلى من أصابعي.” ثم يذكر قول الأعرابية التي سُئلت عن أيِّ أولادها أحبُّ إلى نفسِها فأجابت:” صغيرهم حتّى يكبر، ومريضهم حتّى يُشفى، وغائبهم حتّى يعود.” ثمَّ يُضيف قائلاً: ” وفيما عدا ذلك، فأنتم عندي متساوون في المحبَّة مثل أصابعي، لا فرق بين إصبعٍ وأُخرى.”
​كنا ـ نحن الأطفال من أحفاده ـ نحسُّ بحرارةِ حنانه أكثر، عندما يضع يده على رؤوسنا، ويأخذ في تمسيد شعرنا بأصابعه، أو يمرِّر أصابعه برفقٍ على وجناتنا. كان ذلك، بالنسبةِ إلينا، علامةً لا تُخطئ على الحنان والرضا، أكثر من قُبلةٍ يطبعها على الخدِّ، أو ضمةٍ إلى الصدر. وعندما يداعبنا أو يلعب معنا لعبة (قراءة الكفِّ) التي يسميّها هو (قراءة الأصابع)، كان يمسك بأصابعِ إحدى اليديْن، ويطيل النظر لا إلى باطن الكفِّ، وإنَّما إلى خطوط الأصابع الداخلية. فأنتَ ستعيش طويلاً، عندما تكون خطوط أصابعك متباعدة. وستتمتَّع بصحَّةٍ جيدةٍ، عندما تكون في قاعدة كلِّ إصبع خطوطٌ صغيرةٌ متشابكة. أمَّا وضوح خطوط أصابعكَ، فيدلُّ على السعادة التي تنالها، بشرط أنْ تذاكر دروسكَ جيِّدًا، وتطيع والديك.
​ما زلتُ أذكر تلك المرَّة التي لعبنا مع جدي لعبة الألغاز والأحاجي. كنا نطرح عليه بعض الألغاز التي التقطناها في المدرسة من الأطفال الآخرين، فكان يعجز أو يتظاهر بالعجز عن حلِّها، فتجيش صدورنا بالفرح والغرور، ونتسابق لإعطاء الإجابة الصحيحة بأصواتٍ مرتفعة. وعندما جاء دوره لطرح لُغز علينا، سألَنا ببساطة: ” ما الفرق بين الإنسان والحيوان؟” أجبنا بكلِّ ثقة: “اللغة”، لأنَّ معلمنا حفّظنا التعريف القائل “الإنسانُ حيوانٌ ناطقٌ”. فلمْ تَبدُ علامات الإعجاب أو الرضا على وجهِ جدّي، وقال: ” وللحيوانِ لغته الخاصَّة، وإلا فماذا تسمّون زقزقة العصافير، وعواء الكلب، ونهيق الحمار، وصهيل الفرس؟”. فكّرنا قليلاً ثم قال بعضنا: ” التفكير. الحيوان لا يفكِّر.” وردَّد بعضنا الآخر: “أجل، الفرق بين الحيوان والإنسان هو التفكير.”. ابتسم جدّي ابتسامةَ المنتصر وتواضع العارف، وقال: ” وكيف تفسّرون مكر الثعلب وحِيَله، إذن؟” وعندما عجزنا عن الإتيان بجوابٍ قد يرضيه، اتجهتْ أبصارنا إليه متلهفةً للجواب، فقال بنغمةِ الواثق من معرفته: ” إنَّ الفرق بين الإنسان والحيوان، يا أعزائي، يكمن في الأصابع. فقد أصبح الإنسان إنسانًا، عندما أخذ يتحكّم في تحريك أصابعه واستخدامها في قطفِ الثمار من أشجارِ الغابة، ومسكِ الأحجار لإشعال النار وصنع الأواني والأدوات. إنَّنا نعمل بأصابعنا والحيوان لا يعمل…”. وأطرق قليلاً ثم رفع رأسه ونظر إلى وجوهنا وأضاف قائلاً: ” إن الأصابع لا تميز الإنسان عن الحيوان فحسب، وإنما تميِّز الإنسان عن الإنسان كذلك. ألا ترون أنَّ الشرطة تستدل على المجرم بعينه من بصماتِ أصابعه؟”
​كان جدّي يعتقد بإخلاص أنَّ الأصابع أهمَّ بكثيرٍ من أيِّ عضو من أعضاء الجسد. كان يدهشنا حين يقول: “الأصابع أهمُّ من اللسان والعين، مثلاً. فالأخرس يستطيع أن يعبِّر عن معانيه بأصابعه بلغةِ الإشارات، والأعمى يستطيعُ أن يتعرّف على الأشياء عن طريق لمسها بأصابعه كذلك. ولكنَّ اللسان والعين لا تعوضان الأصابع، ولا تقدران على تأدية وظائفها.” فكنا لا نحار جوابا، وإنْ كان بعضنا لم يقتنع تمامًا بما قاله.
​لا أدري كيف كان جدي يستطيع إقحام الأصابع في أيِّ موضوع نناقشه. فإذا تحدَّثنا، مثلاً، عن الموسيقى والرقص، لم تَفُتْه الإشارة إلى أنَّ الأصابع هي الأساس فيهما، فأنتَ لا تتمكن من العزف على البيان أو العود أو الطبل بدون أصابعك. وحتّى الناي الذي ننفخه بالفم، يبقى مجرَّد صوتٍ أجش ما لم تُشكّله حركةُ الأصابع على الفتحات، فتجعل منه نغمًا شجيًّا. أمّا أفضل الراقصات، في نظره، فهي تلك التي ترقص بأصابع يديها، وتدبك بأصابع قدميها.
​باختصار، كان جدّي يؤمن بأنَّ قوَّة الإنسان وصحَّته وإنسانيَّته تتجلّى في أصابعه، بشرط أن تكون الأصابع مجتمعةً متراصةً. فإذا تفرَّقتْ، فقدتْ قوَّتها وصلابتها. بل أكثر من ذلك، كان يعتقد أنَّ الأمراض تتسرَّب إلى الجسم من الأصابع، وعلى وجه الدقة من نهاياتها، خاصَّةً إذا كانت منفرجة. ولهذا كان يحرص على أن تكونَ أصابع يديهِ متلاصقةً دائمًا، حتى إن لم تكُن ثمّة حاجة لذلك.
​ولا شكَّ في أنَّ جدّي لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يتحسَّر على عدم تمكنه من جمع أصابع يديْه المنفرجة، ولهذا أومأَ إليها بعينيْه فقط.

*أديب وباحث أكاديمي عراقي مقيم في المغرب، والقصة من مجموعته القصصية “أوان الرحيل”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق