ثقافة السرد

مشاغبة

رشدي بن صالح سعداوي*

صغيرته مشاغبة إلى حدّ يجعله أحيانا يتساءل من أين تأتي بكلّ هذه الطّاقة. لكنّ مشاغبتها رشيقة و جميلة ترهقه أي نعم و لكنّها في آن واحد تمتّعه.
مشاغباتها هذه الأيّام لغويّة. في بداية العطلة سألته:
-أبي نقول هذا الكرّاس أو نقول هذه الكرّاس؟ بديهيّ أن نقول هذه الكرّاسة فتاء التّأنيث ظاهرة لا تستدعي تفكيرا.
أجابها:
-حسب علمي نقول هذا الكرّاس. و لكن لما السّؤال؟
قالت:
-أنا أيضا، في حصّة العربيّة، قلت هذا الكرّاس و لكنّ معلّمتي أصرّت على أنّ القول الصّحيح هو هذه الكرّاس. لهذا سألتك لأتأكّد.
بحث قليلا في الأمر ثمّ ردّ عليها قائلا:
-انظري يا ابنتي، يبدو أنّك الأصحّ، إذا كان ليس في الاسم علامة تأنيث فنجرّب اسم الإشارة، هذا قلم و هذه سماء. إذا استعصى الأمر فنستعمل وصفه، إن وصفه مذكّر فمذكّر و إن كان مؤنّث فمؤنّث مثل هذا كتاب ثمين و هذه حرباء ملوّنة. أو نستعمل الإخبار عنه، فإن كان خبره مذكّر فهو مثله و إن كان مؤنّث فهو مؤنّث، مثل الكتاب شيّق و الشّمس ساطعة. أو إسناده إلى فعل و هنا أغلب الأفعال المسندة إلى مؤنّث تظهر فيها التاء، مثل أشرقت و تشرق الشّمس.
ثمّ أضاف وهي تنصت و تحرّك رأسها:
-إذا نقول كّراس جميل و الكرّاس ملوّن و تمزّق الكرّاس، فهو مذكّر، هذا الكرّاس.
ابتسمت و ما أضافت شيئا.
مشاغبة هي، صغيرته و لكنّ مشاغباتها تسعده. اليوم وهما يستعدّان لاجتياز الطّريق فاجأته بسؤال فسارع بقول “يا لطيف!”، وسط زحمة السيّارات وسرعة سيرها. سألته:
-أبتي، ماذا يعني إِنْ!
و صمتت لحظة و أضافت مبتسمة:
-عَاشْ؟
-“يا لطيف!” أجابها و أردف بنبرة صارمة:
-انتظري حتّى نعبر الطّريق و سترين!
لمّا أدركا الرّصيف المقابل بأمان استرجع هدوءه و قال:
-حسنا، كما نطقتها مجزّأة فأمرها بسيط، إن عاش-إن بقي حيّا.
ضحكت و قالت:
-و متّصلة! أي إنعاش؟
أجاب
-حسنا، هنا لا بدّ من التّفصيل. أهمّ استعمالات كلمة إنعاش هي في الطّبّ. حيث يكون المريض في منتصف الطّريق بين الحياة و الموت فينعشوه و يساعدوه على العود نحو الحياة.
نظر في وجهها فقرأ فيه أنّها تخفي في تفاصيله أمرا فسارع للقول:
-لا تطلبي منّي أكثر، و بخاصّة لا تسأليني عن العلاقة بين “إن عاش” و”إنعاش”. لأنّنا بذلك سنخوض في السّياسة و الأخلاق.
انفجرت ضاحكة و قالت و هي تتأرجح بيده:
-أرجوك يا أبي هذا ما أريد.
و كرّرتها بإلحاح شديد فما كان منه إلّا أن أجابها:
-طيّب يا ابنتي، أحيانا تغلب الموت رغم مجهودات الإنعاش وذاك قدر. وأحيانا كثيرة تُغَلَّبُ الموت!
و صمت، فقالت بصوت حزين:
-كيف تُغَلّبُ الموت؟.. أبي..
أجاب:
-بسيّارة إسعاف تصل من الغد، بطبيب يصل بعد ساعات لانشغاله في المستشفى الخاصّ، بغلاء دواء أو نقصانه أو انعدامه أو سرقته،بضمير نائم غائب، بهجرة أطبّاء الاختصاص، بوزير شغله سياسة الصّالونات، بدولة يتّمت صغارها… إن عاش!
صمتت فضمّها إليه و أتمّا طريقهما للبيت.

*رشدي بن صالح سعداوي-تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق