ثقافة السرد

“خضراء فاقع لونها تسبي الناظرين”

د. محمد سعيد المخلافي*

سماء متماطرة, توهمت فيها ماتع إخضرار شَّفتّ هيئته فأظهر ماخفى تحته من مباهج رونق يجود بقدر ما تطيق بكل ما لديه.
هكذا مرت بي ظهيرة نهار شتوي مُترف في الذاكرة. توسَّنتُ الشمس فيه وظلت عيون البهاء يقظى تشع حفاوة غلفت القلب بدفء شفوق, خَلْدٌ بالروح وخَلدٌت إليه مستقر شغف متمكن ومستودع وداد سحيق, تعمَّق بعيداً إلى شغاف مهجتي الطفولية فأوجدها إلى لذة إندهاش, وجذل مخيال برئ بإستحواذ الجمال من حيث كان.
تلك مهجتي وماكنت عليه يوماً, وطواها النسيان لتطاول إنقطاع وطول ترحال في متاهات الصور المتحجرة الشنيعة.
وقد عادت في دعة ولطف, ولهى خالصة في تلك الظهيرة.
وطربت لها لشديد حاجة إليها, فقد رغبت أن أرى بعيونها خالصة النقاء, صفاء الروعة وباكورة بزوغها. ” ولهتُ إليها بكل لواعج الحنين،  أضمها وألثم جبينها الصغير الغض آلاف المرات حناناً وصبابة وإمتنان.
فكم كنت محتاجاً إلى تلبسها في تلك الساعة التى طلبت من رفيقي الهادئ السمت القليل الكلام التوقف على جانب الطريق العابر بتلك الربوة البهِيَّة العبقة, والتى في رحابها وجد الطريق المحتشم بعض فسحة إطمئنان بعد طول تعرج وضيق ملائم لقداسة الإخضرار المزخرف.
ترجلت مع تلك الرغبة الجامحة بأن ترى مهجتي الطفولية منبع الملاحة ومنبت الطِيب. وأن تتنسم ذلك العبير البكر الخرافي الوسامة بتك الربوة المنحوتة بتأن وقصد إبهار لتهب البهجة بإسراف مع شدة حرص على عدم البوح بسر تناسقها المتناهي وأناقتها المهذبة.
والذي مهما حاولت أبداً لن تكشفه حتى لو تسمعت مثلي إلى ترنمها الهامس على (النُّوَّار ), تعود ريّان بالهيمان وصدى ترجيع ترنمها العذب الآخاذ يتمايس في روحك بلا توقف. وتعود متحققاً فقط من أن عيونك ليست هي ذاتها ولا وجدانك هو ذاته بعد مرورك بذلك المكان.
أردت سؤال رفيقي إلى أي حد وصل إفتتانه بهذه الجنة. فرأيته وقد طرأت على وجهه تلك الإبتسامة المختزلة لكل معاني السلام, غارقاً في تأمل تلك الأزهار المشكَّلة والمنظمة بتناغم ساحر عجيب.
…صديقي مأخوذ هو الآخر, فلا داعي لتكلف الحديث عن مفاتن نادر الأمكنة, ثم ان للجمال جلال يناسبه الصمت والخشوع.
وبرغبة الإغتراف من هذا الرُواء إلى أقصى ما أحتمل طفت بناظري الأرجاء وساورني بعدها إحساس بالخجل من فرط سخاء تلك الأرض وعظيم ترحيبها, إذ تستقبلك على هذا البساط الأخضر الواسع بلانهاية.
وعلى وقع هذا الإحساس طلبت من صديقي مغادرة المكان, بينما تضطرم روحي إنتشاءاً ورغبة بان أخبر كل الدنيا بان الجزائر روضة مشذبة, نضرة المحيا, عطرة الأنفاس, تسَّور حقولها بالأشجار والأشجار فحسب. لكن حُسنها أكبر من أن تحيط به محساً وإنفعال بعينين أثنتين وبقلب واحد.
وبهذا مضيت قانعاً منشرحاً أتأمل القهوة المُرَّة في موضعها المخصص داخل السيارة, بينما هي تتمايل مغتبطة في منتصف الكوب البلاستيكي الأبيض الشفاف. وقد بدت لي خضراء زلال طول الطريق الممتد الذي عاد إلى الضيق والتعرج وإسترسل محتشماً ًبطبعه وغاب في أعماقي حاملاً كل الأمكنة التى مر بها ولم يغادرني إلى الآن مُستقِراً متأبد المكوث.

*كاتب وأكاديمي/ اليمن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على ““خضراء فاقع لونها تسبي الناظرين””

  1. أشكر القائمين على هذا المنبر الثقافي الأغر. راجيا لهم دوام التقدم والإزدهار.
    كما أود الإشارة هنا مسبوقة بالإعتذار, إلى الخطأ المطبعي الوارد في العبارة :
    ” ولهتُ إليها بكل *لواجع* الحنين”
    وصحيح العبارة هو:
    ” ولهتُ إليها بكل *لواعج* الحنين”
    ولتحيا الجزائر موطنا للمحاسن و المكرمات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق