قراءات ودراسات

الشعر الفلسطيني ورموز الشهادة والمقاومة

- تشكيل الصورة عند عز الدين المناصرة-

د-وليد بوعديلة*

تعتبر الصورة من بين أهم الخصائص الفنية التي تميز الخطاب الشعري عن غيره من الخطابات، ولا يمكن أن تحقق القراءة غاياتها عند التفاعل مع الشعر، إذا لم تتوقف لتبحث عن طبيعة الصورة الشعرية، لكن ما هو المفهوم الذي تأخذه الصورة؟ سنتوقف عند هذا السؤال بصفة مختصرة. ينطلق بعض الباحثين من اعتبار الصورة (تشكيل لغوي يكونها خيال الفنان من معطيات متعددة، يقف العالم المحسوس في مقدمتها، فأغلب الصور مستمدة من الحواس إلى جانب ما لا يمكن إغفاله من الصور النفسية والعقلية).
في أهمية الصورة في الشعر:
يرتكز هذا الموقف النقدي على البحث في المرجعيات التي تنطلق منها عملية تشكيل الصورة، ويأتي الواقع المادي في مقدمة هذه المرجعيات، ولكن مع عدم تجاهل المنطلق النفسي في البناء، لأن الصورة التي تحضر في الشعر تأتي من الأعماق النفسية، فهي (انبثاق تلقائي حر ، يفرض نفسه على الشاعر كتعبير وحيد عن لحظة نفسية انفعالية تريد أن تتجسد في حالة من الانسجام مع الطبيعة، من حيث هي مصدرها البعيد الأغوار).

وللصورة ارتباط قوي بالمشاعر الإنسانية -في أثناء الإبداع-ضمن مختلف الفنون، لأنها ترقد في الذاكرة بانتظار لحظة الإشراق الفني، فالأكيد أنه (عندما تخرج هذه المشاعر إلى الضوء وتبحث عن جسم، فإنها تأخذ مظهر الصورة في الشعر أو الرسم أو النحت) ، وكأن الصورة تتحرك في طريقين: الأول يربطها –بقوة- بالواقع المحسوس والثاني يخرجها من النفس البشرية، وهذا الاختلاف يعود إلى المنطلقات المعرفية لكل موقف نقدي، لكن يبقى أن الرؤية الجمالية لا تغيّب دور الخيال في تشكيل الصورة، وبخاصة في تشكيل الصورة الشعرية، لأن خصوصية الشعر تفرض خصوصية في الصورة، و(الشعر نشاط يتنزل في مدرات لا يطالها العقل، ولا تدركها مقولات المنطق، فكيف نمسك بواسطة مقولات عقلية لابد من اعتمادها عند ضبط التعريفات بما لا يطالها العقل)؟.
تلتقي الآراء النقدية عند نقطة الاعتراف بأهمية الصورة الشعرية، رغم الاختلافات الموجودة حول المصادر التي يتسخرجها منها الشاعر، بين مهتم بالعالم الحسي، أو باحث في أعماق النفس، أو حتى راحل إلى العوالم الأسطورية (…) وهنا تصبح الصورة ملتقى مفتوحاً لحوار المعارف من غير إهمال المعطى الجمالي، فالصورة الشعرية تمتلك المقدرة على تجميل البنية اللغوية، بما فيها من (تكثيف التوزيعات اللغوية المشبعة بلمحات وإيماءات لدلالات دينية وتاريخية والمكتنزة بمعارف وموروثات إنسانية، وكأنها مغامرة لغوية تقتحم الحد الفاصل بين الذات وما يتجاوزها).
في ملامح الصورة عند المناصرة
فكيف كانت الصورة في شعر الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة ؟ وما هي أنواعها؟ وماذا قدمت من إيماءات وموروثات للقارئ؟

1- الصورة المفردة الجزئية :
عندما ندرس الصورة المفردة، فهذا لا يعني أنها تأتي منفصلة عن غيرها من الصور، ولكن تأكيداً لفكرة تجزّء الصورة الكلية للقصيدة إلى صورة جزئية متكاملة فيما بينها، ولا يمكن الإحاطة النقدية بخصوصيات الصورة الكلية دون الالتفات إلى الصورة الجزئية، وكلاهما يسهم في بناء القصيدة وتعميق الرؤية وكشف الأبعاد النفسية والفكرية للشاعر؛ فما هي أنواع هذه الصورة في شعر المناصرة؟

1- الصورة التشبيهية:
لقد استعان المناصرة بمختلف أنواع التشبيه، وذلك في رحلته الجمالية داخل عوالم الأساطير، وفي بحثه عن أسطرة للموروثات والوقائع، مستفيداً من خلفية تراثية بلاغية بحثت في أقسام التشبيه وغرائبه وعلاقاته مع غيره من الأدوات الفنية ، وسنتتبع بعض النماذج لنكشف جمالية التوظيف الأسطوري من خلال التصوير الشعري القائم على التشبيه. نجد التشبيه المرسل في سياق شعري يقترب من لحظة عودة الموتى، فتمتزج الأسطورة التموزية بجلال الشهادة في فلسطين :​
الدم تناثر في وهاد كنعان
عظام أجدادك تلمع
في الليل كسكاكين
فالشاعر يسمو بعظام الأجداد الموتى نحو فضاءات القداسة، ويشكل صورته الشعرية بالانتقال من الواقع إلى التجربة بفصل التشبيه، فيستحضر أمامنا المشبه (عظام الأجداد) والمشبه به (السكاكين) والأداة (الكاف) ووجه الشبه (اللامعان) وفق ترتيب بنائي أصلي.
ويعتمد المناصرة على التشبيه المجمل، وهو تشبيه خال من وجه الشبه، الأمر الذي يمنح الصورة عمقاً أكبر ويدفع بالنص نحو التألق الجمالي، كما نقرأ هذه الصورة الأسطورية التي يتوقف فيها الشاعر عند الذاكرة المصرية:
لملميني قطعة، قطعة من الطمي
لكي يمر النيل الحبشي، النيل الأزرق
النيل الأحمر مثل فتيات القرابين
تحت القدمين، فألعب بأطراف أصابعي
فالشاعر يقترب من النيل ويكشف سحر عبوره ومروره تحت قدميه، وكي يمنح المشهد الشعري روعته ونضجه يوظف العناصر الأسطورية والتشبيهية، فيشبه مرور مياه النيل بمثل مرور فتيات القرابين في المجتمعات القديمة، من دون أن يعطي وجه الشبه، ليبحث القارئ عن الدلالة الغائبة التي تجمع المشبه (النيل) بالمشبه به (فتيات القاربين). رغم هذا التباعد بين المشبهين في الواقع، فإن الشعر يقارب بينهما، وقد استطاع الشاعر أن يجمع الواقعي بالأسطوري عبر التشبيه (بواسطة الأداة مثل) فمرور مياه النيل بصفائها وبإيحاءات الخصب فيها يشبه توجه الأنثى نحو مذبح التضحية والفداء في الأساطير، كي تحول الجفاف إلى خصب والموت إلى حياة للأرض والإنسان معاً.
لقد أجاد الشاعر في تصويره لأنه يجيد القبض على مواطن سحر اللغة الشعرية، ولم يكن ليجيد لولا غنى خياله وامتداد ثقافته، لذلك كانت عملية البحث في أشكال التصوير حلقة هامة للبحث في ذات الشاعر، وهو ما يفسر لنا أهمية دراسة الصورة واهتمام الكثير من المعارف بها، كما هو الشأن في التراث العربي، حيث درسها علماء اللغة والكلام والفلسفة. وإذا عدنا إلى شعر المناصرة فإننا نجده قد ذهب بعيداً في الاستفادة من الطاقة الإيحائية للتشبيه، فها هو يوظف التشبيه المؤكد الذي تغيب فيه الأداة في سياق العودة إلى أسطورية النار:
أنت الخضرة والماء
أنت النار لتطهير جروحي
في عز الظهر
إن هذا النوع من التشبيه قليل جداً في شعر المناصرة، وفي النموذج السابق يخرق الشاعر المألوف، ويجعل من المرأة الأسطورية هي النار التي تداوي جراحه، فالمشبه (أنت/جفرا –فلسطين) يعانق المشبه به (النار) في غياب الواسطة بينهما، فالنار تعطي الدلالة الأسطورية للتصوير، فيمتد الأثر العلاجي من رمزية العلاقة بين الشاعر وجفرا /الوطن. ولقد كان التشبيه البليغ أكثر أنواع التشبيه حضوراً في شعر المناصرة، وهو تشبيه تجرد من الأداة ووجه الشبه معا، وأبقى على المشبه والمشبه به فقط، في محاولة جمالية للمطابقة بين المشبه والمشبه به بالاستغناء عن الأداة ولجعل القرب بينهما قوياً بحذف وجه الشبه.
و إذا كانت الصورة في الشعر هي (طريقة خاصة من طرق التعبير، أو وجه من أوجه الدلالة، تنحصر أهميته فيما يحدثه في معنى من المعاني من خصوصية وتأثير) ، فإن الصورة الشعرية عند المناصرة تشكل خصوصيتها من خلال الاستفادة من العناصر البلاغية قصد كتابة التفاعل النصي مع الذاكرة والأسطورة والدين، وكل المصادر التراثية والحضارية التي تعبر عن المشاعر والأفكار. وقد ظهرت جماليات التوظيف الأسطوري -عبر الصورة التشبيهية- متألقة وناضجة، تؤكد تجذر الشاعر في الموروث البلاغي من جهة، وتكشف مقدرته التصويرية في تقديم المشهد الأسطوري من جهة أخرى، مع إعطاء القارئ فرصة التأويل والربط بين علاقات وأجزاء الصورة الشعرية.

ب- الصورة الإستعارية :
تعرف الاستعارة بـ(أن يكون لفظ الأصل في الوضع اللغوي معروفاً تدل الشواهد على أنه اختصت به حين وضع، ثم يستعمله الشاعر في غير ذلك الأصل، وينقله إليه نقلاً غير لازم) ، وقد وظفها المناصرة واستعان بجمالياتها التي تبني الصورة من خلال تبادل المدركات وإقامة حوار شعري بين المحسوسات والمعنويات. لقد سار المناصرة وفق نمط التصوير الشعري المعاصر، فأكثر من توظيف الاستعارة وذلك توافقاً مع حاجاته الفنية والفكرية، بخاصة عندما يعود إلى الأساطير أو يؤسطر الأحداث والشخصيات، وبهذا الحضور الاستعاري الأسطوري يكون شاعرنا قد أوغل في بناء نص شعري رمزي مكثف، بكل إيحاءات النصوص الراقية في بنيتها ورؤاها. يصوغ الشاعر الاستعارة عندما يعود إلى التاريخ الكنعاني،و يقدم مشهد الاحتفال بتقديم الأنثى الضحية، فهو يتعامل مع اللفظة وكأنها أنثى :
أحدق في النص الرصين كأجدادنا
كل لفظة ملونة بالكحل يرفعونها
يرفعونها على أعلى الهودج
يزفونها بالطبول والأهازيج
يقولون لها تباركتِ، فتصبح مباركة
فهذا التشخيص يمنح عناصر الحياة للفظة، ويجعلها تأخذ صفات المرأة في الطقس الاحتفالي، فهي تتزين في الهودج لتتجه نحو المكان المقدس الذي يأخذ أبعاداً أسطورية يعتقد بها إنسان الحضارات القديمة وتصبح –هكذا – مباركة وقديسة، فهي المضحية لأجل أهلها، وهذه اللفظة/ المرأة هي الجسر الذي ينتقل به الإنسان من الموت إلى الحياة، ومن الخوف إلى الطمأنينة… لا حواجز بين المدركات في الشعر،و كما اتحدت اللفظة في صفات المرأة /القربان، فقد اتحدت (الدمعة) في صفات الإنسان كذلك :
تعانق دمع الكنعانيات وحناء الأشجار
سيعود عريساً… يا شجر الزيتون، يعود
ويخص الشاعر الغربة بسلوكات الإنسان أيضا، في سياق البحث الشعري في قصة امرئ القيس وملكه الضائع، فشاعر الزمن الجاهلي يصرخ متفجعاً :
صناع ملكي
أكلتني الغربة السوداء، يا قبر عَسيبْ
يمنح الشاعر الصفات الإنسانية للمعنويات والحسيات، ويجعل الدموع تعانق الأشجار والغربة تأكل الإنسان، وهي الصورة الاستعارية التي تدل على أن الكلمات لا تحمل بعداً أحادياً في الشعر، ولا صرامة في علاقة الدال والمدلول، لأن (الكلمة في القصيدة لا تعني حدها اللفظي، وإنما تعني ما تستدعيه طاقتها اللغوية من مدلول آخر يتشكل في سياقها،إنها (القصيدة) تحرر المفردة من إسار الجملة أو من حدود العبارة))، وتبحث عن الأدوات الفنية التي تمنح النص مقدرة على المراوغة والشوق إلى دلالات وإمكانات تأويلية بعيدة، عبر تحرير الكلمة من القوالب الجاهزة والبنية الثابتة، وإعطائها تنسيقاً جديداً مختلفاً عن الكلمة في الخطاب اليومي. وفي سياق التعامل الشعري مع المحسوسات بوعي إنساني أو بصفات الموقف والسلوك الإنسانيين، يتجه المناصرة إلى الطبيعة الفلسطينية ليمنحها الصفات الجديدة :
الليلة هجموا كالغربانْ
لكن الأشجار معي
والأنهار معي
حتى الحجر الصوان
يفتح لي قلباً لم يفتح في أي زمان ومكان(
ففي ظل هذا الهجوم الهمجي من الغربان /المحتل يلتجأ الشاعر إلى الطبيعة، وهي تمنحه المساندة والدفء، وتقف الأشجار والأنهار معه، بل إن الحجر يتحول إلى إنسان يفتح قلبه كي يحتضن الشاعر/ الإنسان في فلسطين ، وهي صورة استعارية قادمة من صدق وعمق العلاقة بين الفلسطيني وأرضه. ونجد الصورة الاستعارية كذلك في القصائد التي اقتربت من أساطير الخلود وطقوس الجنائز،و ها هو الشاعر يحدثنا –في صورة استعارية- عن حواره مع الموت :
كاتبت الموت وكاتبني هذا الأسبوع
عانقت الموت وعانقني قرب الينبوع
قاتلت الموت وقاتلني يا سعف يسوع
فهذه الصورة الشعرية الأسطورية خافقة بالكثير من الرموز التي تحرك الانفعال وتهز الوعي وتفتح ذاكرة الموت وراهن الذات الشاعرة، فكأن الموت إنسان يحاور شاعرنا ويكاتبه ويعانقه، بل ويقاتله أيضا، ولم يكن الشاعر ليمنحنا هذه الشحنات الانفعالية لولا لجوئه إلى الصورة الإستعارية التي توحد بين الموت والإنسان، وتجعل الأول كائناً يتحرك ويتفاعل مع يوميات الإنسان، وعندما نلتفت إلى الراهن الفلسطيني وإلى الجرح النازف في جسد وقلب المناصرة يمكن لنا أن نتأمل جيداً هذه اللوحة الشعرية.
إن الصورة الجزئية في شعر المناصرة قد اتسمت بتشكيل المشهد المدهش وبدفعها النص إلى عوالم الخرق والتجاوز، كما أنها كانت غير محددة الأبعاد، فهي تسافر بعيداً في أجواء الغرابة وتفتح أسئلة الشعر المعاصر المعتمد على تجاوز التعبير البسيط، قصد الإغراق في الغموض والترميز، فكانت التشبيهات والاستعارات هي أدوات الشاعر لبناء صوره الأسطورية الساحرة.
2- الصورة المركبة :
وهي نتاج الحلقة تفاعلية بين الصور الجزئية،و تحضر –غالبا- عندما يكتب الشاعر القصائد المطولة، فيكون المشهد واحداً في تصويره الكلي، ويتشكل من صور جزئية متناسقة ومتمازجة مع بعضها، وهي:

1- صور ذات بناء درامي: وهي الصور التي يشكلها الشاعر بواسطة تقنيات التعبير الدرامي، لأنه إذا كانت البنية الدرامية حاضرة في شعر شاعر ما فإن الصورة التي تبنى وفق البناء الدرامي تحضر كذلك، فنجد الحوار والمونولوق والأحداث والسرد… وغيرها من العلامات الدرامية المعروفة.
يقدم لنا المناصرة مشاهد أسطورية يتداخل فيها الشعري مع الإنساني والواقعي مع الغيبي، في صورة درامية تتميز بحركيتها التعبيرية وتأزمها السردي :
وهذا دربنا الثالث
يقود إلى جزيرتنا البعيدة حيث تسكنها
الشياطين الشتائيةْ
وتسرق خاتمي في الليل جنية
سأفرح يا علاء الدين،
أين السرُّ ضاع السرُّ
كيف أفك هذا الطلسم المأسور
ولا شبيك ولا لبيك فاسمعْ صرخة المقهور
فالنص لا يتكون من صورة واحدة، بل من صور كثيرة متلاحقة، وقد جاء في نسق تصويري درامي، يأتينا بعد الصيغة (وهذا دربنا الثالث)، ويبدأ الشاعر في تصويره لقصة الرحيل إلى جزيرة بعيدة، تضم الشياطين والجن، ويطل علاء الدين /الإنسان يتوجع ويعاني، ويظل يبحث عن السر/ الحرية، ويختم الشاعر بصورة الطلسم المأسور، وهي صورة أسطورية –سحرية تحيلنا على الميثولوجيا القديمة كما تحيلنا على الأعراف والممارسات الشعبية. ونجد صوراً درامية أخرى كثيرة في شعر المناصرة.

وفي قصيدة (حيزية عاشقة من رذاذ الغابات) يستعين الشاعر بالصور الدرامية ويتتبع قصة الحب الجزائرية، ويصف المرجعيات والممارسات الشعبية، ومن الصور نجد تلك التي تصور الواحة وتقدم صوراً جزئية، فيها الدم الذي ينتظر الضحية، وفيها العاشق المتسلل كرذاذ الربيع، ويرى الشاعر صوراً كثيرة عن هذه الواحة، يقدمها للقارئ ويوظف فيها مختلف الصيغ التشبيهية والإستعارية في سياق شعري درامي، وكأنه يحكي حكاية اغتيال الحب بين المياه والنخيل.
كما أن المناصرة يقدم صورة ذات بناء درامي في قصيدة (دخان الأقاويل) ، حيث يصور لنا الشخصية الأسطورية عوج بن عناق، انطلاقاً من صورة عدم غرقه في طوفان نوح، ثم قرعه للطبول، ومميزاته الأسطورية، فلا يجد القارئ انفصالاً في الصور الجزئية، بل هي متلاحمة تشكل المشهد الشعري الأسطوري، بكل ما فيه من خوارق وغرائب، وكأننا أمام صورة واحدة لهذا العملاق الأسطوري.

ب- الصورة ذات البناء التوقيعي: وهذه الصورة متضمنة في الشعر التوقيعة، وهو الشعر الذي يعتمد على قصيدة قصيرة مكثفة جدا، وقد اتخذ تسميات مختلفة (الومضة، التوقيعة، اللافتة ، القصيدة، القصيرة…)، وليس هذا مجال البحث في خصوصياتها الجمالية، لكن سنبحث في حضور البناء التوقيعي للصور في شعر المناصرة، من خلال العودة إلى الأعمال الشعرية، لكشف حضور الصورة المركبة للنصوص الشعرية من خلال صورة واحدة مكثفة. لقد كتب المناصرة قصائد مكثفة مركزة، ذات نهايات حاسمة مفتوحة، واعتبر من أوائل الشعراء العرب المؤسسين لهذه القصيدة،حتى أنه كتب قصيدة بعنوان(توقيعات وهي تتكون من مجموعة من التوقيعات، ومن ثمة فهي تحوي صوراً شعرية مكثفة، فيها المفارقة والسخرية والتحدي، كما هو الشأن في صورة قصيدة (دليلة الغزية) ، وتقرأ هذه الصورة الشعرية ذات البناء التوقعي المليء بتعبيره القليل وبتداعياته التصويرية الكثيرة من قصيدة (الطالع من وادي التفاح الأشقر) :
عند هذا المساء الرمادي، لا تدفنيني
أراهن أن الشوارع عرجاء، أن ابتسامتهم،
شبه صفراء، مثل رمال الهبوبْ
لقد كبلوك كما كبلوني
العواصم نائمة… أرهقتها الحروب
عند باب السماء الرماديِّ، لا تدفنيني هنا
تحت رحمة هذا الصليب
فالشاعر يكتب صورة الغربة والضياع في المنفى، ويعلن رفضه ومقاومته ليوميات العذاب عند الآخر الغريب عنه، فتأتي الصورة متوهجة بإيحاءات الشوق والحنين، وبإيحاءات رفض الراهن المأساوي في بنية مكثفة تمنح القارئ فرصة الانفتاح الدلالي والتأويلي. كما نجد البناء التوقيعي في سياق شعري آخر، يعلن فيه الشاعر صوت الرفض والتحدي في صورة شعرية صارخة من خلال قصة امرئ القيس:
الآن كلامي يصبح كالخنجر، كالطعنة، كالسكّينْ
الآن ابتدأت كلماتي تتحوّل نحو البحر
وتلتقط حصاة من شاطئه الصخريِّ وترميها
في وجه المرتدين
الصورة خافقة بعنف المقاومة وبنبض التحدي، قصد إعلاء كلمات الغضب الفردي والجماعي في وجه العدو، وهو قاتل الأب في قصة امرئ القيس ومغتصب الأرض في قصة الشاعر/فلسطين، لذلك تتحول المسافة الجمالية بين الكلمة وأدوات المواجهة (خنجر، طعنة، سكين…) إلى مسافة قريبة، بل هي مسافة لا تحسب جغرافياً أو دلالياً، لأنها توحد –تصويرياً –بين الحسي والمعنوي في توقيعة شعرية.
امتد توظيف الصورة التوقيعية في شعر المناصرة في كامل أعماله الشعرية، وهو عندما يستحضرها في الشعر الأسطوري فلكي تمنحه المقدرة على تصوير المشاهد التي تدهش القارئ وتخفي دلالات الارتباط بالأرض والذاكرة، كما أنها تسهم في خلق التكثيف والتركيز في أبعادهما التعبيرية والفكرية والنفسية، بخاصة عند الاقتراب الشعري من وجدانيات الشاعر وأسئلة وطنه وأمته وتاريخه.

ج- الصورة المفارقة: وهي تقنية تصويرية تستحضر الرموز التراثية والدينية والأسطورية، وتبرز تناقضها –في علاقتها- مع العصر الراهن، ولقد استعان بها المناصرة في الشعر الذي وظف الأساطير.
لقد أقام الشاعر مفارقة بين الراهن الذاتي والفلسطيني وطرف أسطوري، كما فعل مع أسطورة ايكار، حيث تمثل صورة احتراق جناحه بأشعة الشمس، وجعل من صورة الإنسان الفلسطيني تحترق في المنافي، فصورة الاحتراق والموت هي صورة لاحتراق الأرض وموت الإنسان في فلسطين، في ظل سيطرة المحتل وممارساته العدوانية الوحشية، وإن كان احتراق جناحي ايكار أثر عليه وأسقطه الأرض، فإن الاحتراق في القصيدة يحيل على صورة الضياع الجماعي بعيداً عن الوطن.
فالمفارقة تتسم بقوة تصويرها وعمق دلالتها، وصورة الضياع والشتات ومشاهد السقوط والنتائج الوخيمة تتكرر أمام القارئ بفضل المقدرة التصويرية للشاعر، وببراعة جمعه بين القصة الأسطورية والراهن الفلسطيني المعاصر. وقد قابل المناصرة في المفارقة ذات الطرف الأسطوري الواحد بين شخصيات أسطورية ودينية وبين ذاته وذات الفلسطيني، كما فعل مع المسيح، نوح ، قابيل وهابيل، امرئ القيس.
ونجد تقنية أخرى للمفارقة التصويرية وهي التي تتسع لتشمل طرفين من الشخصيات الأسطورية أو الدينية أو الشعبية المؤسطرة، كما رأينا مع نوح وامرأته أو حيزية وبن قيطون أو المسيح ويهودا (الخائن للمسيح)… وقد يعتمد المناصرة على المفارقة التي تبنى على نص أسطوري أو ديني، لينجز صورة تحويره/ تغييره، كما في هذه الصورة التي تقف إلى جانب امرأة نوح من جهة وتواجه نوح بالسخرية من جهة أخرى :
ولم يستطع أن يروض هذي الرعود
ولم يستطع أن يدجن مهرته في الظلام
ولم يتعظ، فادعى أنه هارب من خطايا ثمود
أو الصورة المفارقة لأندروميدا، وهي مفارقة لصورها في الأسطورة الإغريقية؛ لأن الشاعر قد جعلها تتمتع بجمالها رغم أنها مربوطة إلى الصخور، وفي مقابل صورة حزنهاو بحثها عن الخلاص في الأسطورة نجد صورة البحر الذليل أمام الجمال الأنثوي، ونجد أندروميدا تتغنى بضفائرها في النص الشعري.

ملاحظة:للدراسة مراجع

*جامعة سكيكدة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق