الموقع

الأنبياء بين البشرية والاصطفاء

إبراهيم محمود الباش

لعل نظرة متأنية إلى آيات القرآن الكريم تجعلنا نقف أمام حشد لا بأس به من الصفات التي اتصف بها الأنبياء ليكونوا أهلاً لحمل رسالة التوحيد لكن الصفة الأهم التي ألح عليها القرآن الكريم، والتي تعد صفة مشتركة بين الأنبياء ومن بعثوا إليه، هي صفة البشرية، وهي الصفة التي كانت محل اعتراض خطير عاناه الأنبياء في مسيرة دعوتهم من قبل المشركين المعاندين، فلماذا كانت بشرية الأنبياء محلاً للاعتراض المتمادي؟ أليس في ذلك تجاوزاً ومخالفة لاختيار الله واصطفائه من يشاء من عباده، وهل قبول المشركين والمعاندين لدعوة الأنبياء سيكون من اليسر والسهولة بمكان لو أن هؤلاء الأنبياء كانوا ملائكة أو مخلوقاً من غير البشر، أم هي المعاندة واللجاجة التي جنح لها المخالفون بحجج أوهن من بيت العنكبوت لو كانوا يعملون، ولماذا يكون هذا الإلحاح القرآني على إثبات بشرية الأنبياء؟  ألا نرى في ذلك دعوة لنا لوسطية تجعلنا نتجنب الغلو فيهم والإفراط في رفعهم عن كونهم بشراً من جهة وعدم التفريط بحقهم كأنبياء معصومين من جهة أخرى؟

لقد اعترض المشركون وما أكثر ما يعترضون على نبوة الأنبياء فجاؤوا بشبهات وجدوا فيها سبيلاً للتنصل من دعوة الرسل والأنبياء، فمن اعتراضاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس كذلك في نظرهم ، وقالوا إنك يا محمد لست أولى بفضل الله منا فلأي شيء تفضل علينا بالوحي، وكثيراً ما كانوا يقترحون الآيات بحسب أهوائهم ويقولون: إن كنت صادقاً فأتنا بما تعدنا، أو فأتنا بعذاب الله، أو أزل عنا جبال مكة واجعل لنا أنهاراً وعيوناً، ومنهم من كان يرى أنه لو كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً لأنزل الله ملائكة يشهدون له بذلك ولأغناه عن المشي في الأسواق وطلب الرزق، ولجعل له كذا وكذا مما توحي به عقولهم الفاسدة ويذكر الله في القرآن هذه الشبة في مواضع متعددة، تارة يصورها للعباد فقط، لأن من تصورها عرف بطلانها، وأنها ليست من الشبه القادحة المعتبرة، وتارةً يصورها ويذكر ما يبطلها من الأمور الواضحة وهذا كثير في القرآن الكريم.

ولكن الشبهة الكبرى والاعتراض الخطير على دعوة الأنبياء هي أنهم بشر، وقد أظهرت الآيات القرآنية شبهتهم هذه في أكثر من ثلاث عشرة آية من ذلك قوله تعالى: (ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون) “يس:15 “.

وقوله تعالى: (قالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عمّا كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين، قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشرٌ مثلكم ولكنّ الله يمنّ على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) “إبراهيم: 11”.

وقوله تعالى: (فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه إنا إذاً لفي ضلال وسعر) القمر: 24″ وقوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا: أبعث الله بشراً رسولاً) “الإسراء: 94”.

إن المتدبر في السياقات القرآنية السابقة يرى بجلاء أن الاستنكاف عن رسالة الأنبياء والرسل كان لكونهم بشراً وجاء النفي في الآيات بأسلوب الحصر (إلا بشر) ويردف ذلك بانّ هذا البشر من جنس من بعثوا إليه (مثلكم)، وهذا الكلام الذي يصدر من أفواههم دليل قاطع على ضلال هؤلاء المشركين،  فإنهم أنفوا أن يتبعوا رسولاً من البشر ولم يأنفوا أن يكون بعضهم عابداً للشجر والحجر والصور، والملاحظ أن الآيات في سورة (يس) تعرض صدودهم ضمن سياق تدريجي، فقد قال المعاندون أولاً: (ما أنتم إلا بشرٌ مثلنا) وبما أنهم رفضوا دعوة الأنبياء بدعوى أنهم بشر فمحصلة ذلك أن يكون هناك تكذيب بما أنزل الله بالضرورة، فلذلك جاءت المرحلة الثانية من التكذيب الأغلظ (وما أنزل الرحمن من شيء) فإن كان ذلك كذلك فالنتيجة لاشك إعلان صارخ لا هوادة فيه ولا تريّث (إن أنتم إلا تكذبون).

وكم يكون الاعتراض على بشرية النبي ذا شأن عند الكفرة في الصدود عن الإيمان حين تصوره الآية من سورة الإسراء، حيث يحصر السياق القرآني ضلال المشركين وإعراضهم عن الإيمان والهدى بحجة أن الله بعث بشراً رسولاً، وكثيرة هي الآيات التي تدل على أن كثيراً من الأقوام الذين كانت تأتيهم الرسل كانوا يستهجنون أن يكون الرسول من جنسهم بل تستوقفهم تلك البشرية التي ما كانوا ليدركوا ما حباها الله من اجتباء (ذلك بأنه كانت تأتيهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا) “التغابن:6”.

بعد عرض الشبهة الخطيرة من خلال الآيات، تستوقفنا الحجة البالغة والرد المفحم الذي تضمنته الآيات ذاتها، فالآية من سورة إبراهيم تتضمن رد الرسل على أولئك المعاندين (قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون).

لقد أجاب الرسل بثبات وطمأنينة قلب (إن نحن إلا بشرٌ مثلكم) والملاحظ أن الرد جاء من جنس أسلوب المعاندين وفي هذا تنبيه لهؤلاء المعاندين على التأمل في الطبيعة البشرية مع عدم نسيان المثلية التي أكد عليها القرآن الكريم عرضاً وتفنيداً (مثلكم) فقد وردت اللفظة في معرض معاندة المشركين كما وردت في معرض الرد عليهم، وهنا نلمح أسلوباً دعوياً حكيماً وهو مجاراة الخصم، فنحن نعم بشر مثلكم (ولكن الله يمن على من يشاء من عباده) حيث إن الله يمن على أنبيائه بصفات وأخلاق وكمالات بها صلحوا لرسالات ربهم والاختصاص بوحيه، وهو الذي يصطفي من يشاء ويختار، ومن رحمته وحكمته أن كان هؤلاء الأنبياء بشراً، فلو كانوا من الملائكة لم يمكن للبشر أن يتلقوا عنهم، لذا كانت الحكمة الإلهية تقتضي أن يكون المبلغ من الطبيعة البشرية والجنس البشري نفسه، كي يقوم بهذه المهمة، ويكون فيه جانبان: أحدهما للتلقي والآخر للبلاغ، إذ ليس من الحكمة في شيء أن يكون هذا الرسول من طبيعة مخالفة لطبيعة من أرسل إليهم لما يترتب على ذلك من اللبس، لذا قرر القرآن الكريم هذه المسألة في معرض رده على المشركين الذين استبعدوا أن يبعث الله بشراً رسولاً فقال: (ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون)، وقد جاءت الآيات لتؤكد هذا المعنى ضمن لفظين أساسيين (مثلكم) و (من أنفسكم)، ولا شك أن هناك فرقاً بين اللفظين يقرره السياق القرآني فقوله: “مثلكم” في قوله تعالى: (إن نحن إلا بشر مثلكم) يوحي بأن هذا الرسول لم يخرج بهذه المثلية عن خصائصكم البشرية من مرض وسقم وهم وهرم وموت وعلم بالغيب بقوله تعالى: (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء) “الأعراف: 188”. وأن النبي يجري عليه من الأعراض ما يجري على سائر البشر، فهذه المثلية بشرية الأبعاد متصلة بالتكوين الإنساني الآلي، وبلا ريب فهذه الخصائص البشرية بكل أبعادها لا تنافي عصمتهم، فالله عصمهم عن كل ما يخل بحمل الرسالة وتبليغها للناس (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).

أما قوله “من أنفسكم” فقد وردت في مثل قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) وحرف الجر (من) هذا جاء في قمة المناسبة ، حيث أفاد البيان لحال الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث النسب والحال الاجتماعي واللسان من قومه وعشيرته، فالبيان القرآني يدعو قائلاً: هذا رسول من جلدتكم يتكلم بلغتكم تعرفون نسبه وتعلمون أخلاقه، وقد ترعرع بين ظهرانيكم ، وفي ذلك دعوة صريحة لقبول دينه من جهة ورفع لأي جهالة بموضع حاله من جهة أخرى.

وهكذا فقد اجتمع للنبي صلى الله عليه وسلم من قوله (مثلكم) إثبات للخصائص البشرية وللصفات الآدمية وما لها من ماهية يشترك فيها كل البشر، واجتمع له من قوله تعالى: (من أنفسكم) إثبات للصفة الاجتماعية العربية المتصلة بالنسب واللسان والانتماء، ولا سيما أن صاحب الرسالة وسيرته في قومه قبل أن يكلف بها تعد دليلاً ثابتاً لصدق رسالته فضلاً عما يؤيده الله فيما بعد من معجزات وآيات.

وبعد هذا لا ضير أن يمن الله على المؤمنين ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) “آل عمران: 16”.

لقد اجتمع للأنبياء الصدق والأمانة والتبليغ والتزكية والفطانة، فهؤلاء الأنبياء وإن كانوا بشراً فإنهم يتمتعون من البشرية بأرقى صفاتها الخلقية الرفيعة التي تجعلهم أهلاً لحمل رسالة التوحيد.

وبمقابل محاولة المشركين الحط من قدر الأنبياء بوصفهم أنهم ليسوا إلا بشراً فإن هناك أقواماً غلوا في الأنبياء والصالحين من عباد الله قديماً وحديثاً، وجعلوا لأنفسهم رسوماً خلطت الأوراق، فجعلوا ما لله للرسول وما للرسول للأولياء وما للأولياء لبعض المجهولين، بل من الجهلة من فتح الباب أمام كثير من الاجتهادات التي ترى أن بعض النبهاء من الفلاسفة والمفكرين والمصلحين يمكن أن يدخلوا في دائرة الأنبياء أو في دائرة عصمة الأنبياء، لذا كانت الآيات القرآنية حريصة أشد الحرص على بناء الغاية العقيدية والبعد عن الغلو حتى بما يخص الأنبياء ومنه قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين) “فصلت:6”.

فبعد أن أثبتت الآية بشرية النبي صلى الله عليه وسلم ومثليته لمن أرسل إليه ضمن سياق حصري توكيدي، جاء بخصيصة تميزه وهي الوحي، ثم يأتي الأمر بالاستقامة التي لا تكون إلا لله وأن الاستغفار لا يكون إلا لله ثم تذيل الآية بهذا التذييل المهم: (وويل للمشركين)، وهذا توعد ثابت للمشركين سواء في توحيد الله أو المشركين بشأن الرسول عليه السلام غلواً أو عصياناً.

وبعد:

إنها حكمة إلهية لا مرد لها واصطفاء رباني والله أعلم حيث يجعل رسالته، وليس ثمة تناف بين بشرية النبي بكل محتواها وبين اجتبائه للنبوة والرسالة، ولو لم يكن بشراً فكيف للبشر أن يتبعوا خطوات رسول محاط بأسرار قد لا يدركون كنهها بعيدة عن طبيعتهم وبشريتهم لو كان الأمر كذلك ربما كان هناك عقبات ستحول دون الغاية الدعوية ولأصبح اتباع الرسول والحالة تلك أنموذجاً من الصعب الاقتداء به، واتباع منهجه، فالرسول شخصية بعيدة عن أن تحاط بأسوار من الأسرار والألغاز، بل هو شخصية تقتدي به الأمة دون إفراط أو تفريط.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق