ثقافة السرد

حكى الرباب

عبد العزيز دياب

استهلال
أنا الراوى أناديكم، أقول لكم التفوا هنا حولى. لكن قبل أى شىء إلىَّ بمزمار، وحصان، وصندوق خشبى، ورباب، فهنا تحت لسانى أبطال حكايتى، فأنا إذا بدأت الحكى نثرتهم جميعاً، كل يسعى إلى غايته، فاسمعونى جيداً حتى يستطيع كل واحد منكم أن يراهم بعين خياله.

رعشة الرباب
-1-
نحن قتلة الحكماء، وقتلة البلهاء، بالأمس قتلنا آخر عبيط فى قريتنا. دعكم من حكاية هذا العبيط فهى ليست ضمن حكايتنا، أما بالنسبة للحكماء فهذه جثة “زيتون” العجوز أمامكم، وحتى أكون دقيقاً فهو ليس زيتوناً فقط، إنما هو زيتون، و”نور”، و”نوار”، و”مهيار”، و”عمار”. أسماء كثيرة جلبها معه عندما حط فى قريتنا وبحوزته الجوال المكدس بالكتب الصفراء. أطلق على نفسه كل هذه الأسماء، فاختار كل واحد منا الاسم الذى يحلو له أن يناديه به، واخترت أنا الراوى أن أجرده من كل هذه الأسماء، هو بالنسبة لى سيكون العجوز. العجوز فقط، وإذا نسيت ونطقت بأحد أسمائه فردونى إلى صوابى، حتى أعود فأجرده من ذلك الاسم مرة أخرى.
-2-
– شيعوا موتاكم بالغناء.
– ماذا قلت؟
– هكذا تقول كتبى الصفراء.
..، ونفخ فى مزماره، مشى يتمايل بيننا ونحن نشيع أحد موتانا.
– مجنون.
……….
– إنه يسخر من موتانا
-3-
وكنا نرجمه بالكلام والحصى، نقذفه إلى حافة الطريق، لا نسمى عليه أو نرحم شيخوخته.
-4-
هذه جثة لا نواريها التراب. اتركوها هكذا تنهشها كائنات الليل.
– يا أخوة ….
…………
– إكرام الميت دفنه.
– ليس للعجوز كرامة عندنا. حياً أو ميتاً.
نغم متصل
-1-
.. وماذا عن صفية عن الحصان؟
ساعة الغروب ونحن ننفض عن أبداننا تعب النهار، شاهدنا بنتا لها شامة على خدها، وطَلَّة تستحى منها العيون، تسحب وراءها حصاناً على ظهره خرج، يتبعها رجل يقبض على رباب، يعزف بيد رشيقة، كأنها يد سحرية استعارها، فيما كانت البنت تشدو مع النغم.
-2-
زحام شديد أمام بيت العجوز: نساء. عجائز. شيوخ. أطفال بصحبة أمهاتهم.
حجاب الشيخ لا يخيب.
ووصفته تشفى العليل.
-3-
ألم أقل لكم إن العجوز لا يستحق منى إلا أن أجرده من كل أسمائه، فها هو يقف على تلة صغيرة، يهتف بأنه كل حفنة من السنين، تأتى صفية، وأن صفية هذا الزمن قد آن أوانها ليسكر لغنائها البشر والشجر والطير وكل ما تدب فيه الروح: بكر هى لا طويلة ولا قصيرة. لا سمراء ولا شقراء. لا تخوض فيما تخوض فيه البنات. عذراء. طاهرة كالقمر فى ليلة التمام.
انفض الزحام وكل مضى إلى حال سبيله، والعجوز يلقن الجدران والطير والنخيل بهذا الكلام. بث الفوضى فى قريتنا الهادئة، فهذه امراة سمعت الجدران تتهامس بأن صفية هذا الزمن خرجت إلى النور لحمة حمراء مع شروق شمس هذا اليوم. وهذا الرجل همست له نخلة بأن صفية هذا الزمن التى ولدت مع شروق شمس اليوم، قد رفعت رأسها عن الوسادة تبحث عن صوت المؤذن ساعة صلاة العصر. وذلك شاب وشوشه هدهد بأن صفية هذا الزمن، التى ولدت مع شروق شمس البارحة، صفقت بكفيها الصغيرتين عندما أذاع راديو المعلم “سعد” أغنية فيروز ” طلعت يامحلى نورها. شمس الشموسة” وأم البنت التى حجبتها عن الأعين كانت تهلل وتكبر وتنثر حولها الدعوات.
-4-
ولد رشيق يستطيع أن يسأل الجدران والشجر والطير عن العجوز، ويعود به إلى أم صفية فى صمت. فى سرية. فى طرق مهجورة، ليحدق فى وجه البنت يبحث عن أمارات صفية.
– ها هى الشامة على خدها.
ففرحت الام.
– والحناء فى شعرها.
فابتسمت.
– وهى صفية هذا الزمن.
فاختلج جسدها.
– وهو مقتولة بعد حين.
لطمته نظرتها.
لا أريدها صفية هذا الزمن ولا أريدك الآن فى بيتى.
-5-
هذه جثة قد واريناها التراب، فى حفرة على حافة المقابر، ونفضنا أيدينا.
شطح الرباب
-1-
خلاء موحش ، حصان ذو تكوين جميل يخطو على مهل، على ظهره خرج، حجر ثقيل فى إحدى فتحتيه، والأخرى فيها صندوق خشبى، بداخل الصندوق مولود صغير.
عازف رباب يستند إلى جذع نخلة، يتمايل مع نغم الرباب ويغض الطرف عن حصان رشيق، على ظهره خرج، فهو يعرف تلك الأحصنة، فقد يكون الحصان ليس أصله حصاناً، وأن أخواننا- بسم الله الرحمن الرحيم- الذين تحت الأرض قد تشكل أحدهم على هيئة حصان، أو يكون بداخل الخرج الذى على ظهره شيء يقلب حياته رأساً على عقب، فاستعاذ بالله من الأحصنة ومما تأتى به الأحصنة.
-2-
أم صفية ندمت أشد الندم لأنها طاوعت شطحة خيالها وقذفت البنت إلى الخلاء.
-3-
عازف رباب قال لنفسه هذه البنت تكون ابنتى التى لم تأتى من صُلْبى، ألاعبها سبعاً، وأؤدبها سبعاً، واصطحبها معى تطوف البلاد وتغنى على رعشة الرباب سبعاً.
-4-
– هذه المغنية لها شامة على خدها.
– وصوتها فيه سحر.
– اقتربنا منها لنسألها عن اسمها. أمها كانت أسرع منا. صرخت.
– ص ا ف ى ي ا ه.
أخذت البنت فى حضنها والبنت تنظر إليها فى دهشة.
-5-
العجوز الذى اكتشفنا أنه لم يكذب أبداً، أصبح هو الولى، شيدنا بأيدينا مقاماً فوق قبره، وله منا- مقام العجوز- حق الزيارة، وإشعال الشموع ورش البخور، وتقبيل العتب، ولنا صفيته نشيع موتانا على أنغام صوتها العزب، ضاربة هى على الدف مع عزف المزامير وقرع الطبول، ونحن وراءها نتمايل طرباً، تنتفض أبداننا كأننا سكارى، وما نحن بسكارى، لأنها صفية التى جعلتنا نعرف طعم الغناء، نمرض ونغنى، نموت فنغنى، نتشاجر ونغنى. يشح الزاد فى بيوتنا فنغنى.
-6-
لا تحطموا رباب العازف فهو لا يخرف، أتاه العجوز زيتون- يحق لى أن انطق باسمه اليوم- وأُسْمِعْه الأغنية التى يشدو بها.

نواح الرباب
-1-
جثة ملقاة فى عرض الشارع، يرتد خوفاً كل من يحاول أن يقترب منها. جاء عازف رباب، قرفص بجوارها، مسح بكفه على رأسها وكتفها، أدار وجهه إلى الجهة الأخرى وانتحب، فعرفنا أنها صفية.
-2-
لم نسمع إلا النحيب يأتى من كل مكان. أين قاتلك ياصفية؟ تربصنا له فى الظلمات، رأيناه بمائة وجه يأتى من كل مكان: من الأزقة. من الشوارع الواسعة. يهبط من الفضاء. يشق الأرض ويخرج منها مارداً له أذرع كثيرة. قال قائل منا:
“هو فى الخلاء يتوالد يخرج منه أشخاص كثيرون”
فرح الرباب
-1-
شق فى جدار المقام، يتسع ولا ينهار الجدار، ياللدهشة. شاب عفى يخرج من الشق، يطعن الفراغ بنصل خنجر، تفر الطير والدواب، يركض الرجال، العيال معلقون فى أيدى أمهاتهم، الكل يأوى إلى جدار يعصمه، وغُلِّقَتْ الأبواب. مهلا يا أهلى وناسى، لم كل هذا الذعر. اهدأوا، فما هذا الكيان الخارج من شق المقام إلا العجوز زيتون، هو ارتد إليكم فى هيئة شاب مجدداً نبوءته، يركض وراء قاتل صفيتنا الى ما وراء الجبل، فَتِّحوا إذاً النوافذ والأبواب التى غلقتموها، فها هو العجوز/الشاب على ظهر فرس، يرفع بسن خنجره رأس قاتلك يا صفية، فمات من يخرجون من جلده/دمه/عظامه/أحشاءه/رحمه. غَنِّ يا عازف الرباب فإنه قد مات اليوم قاتل صفيتنا.
-2-
قذف العجوز/الشاب الرأس أمامنا، نفخ فيها فاشتعلت قلنا يا نار لا تكونى برداً ولا……، فقال امكثوا حفنة من السنين حتى تأتى صفية أخرى تسكنها الروح الطاهرة: بكر هى. لا طويلة ولا قصيرة. لا سمراء ولا شقراء. لا تخوض فيما تخوض فيه البنات. عذراء . طاهرة كالقمر فى ليلة التمام.
هو القاتل والمقتول قالها وانصرف، فتبعناه والأسئلة لا تزال تأكل شفاهنا، أخذنا إلى المقابر ، فوجدناه يشق جدار المقام ويختفى.
استهلال/مراوغة الرباب
أشكركم يا من استجبتم لندائى، وأتيتم بكل ما أمرتكم به، فها أنا قد فزت بحصان رشيق، وحكايتى لم تنته أبداً على هذا النحو، وبوسعى أن أخبركم- أنا الراوى- أننى حتى الآن- لم أبدأ حكايتى.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق