ثقافة المقال

التدين مسلك سياسي ام ديني

جاسم الصافي

التدين ظاهرة اجتماعية تمر بها اغلب المجتمعات , ولا تخلو حضارة في تاريخ الإنسانية دون أن ترافقها ظاهرة التدين ، كونها ملازمة للدين وتبقى معه ما بقي ، والدين هو موجود ثابت في كل المجتمعات قديما وحديثا حتى وان حل ما يعادل وجوده من الأيدولوجيات والمذاهب الوضعية اقتصادية او سياسية او اجتماعية ، لذا يمكن القول انه لا توجد حضارة تخلو من الدين ، وقد تفتقد بعض تلك الحضارات الى المسرح أو الآداب أو الفنون الأخرى لكن لا يمكن أن تخلو من وجود معبدا على اقل تقدير ، اما اسباب التدين في المجتمعات فهي كثيرة , لكنها مرتبطة في جذر المجتمع , تتناغم طردينا مع ما ينتجه الواقع وخصوصا في أوقات الاضطهاد والقهرية المجتمعي , او في حالات المحن النفسية للفردي , أو بعد الكوارث الطبيعية والحروب والتقلبات الاقتصادية والسياسية ، لذا قد يكون التدين تعبير عن الأمل او تعويض عن العجز والخيبة التي تمر على المجتمع او الافراد في وقت ما , وربما هي عملية لترميم الروابط الاجتماعية التي تفككت بسبب الظروف او تحميل الفرد بطاقة من القيم والاخلاق المتصارعة مع مسلماته الاولية , ليكتشف ان وجوده عبثي مثلا , اوانه في بيئة مفككة روابطها الاسرية وقيمها الاخلاقية , او اي قيم تصل لصارع مع ثوابته فتولد نزاع وازدواجية وعدم توازن في الافكار , أو هي حالة لمواجهة النقص او الإقصاء السياسي او الاجتماعي او الاقتصادي الموجود لفئة معين داخل نسيج مجتمع ما ، ولان التدين هو فكر عاطفي يتسبب في تقوقع الفرد على ذاته والانغلاق على معتقداته يجعله يبحث في حفريات التاريخ لإيجاد منظومة متكاملة تسد حالة العوز المعرفي والاقناع التبرير لسلوكيات التدين والاغتراب عن المجتمع , وهذا لربما نجده في جماعة تشعر بالاضطهاد والحرمان ونبذ الاخرين لهم , وهو موجود في الاقليات القومية والمذهبية وكذلك في الجماعات الاصولية سواء ذو المنهج الديني او اصحاب الفكر الايديولوجي ( الحزبي ) فكلا الاوليين هم بعقلية متعجرفة واحدة فلا فرق بين ستالين او هتلر او اسامة بلادن , ومع هذا نجد ان والإسلام قد اوجد بعض الحلول لهذه المعضلة خصوصا في المجال الديني , وذلك عن طريق (عقد الذمة لغير المسلم ) وهو اعتراف مبكر لحرية الأديان والاقليات , واذ نرى اليوم النقد والسخرية من هذا العقد على اعتبار انه أمتهان لكرامة الاقليات , لكن ارجوا الانتباه ان هذا العقد كان وفق تلك الظروف التي لا تعرف فيها معاير انسانية ولا اخلاقية ولا قانونية يكون في رتبة متقدمة على عكس ما يشاع عنه الان .
حالة التدين هو مسلك فردي وفي حالات يكون جماعي او يصبح جماعي , وهو على نوعين حسب ما صنف في العصر الإسلامي ( تدين سلفي ـ تدين عادي ) ونجد الأول في طائفة معينة أو في أماكن دون غيرها حيث يكونوا تحت تأثير رجال دين متعصبين تقودهم فتاوى التطرف , وهم ليسوا مؤمنين بالمعنى الإيماني البحت , بل ان مهنتهم وبيئتهم التكوينية والسلطوية اجبرتهم وحتمت عليهم ذلك ، اذ يمكن لتدينهم أن ينقطع مع زوال تلك الظروف التي وقعوا تحت تأثيرها الديني والفكر والاخلاق , فنقل الرجل المعمم من مدينة مقدسة الى دولة اوربية يكون افراغ له من مسؤوليته الدينية والاخلاقية وربما حتى القيمية , فهو لا يجد مع الايام حالة الاقناع الاولى لان المدخلات الفكرية السابقة انقطعت عنه , ومع التعود يكتشف أسباب تدينه وما هي الافكار التي ينقيها ويحافظ عليها وما هو مزيف منها ومفتعل بسبب عوامله الاجتماعية و السياسية والاقتصادية السابقة بسبب أحداها او مجتمعه ، لكن العوامل السياسية هي خير من وظف تلك الحالات التدينيه , فالسلوك التديني هو فعل تعصبي ذاتي الطاقة , لكن هناك عوامل تسهم في انتشاره داخل الفرد وداخل المجتمع وافضل وانشط ناقل له هو ديناميكية دهاء السياسة , حيث يحتاج رجل السلطة الى مشرع يبيح له كل افعاله بل وعدم مناقشتها والدين هو دعوة لينه فكرية لتفسير وتبرير وتاويل الافكار بل قوة جماهيرية عسكرية تجيش وتثور وقت ما تشاء , لهذا نجد أن اغلب رجال الدين السلفيين هم مسيسون يفتون في موالاة هذا أو ذاك من الحكام , ويستثمرون في الدين بدراية او بغير دراية لأجل التعبوي للقضايا السياسية والمجتمعية السلطوية , ولأجل تحقيق أهدافهم يسلكون أي مسلك حتى وان كان في قتل النفس التي حرم الله قتلها لانهم متفننون في تبرير الاخطاء , ولعلا اجتهاداتهم تعتمد على النصوص المتأصلة والمتجذرة مجتمعيا فكل ما يفعلونه هو قلب التفسير من تغير حركة اعرابية او اجتهاد تأويلي , وفي اغلب الاحيان نجد غاية التدين هو تكوين اصرة لحماية جنس بشري والحفاظ على قيمهم , مع ايجاد المبررات لأي فعل مغاير للعادات بحجة استخدام خطة طوارئ للمذهب , فنجد طاعة الحاكم القوي وان كان ظالم وغيرها من الفتاوى الدفاعية قد وضفت لهذه الغايات ، والحقيقة إذا ما وجدوا هؤلاء السلفيون ايدلوجيا جديدة يمكن منها أن تحل محل الدين وتؤدي وظيفته يتحتم حينها عليهم أعادة النظر في مسلماتهم وبديهياتهم التدينية السلفي السابق , وهذا ما حدث في اغلب المدن العربية بعد ان نزل الاسلاميون من حالة التنظير والمعارضة الى حالة التطبيق والسلطة ، ويمكن أن نسمي المتدينون السلفيون بغوغاء التدين , أما التدين الاعتيادي فهو تدين عفوي لا يميل الى السياسة الا في حالات محددة ومبررة وهذا التدين متباين الآراء كونه يأتي من فئات متفاوتة في الثقافة فهي لا تخزن فكر واحد بل جامعون لمختلف الثقافات دون تعصب , حيث أن الدين عندهم هو العلاقة مع المطلق مباشرة لا مع الوكيل او من ينوب عن المولى , وقد يظهر التدين بشكل فردي نتيجة لحالة معينة ينقطع بها الإنسان عن عالمه السفلي أو الواقعي لينال مرتبة علوية تطهر روحه وكيانه من ماضيه وحاضره , بل يصل الى معرفة وطريقة يتجه بها الى الله في مرتبة تصوفيه عالية ، في حين نجد التدين السلفي يتسبب في ايهام العقل أو توقفه عند ضوابط معينة يؤمن بها الفرد فيموت احدهم عطشانا وفي يده قدح ماء . أن الإسلام لا يشترط التدين بل الأيمان , وهناك فهم مخلوط بين الاثنين ، كون التدين حالة أو مسلك يفتعل او يتعمد سلوكه امام وعلى الناس بقسرية , بينما الأيمان صفة تبصم على من أردهم الخالق الى جواره , وألا لم جعل الله في الحياة أسرة وتكوين اجتماعي , اليس من الاجدر بالخلق ان نهيم في الصحاري او الانعزال لتتحاشى ان تتلوث عبادتنا بمفاتن الدنيا , لقد اوجب المولى عز وجل أن يكون امتحان الإنسان وعبادته بين الناس دون مرائه وليس بين الأفكار التي تحجبهم عن المجمع , وهذا حديث الرسول عليه الصلاة والسلام ( لا رهبانية في الاسلام ) واضح وبين لا يحتاج تفسير او تأويل .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق