ثقافة المقال

لغة التدريس في مدارسنا بين الاستعمال العامي واللغة الفصحى؟

بعد إشادة وزير التعليم الفرنسي بالعربية ودعوته لتدريسها

د. وليد بوعديلة 

سنتوقف في هذا المقال عند النقاش الذي يفتح مع كل موسم دراسي حول اللغة التي يستعملها المعلمون للتدريس في مدارسنا بخاصة في المرحلة الابتدائية والمتوسطة، ومنذ البداية أقف مع الرأي الذي يدعو المختصين والباحثين البيداغوجيين للإسهام في النقاش، وإبعاده عن التناول الأيديولوجي والسياسي الذي يكتفي بالعموميات ويفتح جبهات الصراع من دون جدوى علمية.
واختلفت المواقف..
و قد اتجهت الآراء -غالبا- في طريقيين:
1- طريق يساند توصية الاستعانة بالدارجة في التحضيري والابتدائي، ويسانده بعض الباحثين مثل: الدكتور محمد داود، الدكتورة خولة طالب الإبراهيمي، الدكتور محمد أرزقي فراد…

2– طريق يرفض التوصية، ونجد فيه الدكتور عمار طالبي، الدكتور عبدالرزاق ڤسوم، الدكتور عبد الجليل مرتاض، الدكتور عبد الملك بومنجل…

ولكل اتجاه حججه، وكل قناعة تفتح أسئلة هامة في اللغة والأدب والتاريخ والهوية… ويعتبر الحقل التعليمي أكثر الحقول والفضاءات التي تتحرك فيها أسئلة اللغة والهوية، حيث تترسخ ملامح الشخصية وتتكون هوية الانسان، بالإضافة إلى تأثير وإسهام فضاءات اجتماعية أخرى كثيرة.

وقد فصلت الكثير من الأمم المتقدمة في روح وجوهر الممارسة التربوية وآليات إنجاح الخطط والاستراتيجيات التي تبني الإنسان، ومن ثمة يبدأ هذا الانسان بعد التخرج من الجامعة في دورة تفعيل ما درس لبناء الوطن.

وإن كانت وضعية القطاع التربوي –في أي دولة– وضعية متخلفة وتعاني الصعوبات عبر جميع أركانها (المعلم ـ المتعلم، المسير، البرنامج، الأدوات…)، فالأثر يصيب الوطن ويجعله خلف غيره من الأوطان في طريق التنوير والتحديت والتنمية.
العامية هنا…في مدرستنا ؟
فماذا لو ترسخت الدراجة في التعبير الكتابي والشفهي الفصيحين للتلميذ وتدرجت معه في التعليم الابتدائي؟ سينقلها لمستويات تعليمية أخرى وسيجد صعوبة في تلقي وثم فهم وحفظ المعارف، لنتصور مقالا فلسفيا عن الحرية والجبرية بخليط من الدارجة والفصحى، وهل يمكن التعبير عن الرياضيات والهندسة بالدراجة؟

يرى الكاتب والباحث الفلسفي أزراج عمر بأن العربية العامية تؤسس للإعاقة الحضارية، وقد تحدث عن تجربة انتقاله لبريطانيا وتعلم الانجليزية، في ظل منظومة قانونية تربوية ترفض التحدث في المعهد التعليمي بأي لغة أخرى غير الانجليزية.

وإذا كانت الدارجة الجزائرية قريبة –بحسب الواقع التواصلي وبتاكيد من الأبحاث التي أجراها المختصون في اللسانيات مثل الدكتور بلقاسم بلعرج والدكتور عبد الجليل مرتاض وغيرهما– فإن هذا لا يعني الاستعانة بها للتدريس.

ابن باديس.. عذرا؟؟

لم نننهض بعد من الانهيار اللغوي في الإعلام الجزائري بكل أنواعه حتى خرجت هذه التوصية، وإني اسأل: لماذا لم يتدخل خبراء وزارة التربية لإقناع منتجي المسلسلات الجزائرية لتوظيف المفردات الجزائرية القريبة من الفصحى؟ أين هم من نقل المسلسلات التركية بلهجة جزائرية كما فعل السوريون و المغاربة؟ ثم اين إسهامات وأفكار هؤلاء الخبراء في تعريب المحيط والقوانين والمؤسسات.. لتجاوز التلوث اللغوي البصري الذي نعانيه ويقدم صورة مشوهة عن وطن الشهداء لكل زائر!؟

وفي ظل كل هذا النقاش، أين هو المجلس الأعلى للغة العربية؟ وأين هو البرلمان ورئيسه ،وأين هي مواقف لعض المفكرين والتربويين الجزائريين الذين اختاروا الصمت ،ومنهم المفكر والعالم الاجتماعي العربي ولد خليفة الذي كتب كثيرا عن اللغة والهوية، وكتابه “المسألة الثقافية وقضايا اللسان والهوية” معروف ومشهور في هذا المجال؟ إنها ردة ولا ابن باديس لها. فعذرا شيخا ألف عذر. إننا في زمن الخيانة والنكران للرجال.

وعلى ذكر ابن باديس، فلماذا لم يعد خبراء وزارة التربية إلى النماذج التربوية الباديسية، يقول الدكتور عمار طالبي: “اتخذ ابن باديس وجماعته أسلوبا واضحا سهلا، لا يخاطبون التلميذ من أول يوم إلا بالعربية، وكان ابن باديس لا يخلط لغته في الدرس بأية لغة دارجة أو هجينة أبدا، ويمنع استعمالها مادام التلميذ في المدرسة ويعتني باختيار أروع النثر وأجمل القطع الشعرية” جريدة البصائر عدد 768

قد لا يلجأ معلم المدرسة الجزائرية –إن تجسدت توصيات الندوة– إلى شعر مفدي زكريا أو محمد العيد آل خليفة أو نثر الإبراهيمي والعربي التبسي… في دروس العربية، وسيستعين بكلمات راقية من أغاني الشاب خالد، الزهوانية، الشاب مامي… ولن يقرأ غزليات عنترة أو نزار قباني، بل سيمتع المعلم تلميذه بشعر مثل “نديك ونروح ولا أطيح روح“!؟

أعجبني قول العالم اللساني الدكتور عبد الجليل مرتاض: “إن لغة القرآن في جميع مراحل تعليمنا تمثل خطا أحمر للشرف الجزائري غير قابل لأية توصية أو ميثاق أو دستور” (الخبر عدد7879). وأقنعني قول محمد المامون مصطفى القاسمي الحسني “العربية لا تصدم إلا الأطفال الذين رضعوا الفرنسية مع حليب أمهاتهم” (الشروق اليومي عدد4817).

ولقد صدمني ما ذهبت إليه البروفيسور نصيرة زلال (أستاذة علم النفس التربوي بجامعة الجزائر) من أن نصوص الكتاب المدرسي الجزائري في المرحلة الابتدائية تستعمل في الدول الغربية كتمارين للنطق بالنسبة للأطفال الذين بلغوا 18 شهرا، وكذلك للتأهيل الذهني للمصابين بالإعاقة الذهنية!؟ و تذكرت ما يخبرني به الطلبة الذين درسوا عندنا في الجامعة –وأصبحوا أساتذة في مستوى الابتدائي– بأنهم يجدون في أقسام بعض المدارس تلاميذ متأخرين ذهنيا، وبدل توجيههم لمدارس متخصصة أو تخصيص أقسام خاصة بهم يتم دمجهم مع العاديين؟ فهل تعلم السيدة الوزيرة بهذا الأمر!؟

إن بعض توصيات الندوة الوطنية التي نظمتها وزارة التربية قبل سنوات- وتنظم الكثير منها في كل مرة- هامة جدا (للعلم هي اكثر من 200 توصية)، لأن المدرسة الجزائرية تشهد الكثير من السلبيات والممارسات الخطيرة في التسيير وطرق التعليم ووضعية المتعلمين والمدارس…، ولا داعي لإنكار الصورة السيئة لمديريات التربية عبر الوطن من أهل التربية قبل المواطن البعيد عن القطاع، ويجب تأمل تلك التوصيات وإيجاد حلول وأدوات للإصلاح، لكن توصية تعليم الدارجة في التحضيري والابتدائي خطيرة وتمس بالهوية مباشرة وقد تسهم في تشكل تلميذ معوق لغويا ومشوه فكريا و…

أخيرا:

لقد عدت –في خضم النقاش الكبير حول المسألة– إلى البرنامج الانتخابي للرئيس بوتفليقة (2014-2019)، فوجدت أن مواقف بن غبريط تنسف أهم محور في برنامج الرئيس وهو محور ترسيخ ديمقراطية مطمئنة عبر ترقية الديمقراطية التشاركية وتعزيز الحكم الراشد، وقد غيب خبراء بن غبريط الطمأنينة علينا في ظل إنهيارات اقتصادية وتهديدات داعشية وتراجعات دينارية(…)، وكأن الوزيرة ضد برنامج الرئيس، هل فهمت المعادلة يا رئيس الوزراء؟ وهل عرفت الحل لإعادة الطمأنينة الديمقراطية حتى لا يتأخر غياب الحكامة، وحتى تعود المواطنة، نسأل الله أن يحفظ الجزائر ويبقيها وفية لعهود الشهداء.

د. وليد بوعديلة/ أكاديمي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق