ثقافة السرد

طائر بلا اجنحة

الجزء: 1

غادة عبدالله ناجي*

إهداء: إلى صديقتي للأبد: هيفاء.. حيثما كنتِ الان فقلبي يحلق معك .

المواجهة

دلفت هيفاء إلى غرفتها بتثاقل وتعب شديدين، كانت الساعة تقارب الرابعة عصراً بعد نهاية اسبوع حافل بالعمل المضني، وضاعف الجو الحار هذا الصيف شعورها بذلك، لكن برغم ذلك الاجهاد المرسوم على تقاسيم وجهها الشاحب الجميل، كان هناك طيف من السعادة يكسوه ايضاً .
ولم يكد جسدها النحيل يلامس سريرها حتى استسلمت لنوم عميق استفاقت منه على صوت قوي أجش، كان لوالدها ويرافقه شقيقها محمد بعد أن اقتحما غرفتها و انتشلاها من حلمها الجميل الذي كانت تحلق فيه كعصفورة صغيرة برفقة سحابة وردية تتجول معها في السماء بحرية غير أنها سبحت مبتعدة عنها بخوف شديد من ذلك الصوت الذي عكر صفو السماء وأقلق سكينتها!!.
الأب بعنف: هيفاء …هيا ..إستيقظي الآن.
محمد مستفزاً: كالعادة ستتظاهر بالبراءة فلا تتعب نفسك يا ابي.
الأب بغضب: تباً لك أيتها الفتاة الكبيرة المتصابية ماذا أفعل بك؟
هيفاء مفزوعة: ما الأمر يا أبي ماذا حدث؟
دخلت نورية الغرفة هي الأُخرى على إثر الأصوات المرتفعة الصادرة منها وقالت بقلق:
ليخبرني أحد منكم ما الامر ؟.
أحمد بسخرية: وأنتِ أيضاً تسألين؟ لكن دعي ابنتك العزيزة تجيبك .
هيفاء بتردد : بخصوص ماذا؟
الأب بنفاذ صبر: بخصوص ذلك الخاطب الذي تقدم لك . ألم ننهي هذا الموضوع قبل أسبوع وأخبرتك أنه غير مناسب.؟ فلماذا يلح هذا الاخرق على التقدم لخطبتك مجدداً.؟
هيفاء بتوسل: أبي أرجوك… أتوسل اليك… اقبل به إنه مصر على خطبتي رغم أني أكبره بتسعة اعوام، أضف لهذا فلديه عمل جيد حتى أنه حصل مؤخراً على ترقية وأصبح مديراً لفرع شركة الأدوية الطبية في المدينة، كما أنه من أسرة طيبة وما يزال بالرغم من معاملتك القاسية له مصراً على الإرتباط بي.
الأب: كيف تجرؤين على معارضتي وقد رأيت أنه غير مناسب، ربما يفكر كيف سيستفيد منك فقط، فهو يعلم أنك موظفة في أحد المصارف الخاصة منذ أعوام طويلة ويعتقد أن لديك مدخرات سيضع يده عليها هذا بالإضافة لراتبك… ماذا أقول غير أنه شاب ماكر بالفعل!!.
هيفاء مدافعة: أمير ليس هكذا يا أبي إنه يريدني حقاً، لقد أخبرته أني لا أريد أن أستمر بالعمل بعد الزواج لأهتم بشؤون البيت فأخبرني أنه لن يعترض على ما أراه أنا مناسباً لي.
محمد بلؤم: أليس بينكما شيء خاص مثلاً ما دمت مصرة عليه هكذا؟
صاحت هيفاء: كيف تجرؤ على إلصاق هكذا تهمة بي…لو لم يجدني فتاة ملتزمة وأحترم نفسي وأسرتي كثيراً ما كان مصراً على الإرتباط بي، ثم إن حديثي معه كان في العمل وليس في مكان خاص، لكن فقط لأ جيب عليك أنت تحديداً اسألك . هل كنت سترتبط بفتاة من صديقاتك اللاتي تراسلهن وتتحدث معهن ليل نهار .؟
محمد: تباً لك ايتها…
الأب بغضب مقاطعا ًو منهياً النقاش: الموضوع حسم الآن أنا لن أقبل به أبداً والأمر بالنسبة لي إنتهى بالفعل… هل فهمتِ؟
خرج احمد وهو غاضب وتبعه محمد وهو يرمي اخته بنظرات شامته.
إلتفتت هيفاء نحو والدتها وهي تبكي ثم اسرعت باتجاهها تنشد بين ذراعيها بعض المواساة، فضمتها بدورها إليها محاولة التخفيف عنها قائلة: لا عليك سيهدأ وبعدها سنناقشه في الأمر مرة أخرى .
هيفاء وهي مازالت تبكي: عن أي مرة اخرى تتحدثين يا أمي؟ أنت ِتعلمين أنه يرفض كل من يتقدم لخطبتي منذ الصغر بدون أسباب مقنعة وتعلمين أنه زوج اختيّ الأصغر مني أيضا لموظفين أقل بكثير من بعض الذين تقدموا لخطبتي أنا، فلماذا يا أمي لماذا؟
الأم مهدئة: اهدئي يا ابنتي أرجوك لا جدوى من هذا الحديث الآن.
هيفاء: بل للأمر جدوى يا أمي…هل كل هذا لأنه توسط لي بحكم عمله في البنك المركزي قبل أعوام ووظفني في مصرف تجاري خاص وأنا ما زلت حينها أحمل شهادة ثانوية فقط؟ لكن ألم اسدد ثمن ذلك بالتزامي طيلة هذه السنوات بدفع مصاريف البيت كاملة في حين ينفق هو كل راتبه التقاعدي على نفسه و على إبنه المدلل؟ وحتى انتِ شريكته في هذه الحياة لم تحصلي من راتبه على شيء، لا أعرف يا أمي لماذا لا يريدني أن أحيا كبقية الفتيات وأُنشئ أسرة خاصة بي؟ …أمي أنتِ تعلمين أن دوامي طويل و مجهد ولولا الحرب ورغبة المصرف في توفير مادة الديزل لإرتفاع سعره لكنت حتى اللحظة مستمرة في الدوام فترتين حتى السادسة مساءً بدلاً من الثالثة عصراً، وتعلمين أيضاً أني لم أعترض عندما رفض أبي كل من سبقوا أمير وأحترمت قراراته وكلمته حينها رغم غرابتها وإجحافها في حقي، لكن أمير رجل مختلف، رجل حقيقي أستطيع الشعور بهذا فأنا الآن إمرأة ناضجة في الثالثة والثلاثين، أمي أنا منذ تخرجت من الثانوية وحصلت على هذا العمل وأنا أنفق كل ما أستلمه على البيت ومتطلباته ولم أدخر لنفسي شيئاً لكن حتى وإن تزوجت لن أتخلى عنكم سأطلب من أمير أن يوافق على إستمراري بالعمل إذا كان هذا سيرضي أبي.
الأم بضعف وحزن: أدرك كل ما تشعري به وما مررتِ به ايضاً …ولذا سوف أحاول إقناع والدك وعسى أن يهديه الله.
هيفاء بيأس: أمي لا أريد أن تتشاجري معه كالعادة بسببي، فهو لن يفهم أبداً وطالما أن أخي محمد يوغر صدره فهو لن يتراجع ابداً.
ضمتها والدتها لصدرها وقالت: لا بأس من المحاولة مجدداً يا ابنتي وبخصوص أخيك محمد فدعي الأمر لي فقد طرأت لي فكرة أرجو أن تكلل بالنجاح.

*كاتبة من اليمن

شكر: إلى كل تلك النجوم التي تتلألأ في سماء الأدب لتبعث فينا الضوء والدفء دونما مقابل وأخص بالذكر:
الأستاذ/يوسف شمسان
الأستاذ/منصور العبسي
الاستاذة/ ياسمين من الجزائر
الأستاذ/أمجد الهويش
جزيل شكري لكم ولمن لم اوفه حقه .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق