قراءات ودراسات

The Case For God

بقلم: حسين جبار ” ديموزي”

تأخذنا الباحثة كارن آرمسترونغ في كتابه “The Case For God”والمترجم بعنوان”الله لماذا؟”، في رحلة شيقة تحاول فيها أن تبين كيف تطور مفهوم “الله” منذ الأزمان السحيقة. تبدأ رحلتها من كهوف لاسكو، حيث يوجد في هذه الكهوف ككل حوالي ستمائة جدارية وألف وخمسمائة نقش. وهذه الكهوف تمتد عميقا تحت الأرض. ويعود أقدمها إلى حوالي ٣٠٠٠٠ عام قبل الميلاد.و((ثمة توافق عام على أن تلك المتاهات كانت أماكن مقدسة لأداء نوع من الطقوس..ثمة إجماع عام على أن الكهوف كانت أحْراما، تعكس مواضيع صورها و أيقوناتها، مثلما هو الحال في أي معبد، رؤية مختلفة جذريا عن العالم الخارجي))ص٢٨. يصور احدى الرسومات ثورا جريحا يرقد أمامه رجل بذراعين ممدودتين و عضو منتصب و يضع على وجهه قناع طائر. وقد وجد الكثير من الرسومات المماثلة.ومن المرجح أن يكون هؤلاء الرجال الذين يتم رسمهم أمام الحيوان الجريح شامانات. والشامان هو القائد “الديني” بين الشعوب الأصلية التي تعمل بالصيد. إن رؤية الشامان تضفي”معنى”على صيد الحيوانات التي تعتمد عليها تلك المجتمعات وعلى قتلها. حيث إنه من خلال بعض الطقوس والمحرمات التي يحيطون بها الصيد يحاولون تخفيف التوتر الناجم عن قتل الحيوان و رؤيتهم له وهو يموت. وهكذا يمكن ان نتحدث عن”قتل مقدس”. إن هذا الرباط الذي يجمع الصياد بضحيته ليس نتاج تفكر منطقي ولكنه شعور و إدراك يماثل الإدراك الذي نصل إليه من خلال الفن. وهنا نصل إلى أهم نقطة في رؤية الباحثة وهي أن الدين يتطلب عملا شاقا.((ليست استبصاراته بدهية، بل يجب رعايتها وتنميتها، تماما كتنمية الذائقة الفنية، الموسيقية والشعرية))ص٣٣.والنقطة المهمة الأخرى هي أنه ((لم يكن ثمة مفهوم لما هو فوق طبيعي في فكر القدامى، لا هوة عميقة تفصل بين البشري و المقدس)).وعن علاقة الطقس بالفكر ترى الباحثة أنه ((لم يكن الطقس، في العالم قبل الحديث، نتاج أفكار دينية، بل على النقيض، فقد كانت الأفكار نتاج الطقوس))ص٣٤.
ظهور الزراعة ومأزقنا الديني.
عندما بدأ البشر يكتشفون الزراعة منذ حوالي ٩٠٠٠ عام ق.م، فقدت طقوس الصيد بعضا من جاذبيتها، وتوقف الناس عن زيارة الكهوف، وطور البشر بدلا منها مجموعة من الأساطير والشعائر تقوم على خصوبة التربة.
ترى الباحثة أننا اليوم نعاني من مأزق ديني، فتفكيرنا الديني متخلف بل بدائي. وترى بأن الحل هو بتقدير”الروحانية” التي ظهرت في وقت مبكر من تأريخ الإنسان الديني Homo religious. من أجل هذا تعتقد الباحثة أن هناك بعض المبادئ الجوهرية للدين قبل الحديث، وهي:
-المبدأ الأول يتعلق بطبيعة”الحقيقة الجوهرية”التي سميت فيما بعد الله، نيرڨانا، براهما أو داو.((لم يكن ثمة اعتقاد في وجود كائن أعلى واحد في العالم القديم فإن أي مخلوق كهذا لا يمكنه سوى أن يكون كائنا، ربما أكبر و أفضل من أي شيء آخر، لكنه ما زال حقيقة محدودة لا مكتملة))ص٣٨.
-المبدأ الثاني. يقول هذا المبدأ بأنه((لم يكن يُقصد للخطاب الديني أن يُفهم بحرفيته لأنه اعتقد أنه من الممكن فقط الحديث عن حقيقة تسمو على اللغة سوى من منطلقات رمزية))ص٤٢.على أساس هذا المبدأ ترفض الباحثة قراءة القصص والأساطير القديمة قراءة حرفية، فهي لم تكن تدعي أنها تمثل وقائع حقيقية ولا سرد تأريخي موضوعي. فقد ((كانت قصة الخلق علاجية في المقام الأول. كان الناس يريدون معرفة شيء عن الإنفجار الهائل الداخلي للطاقة الذي -و بشكل ما- أتى بالعالم الذي نعرفه إلى الوجود، وذلك من أجل أن يتلوا أسطورة للخلق حينما يكونون بحاجة إلى أن تُسرَّب إليهم بعض الطاقة والقدرة المقدسة))ص٤٤. من هنا لا معنى لمحاكمة القصص القديمة محاكمة عقلية منطقية، وكذلك لا معنى للإعتقاد بأنها تشير إلى واقعة حقيقية.
-المبدأ الثالث. يقول((لا تصبح حقائق الدين متاحة إلا إذا كان الإنسان مستعدا للتخلص من الأنانية والطمع و الإنشغال بالذات))ص٤٩.من هنا ظهرت تمارين”اليوجا”التي هي تعطيل منهجي للسلوك الغريزي وأنماط التفكير المعتادة. يتم من خلالها الوصول للـ “نيرڨانا”.و لم تكن هناك صياغة عقائدية فكرية للنيرڤنا بل كانت برنامجا للعمل.ص٥٤.
ظهور التوحيد.
تقرر الباحثة نقاطا مهمة في النظر للكتب المقدسة منها:
-أنه لم يكن مقصد كتبة الإنجيل أن يمدوننا بنماذج بشرية تُحتذى ولا بتعليمات أخلاقية محددة مفصلة.ص٦٢.
-((ليست قصة جنة عدن سردا تأريخيا، الأحرى أنها وصف لتجربة طقوسية))ص٦٣.
-((لم يكن الإسرائيليون في القرن الثامن ق.م. قد بدأوا في استبطان دينهم [أي جعله تجربة ذاتية باطنية]وكانوا مازالوا يعتمدون على الطقوس الخارجية))ص٦٥.
-((لم يكتب JوE [رمزان لكاتبي العهد القديم حيث لا يعرف اسميهما الحقيقيين]سردا دقيقيا للأحداث الواقعية))ص٦٧.
-((بالإمكان القول، أنه في البدايات الأولى للإرث التوحيدي، فإن مبدأ الخلق المقدس ومعتقداته، التي ستكتسب أهمية كبيرة فيما بعد، بدت هامشة[تقصد بالنسبة لكتبة العهد القديم]))ص٦٨.
-((استحالة السعي إلى استخلاص رسالة واحدة متسقة من الإنجيل، حيث من المحتمل أن تناقض فحوى أحد الإصحاحات فحوى إصحاح آخر))ص٧٢.
-((لا توجد صورة واضحة متسقة للرب بسفر التكوين))ص٧٣.
حدث تغير مهم مع كتبة سفر التثنية حيث يأمر يهوه الإسرائيليين بعدم التعامل مع سكان كنعان الأصليين، وعدم عقد معاهدات معهم، والقضاء على دينهم.((و منذ آنذاك، غدا هيكل سليمان بالقدس الضريح القومي الشرعي الوحيد))ص٧٦.
كانت تتم دائما إضافات جديدة على العهد القديم. وفي نهايات القرن السادس ق.م.((كان الإنجيل العبراني شبه مكتمل: كان يدعو إلى التسامح و احترام الاختلاف من ناحية، ومن ناحية أخرى إلى الشوفينية الصارخة، كان نصا من الصعب فك ألغازه))ص٨٨.
بداية النظر العقلي.
خلال القرن السادس ق.م، انطلقت الأفكار “العقلية” الجديدة من بعض الفلاسفة من سكان جزيرة ملطية الذين كانوا قد التقوا بالثقافة المشرقية أثناء رحلاتهم التجارية. وقد نظر هؤلاء الفلاسفة، الذين يطلق عليهم”الفلاسفة ما قبل سقراط”، إلى الأساطير الإغريقية التقليدية بتباعد أكثر من سكان البر الرئيسي. وترى الباحثة بأن العقلانية الإغريقية الكلاسيكية لم((تتكون من تكهنات وفرضيات مجردة كهدف في حد ذاته.الأحرى أنها كانت متجذرة في مسعى إلى التسامي وأيضا في أسلوب حياة عملي مكرس))ص١٠٠. ومع تطور مفهوم الفرد في “المدنية” الإغريقية ظهرت روحانية شخصية إلى جانب الطقوس العامة. وقد أخذ البعض بانتقاد الأساطير القديمة، ومنهم إكزنوفانيس الشاعر الإيجي (٥٦٠-٤٨٠ ق.م)، والفيلسوف الطبيعي أناكساجوراس(٥٠٨-٤٣٥ ق.م).
في نهاية حياته، أدخل أفلاطون تطورا جديدا وغريبا عن الديانات و الفلسفات القديمة، حيث رأى أن واجب الدولة الأول هو تلقين الأفكار القويمة عن الآلهة، ثم العيش وفقا لها إما باستقامة أو بعدم الإستقامة. وتعلق الباحثة قائلة:((أي أن أساليب محاكم التفتيش التي أدانها فلاسفة عصر التنوير الغربيون في ارتباطها بالديانات المنزلة، كان أول ظهور مبكر لها في الموروث الإغريقي العقلاني الذي كان موضع الإعجاب العميق من هؤلاء الفلاسفة))ص١٢٣. ومن البصمات المهمة التي تركها أفلاطون على الفكر الغربي، كما ترى الباحثة، هو أنه ((مهد الطريق للإهتمام الديني بالكون الفيزيقي الذي سيصبح سمة لكثير من الفكر الديني الغربي))ص١٢٣.وكذلك((ساعد أفلاطون على وضع أسس العقيدة الغربية المهمة القائلة بأن البشر يعيشون في عالم عقلاني تماما، وأن التفحص العلمي للنظام الكوني هو مبحث روحاني))ص١٢٤.
الإيمان.
بعد حادثة تهديم المعبد من قبل الرومان سنة ٧٠ ق.م. بدأ بعض الكهنة والكتبة و الفريسيين[معناها المنعزلون و هي طائفة يهودية]بمحاولة لـ((تحويل اليهودية من عقيدة تتمحور حول المعبد إلى ديانة ترتكز على كتاب مقدس كي تحل التوراة محل قدس الأقداس ودراسة الإنجيل محل الأضحيات الحيوانية))ص١٣٦.وقد استخدموا طريقة “البريكولاج-bricolage” والذي يعني تأويل النصوص القديمة تأويلات جديدة تناسب احتياجات العصر ومتطلبات مجموعات الطلبة المختلفة. و((كان تأثير التأويل عليهم مثل تأثير اليوجا على البوذيين و الهندوسيين، لم تكن الحقيقة التي سعوا إليها مجردة أو نظرية، بل تُستَمد من ممارسات تدريبات روحية))ص١٣٨.وبالنسبة للمسيحيين تعتقد الباحثة أنه على الرغم من((أن بولس و كتبة الإنجيل أسموا عيسى”ابن الله”، فلم يكونوا يزعمون له أية صفة إليهية. كانت مثل تلك الفكرة لابد و أن تكون صادمة لهم))ص١٤٥.((و مثل الإنجيل العبراني، يسجل العهد الجديد مدى متسعا من الرؤى و الآراء، ولا يؤسس لعقيدة واحدة مترابطة راسخة))ص١٤٧. وترى أن مفهوم الإيمان لم يكن كما نفهمه اليوم، فلفظ “إيمان” في العهد الجديد ترجم عن اللفظ اليوناني pistis الذي يعني”ثقة، ولاء، اضطلاع بالمهام والإلتزام”. ولكن هذا تغير في القرن السابع عشر حيث أصبح لفظ “عقيدة أو إيمان belief” يستخدم لوصف مصادقة فكرية على نظرية افتراضية غالبا مشكوك في أمرها.ص١٤٩. وأيضا ترى الباحثة أن تغيرا شبيها بهذا حصل لمفهوم “المعجزة” فقد كانت “المعجزات” في العالم القديم أمرا عاديا، ومهما كانت لافتة أو مهمة، لم يخطر على بال أحد أنها تشير إلى أن من يقوم بها كان فوق مستوى البشر بأي شكل. ص١٥٠.
حين تصل الباحثة إلى الإسلام فإن نظرتها إليه تتماشى باتساق مع نظرتها إلى الديانات والفلسفات السابقة عليه. فهي ترى بأن القرآن لا يهتم كثيرا بـ((الإعتقاد والتنظير وحقا فهذا مفهوم غريب على الإسلام)) وأن((أركان الإسلام الخمسة دعوة للعمل المكرس))ص١٦٦.((لم يكن المطلوب أبدا قراءة نصوص القرآن قراءة حرفية تبسيطية. لا يُقصد بالآيات العظيمة عن الخلق و الحساب ويوم الدين فرض “اعتقاد”بل هي دعوات للفعل والعمل، وواجب المسلمين هو ترجمة تلك المبادئ إلى سلوك عملي))ص١٦٧.
الدين العلمي.
تغيرت النظرة إلى”الله”مع تطورات العلم و اكتشافاته، واصبح الله هو((مؤلف الحقائق الرياضية و صانع نظام العوامل الطبيعية)) ولكن هذا الإله المعزول عن الناس ((ليس بإمكانه أن يأتي بالنور إلى ظلمة الوجود البشري و آلامه. فلن يتسبب “ذلك الإله” إلا في إلحاد الناس))ص٣١١. “و هكذا تم اختزال الله إلى تفسير علمي و منح وظيفة في الكون واضحة التحديد))ص٣١٩.إن الدين العلمي((كان على وشك أن يجعل الله غير معقول أو مصدق. فمن خلال اختزال الله في تفسير علمي، كان علماء وفلاسفة القرن السابع عشر يحولونه إلى صنم، مجرد إسقاط لتصور بشري))ص٣٢٣. وترى الباحثة أن التناقض الكامن في حركة التنوير، بعد ذلك، تكمن في أن الفلاسفة أصروا ((على أنه ينبغي للأفراد القيام بعملية التفكير المنطقي بأنفسهم و على الرغم من ذلك، لم يكن من المسموح لهم التفكير إلا وفق الأسلوب العلمي فقط))ص٣٣٦.
((في أفضل أحواله، ساعد الدين الناس على إقامة ملاذ للسلام داخلهم مكنهم من التعايش الإبداعي مع أحزان الحياة؛ و لكن، أثناء العصر العلمي حل اليقين العلمي غير المبرر محل الأمان المستبطن. وفيما تراجع الإيمان وانخفض مستواه، شعر الكثيرون في العصر الڤيكتوري[التاسع عشر] بالخواء الذي خلفه وراءه))ص٣٩١.و((بجعلهم “الله” حقيقة مفاهيمية محضة يمكن التوصل إليها من خلال التفكير العلمي العقلاني، من دون شعائر، صلوات، أو التزام أخلاقي، قتل الرجال والنساء الله بالنسبة لأنفسهم))ص٣٩٢. ولكن الدين((مبحث عملي ولا تستند أفكاره التي يلهمنا بها إلى تأملات مجردة بل إلى تدريبات روحية وأسلوب حياة يتسم بالإخلاص والتكريس والتجرد وبدون مثل هذه الممارسات يستحيل فهم حقيقة مبادئه))ص٤٨٢

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق